هل تعرف ماذا يبقى حيّاً في ذاكرة الشعوب ؟

هل تعرف ماذا يبقى حياً في ذاكرة الشعوب ؟ – بقلم: سامح عبد الله

جزء كبير من تاريخنا العربي كان عبارة عن قصائد مديح لأمراء وسلاطين مقابل” أكياس ” من الدنانير وجزءا كبيرا أيضا كان قصائد هجاء في حق كل من يغضب الأمراء والسلاطين وكانت أيضا من أجل هذا المقابل.

بين مدح السلطان و هجاء خصومه كانوا يتسامرون بينما هناك شيئا إسمه الرعية كل ما هو مطلوب منها أن تشجيهم قصائد المدح وأن يزعجهم هجاء السلطان.

تحول الأمر بعد ذلك وحتي هذا الوقت إلي شيء ملعون إسمه “الأغاني الوطنية” شيء مثيل لما كان يباع قديما ، لم يختلف شيئا.. هناك سلطان يمدح وهناك معارض للسلطان يقدح وهناك ثمن يدفع… ثم لا يبقي شيئا في الذاكرة !

كل الكلمات تتبخر عندما يرحل السلطان..
تفصل كلمات جديدة لغيره علي مقاسه هو
لا يهم إذا ما كانت تتناقض مع سابقتها أم لا
المهم أن تعجبه وأن ترتاح لها آذانه ولا مانع من أن يتمايل معها طربا.
تذكرون الأغنيات التى قيلت في القومية والاشتراكية والعمال والفلاحين وتحالف قوة الشعب..
تذكرون الكلمات التي قيلت في حق فلسطين والعروبة وفي حق “العدو الصهيوني” الغاصب والمحتل والتى كانت تبشر بنهايته المحتومة !
كل هذا ذهب مع رحيل الزعيم والنظام وتم تفصيل أشياء مقابله للنظام الجديد وزعيمه
الجديد… ولم يبق شيئا في الذاكرة..!

وما زال الأمر قائما مستمرا بنجاح ليس له نظير.. نغني لوطن حزين ما عادت تطربه كلمات الأغنية لأنه أدرك أنها مجرد كلمات
ويكفي أن نتذكر أن آخر ما غني لمبارك كان “اخترناك”.. جموع الشعوب ممثلة في كل طوائفه و فئاته كانت تغنى له فوق خشبة مسرح “اخترناك” وكان الزعيم يتمايل طربا معها..
بينما خرجت الجموع الحقيقية تقول له عكس ذلك.

ما يبقي في الذاكرة هو العمل الذي يقدم للإنسانية شيئا نافعا.. هو العمل الذي يحقق النهضة للأوطان وللإنسان قبلها لأنه أصل كل تقدم ومنبع كل حضارة.
أنظروا مثلا إلي الولايات المتحدة الأمريكية وبعيدا عن سياستها الخارجية فإنها لم تقدم للعالم بخصوص هذا الشأن أكثر من دستور من يضع مواد وحد بين الولايات الأمريكية في شبه معجزة وظل باقيا منذ أكثر من قرنين من الزمان لم يعدل ولم تغير مواده ولم تختلف باختلاف الحزب الذي يحكم لأن الواقع أن الذي يحكم هناك هو إدارة وليس زعيما ملهما تتنزل عليه الحكمة من كل صوب

انظروا إلي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أخرجته فرنسا للعالم بعد الثورة الفرنسية تلك اللحظة التاريخية الباقية في ذاكرة العالم أنه الشيء الباقي هناك
والذي من أجله استقالت وزيرة العدل في الحكومة الحالية لأن الحكومة قدمت مشروع قانون تضمن من وجهة نظرها ما يتعارض مع القيم التى تضمنها هذا الإعلان. لم تقدم فرنسا للعالم مجموعة من الأغنيات الوطنية لكنها
قدمت فولتير وجان جاك روسو ومونتيسكيو وغيرهم..

انظروا ماذا فعل غاندي للهند وكيف قاوم الاستعمار البريطاني بسلمية وعمل فريدين.. لقد اجتمعت سلميته التى اختارها نهجا بعمل جاد وليس بشعار براق.. غزل الرجل ثيابه علي نوله الذي صنعه بيده في رمزية عظيمة لمقاطعة المصنوعات البريطانية التى كانت تحتكر القطن الهندي ومن قبله المواطن
هنا بقي غاندي وبقي عمله العظيم خالدا في الذاكرة..

انظروا إلي ما فعله مانديلا في جنوب أفريقيا ومقدرته الفائقة في إخماد نيران حربا ضروس كانت تقتل كل شيء هنا في عاصمة التفرقة العنصرية في العالم فحولها إلي بلد إذا ذكرت المساواة بين البشر ذكر هو..
بفضل حكمة هذا القائد كان الرجل الأبيض يعترف بخطئه ومسؤوليته عن القتل غير المبرر وبعزمه علي العيش في سلام..
واعتزل مانديلا السلطة بعد أربع سنوات فقط قضاها في حكم البلاد لكن ما صنعه بقي حيا في الذاكرة.

انظروا إلي ألمانيا بعد سقوط هتلر كيف أقام شعبها نهضة من خلال ركام الأنقاض التى خلقتها الحرب..
كيف صنعت المرأة الألمانية المعجزة التى تعيشها هذه الأمة حتى اليوم.
لم تنهض ألمانيا بالشعار ولا بالأغنيات الوطنية
نهضت بعمل جاد تسبقه رغبة أكيدة علي تغيير الواقع وبقي ما صنعته المرأة هناك خالدا في الذاكرة.

انظروا الي الشعب الياباني الذي جرب فيه أول سقوط لقنبلة ذرية على الأرض وكيف أقام نهضة صناعية لا تضاهيها نهضة رغم أنه دفع ثمنا باهضا من ارواح مواطنيه لم يتكرر في التاريخ..
لكنه نهض.. ليس بالشعار الأجوف لكن يعمل وعقيدة وإرادة.. تلك هى معادلات نهضة الأمم والأمثلة كثيرة كثيرة وما بقي سوي أن نقرأ التاريخ ونتعلم منه الدروس بدلا من تزييف صفحاته وتشويهها.

كل الأمم المتحضرة ليس لديها من الأغنيات الوطنية سوي سلامها الجمهوري أو الملكي..
قطعة موسيقي تعبر عن الانتماء للوطن أو للأمة قد تأتي معها كلمات في نفس السياق.
ليس هناك مطرب للثورة ولا كلمات للزعيم ولا شيء كما يحدث في أوطاننا..

تلك الصورة القديمة التى يلتقط فيها الشعراء مقابل مدحهم أو هجائهم أكياس من الدنانير مازالت موجودة كل ما في الأمر أن شكل العملة قد اختلف لكن الكلمات في الحالتين قد تشابهت و تناثرت و تبخرت..!

حضارة الأمم تقاس بمقدار ما تقدمه للبشرية من أفكار خالدة والفكرة لن تكون خالدة إلا بالمضمون والرسالة..
وعندما ندرك هذا ربما نلحق مرة أخري بركب الحضارة… ربما !

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك