معلومات ربما لا تعرفها عن ” تشارلز ديكنز”

معلومات ربما لا تعرفها عن ” تشارلز ديكنز” – بقلم: حصة منيف

يعد تشارلز ديكنز Charles Dickens واحداً من أكبر الروائيين الإنكليز وأكثرهم شعبية. يجمع في إنتاجه الأدبي الهائل القدرة المتميزة على القصّ والدعابة والتهكم ورسم الصور المثيرة للتعاطف والنقد الاجتماعي الحاد، إضافة إلى دقة الملاحظة في تصوير الأشخاص والأماكن، سواء أكانت واقعية أم متخيلة. ترسم رواياته صوراً بانورامية تعبّر عن تعاطفه مع الضعفاء في المجتمع، وعُرف أيضاً بقراءاته لأجزاء من أعماله على المسرح إذ كان يدفع جمهوره إلى الضحك أو البكاء. وما تزال مؤلفاته تلقى رواجاً واسعاً، فهي تُقرأ وتُدرَّس وتمثّل على خشبات المسرح، وتصور في أفلام ومسلسلات، مما يؤكد التأثير المستمر لإبداعه.

ولد ديكنز في بورتسموث Portsmouth بإنكلترا في أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقضى معظم سنوات طفولته في لندن ومقاطعة كنت Kent اللتين صورهما في رواياته. بدأ يدرس في سن التاسعة، لكنه ما لبث أن اضطر إلى ترك الدراسة وهو في الثانية عشرة، حين سجن والده بسبب ما ترتب عليه من ديون، فعمل في صنع أصبغة الأحذية في لندن، وكانت في رأيه من أفظع التجارب في حياته، فلقد اتسمت بالوحدة والخوف المستمر، وصورها في روايته «ديفيد كوبرفيلد» David Copperfield  ت(1849-1850) وفي روايات أخرى شخصياتها أطفال يعانون اليتم والفاقة، كما في «أوليفر تويست» Oliver Twist  عام (1838). على الرغم من عودته للدراسة مدة وجيزة بعد تحسن أحوال والده المادية وخروجه من السجن، فقد اعتمد على جهده الشخصي في تثقيف نفسه، فقرأ «ألف ليلة وليلة» ومؤلفات شكسبير[ر] وثربانتس[ر] والعديد من روائيي القرن الثامن عشر الذين يظهر تأثيرهم في كتاباته المبكرة. بدأ في سن الخامسة عشرة العمل في مكتب محاماة، وبعد أن أتقن حرفة الاختزال عمل مراسلاً صحفياً في المحاكم والبرلمان مما أكسبه قدرة على الوصف الدقيق الذي ميّز أسلوبه فيما بعد.

لم تخل حياة ديكنز من المغامرات وخيبات الأمل العاطفية بدءاً من فشله في الزواج من ماريا بيدنل Maria Beadnell ثم زواجه عام 1836 من كاثرين هوغارت الذي كانت نتيجته عشرة أولاد، لكن حياته الزوجية لم تحقق له السعادة لعدم تواؤم الأمزجة فانفصلا في عام 1858، وعلاقته بالممثلة الشابة إيلين تيرنان Ellen Ternan التي دامت حتى آخر حياته. وتضافر كل هذا مع خيبة أمله في أولاده وشعوره بالإحباط مما أدى إلى إصابته بسكتة دماغية توفي إثرها في غادز هِل Gad’s Hill في مقاطعة كنت ودُفن في كنيسة وستمنستر.

نشر ديكنز عام 1833 تحت الاسم المستعار «بوز» Boz الحلقة الأولى من سلسلة صور قلمية وصفية Sketches حول الحياة اليومية في لندن، تلتها حلقات أخرى ما لبثت أن ظهرت في مجموعة حملت عنوان «صور قلمية لبوز» Sketches by Boz. وبدأ بعد ذلك سلسلة أخرى مرفقة بالرسوم، لكنه حولها من مجرد صور قلمية موجزة إلى نوع من السرد الساخر، جمعها فيما بعد في كتاب أطلق عليه عنوان «أوراق بِكويك» Pickwick Papers  عام (1837). لاقت هذه الحلقات شهرة فورية واسعة، وفي حين طبعت أربعمئة نسخة من الحلقة الأولى، فقد طبعت أربعون ألف نسخة من الحلقة الرابعة. وبذلك وفي غضون أربعة أشهر فقط نال ديكنز شهرة واسعة داخل بلاده وخارجها.

حافظ ديكنز على شهرته بإنتاج سيل مستمر من الروايات التي نشرت جميعاً على شكل حلقات في الصحافة الأدبية يصفها بعض النقاد بالكتابة المتسرعة التي يعوزها الترابط، ويأخذون عليه أنه كان يراعي مزاج القراء الآني، نتيجة لردود أفعالهم إزاء كل حلقة. وإضافة إلى الكتابة أظهر ديكنز طاقات ومواهب متعددة، إذ ترأس تحرير عدة صحف أسبوعية وتولى رئاسة عدة مؤسسات خيرية وشارك في نشاطات تستهدف تحقيق إصلاحات اجتماعية وألف كتباً في أدب الرحلات منها «صور من إيطاليا» Pictures From Italy  عام (1846)، وألقى محاضرات أثناء رحلة مطولة قام بها إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1842. وقد هوجم في الصحافة هناك لتعبيره عن اشمئزازه من بعض سمات الحياة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بالرق والحقوق المدنية، وأعرب لدى عودته إلى إنكلترا عن خيبة أمله، وعبّر عن ذلك في «مذكرات أمريكية» American Notes عام (1842) و«مارتن تشزلويت» Martin Chuzzlewit  عام (1844). إن علاقة ديكنز بأمريكا علاقة حب وكره، فقد كان يراها بلاد أحلامه ويعول عليها الكثير، ولكن في الوقت نفسه هو الناقد الاجتماعي ذو النظرة الثاقبة الذي يكتشف الظلم والفظاظة في مجتمع يدعي التحضر والمساواة بين أفراده.

نشر ديكنز في عام 1843 قصة للأطفال بعنوان «ترنيمة عيد الميلاد» Christmas Carol نالت شهرة استمرت مع مرور الزمن، فواصل الكتابة حول هذا الموضوع حتى عام 1867، وكانت كتاباته هذه تنال شعبية فورية. كما ترأس فرقة مسرحية ظلت تمثل لسنوات، وقدمت عروضها أمام الملكة فكتوريا عام 1851. وفي أواخر حياته دأب على قراءة أجزاء من أعماله أمام الجمهور في إنكلترا والولايات المتحدة، وقد ساعد على نجاحه في هذا النشاط مواهبه التمثيلية وحبه للمسرح واعتزازه بتجاوب الجمهور معه.

تطورت روايات ديكنز من قصص ساخرة مبنية على شخصية مركزية إلى أعمال وثيقة الصلة بعصره، فقد أظهر اهتماماً واضحاً بمشكلات المجتمع الحديث كما في «أوليفر تويست» التي صب اهتمامه فيها على تصوير الشر في الحياة الاجتماعية مع حفاظه على الروح المرحة التي يتميز بها، وكان أول من رسم في كتاباته صوراً دقيقة عن الحياة اليومية في المدن. وبالرغم من أنه رسم وجهاً ضاحكاً لعالم مأساوي، إلا أنه لم يستطع أن يخفي خيبة أمله في مجتمع الثورة الصناعية. وكانت رواية «دومبي وابنه»Dombey and Son  ت(1846-1848) حاسمة في تطوره الفكري كروائي جاد يبحث عن الإجابة على الأسئلة الوجودية الكبرى في الحياة. كما صور فساد النظام القضائي في روايته «بيت كئيب» Bleak House  عام (1853) التي يعدها بعض النقاد درة أعماله وإن لم تكن أكثرها شعبية. وعالج تجربة السجن عبر أبطال روايتيه «الأوقات الصعبة»Hard Times  عام (1854) و«دوريت الصغيرة» Little Dorrit  عام (1857)، وحالة الفوضى التي عمت إبان الثورة الفرنسية في «قصة مدينتين» A Tale of Two Cities  عام (1859). وعبّر في روايتيه الأخيرتين «الآمال الكبيرة» Great Expectations  عام (1861) و«صديقنا المشترك» Our Mutual Friend  عام (1865) عن توتره وخيبة أمله.

قال ديكنز في إحدى المناسبات إنه كان يشكل في خياله صورة لمشهد ما، بحيث يزاوج بين الصورة وما ينسجه خياله. وقيل عنه إنه يصور لندن للأجيال القادمة بنظرة حادة دقيقة الملاحظة، تهتم بالتطورات الاجتماعية والسياسية بلغة بسيطة سهلة المنال. وتعبر كتاباته في خمسينيات القرن التاسع عشر عن قنوط ويأس شديدين بسبب الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة، إذ صار التهكم أكثر قسوة والنهايات السعيدة أقل ظهوراً. أما من الناحية الفنية فقد كانت رواياته الأخيرة أكثر تماسكاً، وحبكتها أشد التصاقاً بالموضوع. ويتسم أسلوبه بغزارة الصور المتخيلة والرموز، كما يخضع رسم الشخصيات فيه أكثر فأكثر للهدف العام فتصير أكثر تعقيداً.

ليس هناك مفتاح سهل يمكن به فتح مغاليق مثل هذا الفنان الغزير الإنتاج المتعدد المواهب، فرواياته تغطي مساحة واسعة من القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعاطفية والنفسية. وعلى الرغم من أنه يضع الناس العاديين محل اهتمامه الأساسي، فإنه يركز على الحالات الشاذة التي تصور غرابة الأطوار وفساد الأخلاق والجنون والهلوسات والأحلام.

ظلت روايات ديكنز الأولى أكثر شعبية، وظل نقاده يعترضون في أول الأمر على رواياته المتأخرة، مستهجنين فقدانها روح الدعابة ولجوءها المتزايد إلى الصور الرمزية والمتخيلة. ومع أن الكاتب لم يوضع قط في زاوية النسيان ولم يفقد شعبيته، غير أنه لم يلق اهتماماً لافتاً في السنوات السبعين التالية لوفاته، وأخذ بعض النقاد يصفون كتاباته بأنها مجرد كتابات كاريكاتورية سريعة. ولم يهتم دارسو السير الشخصية به حتى منتصف القرن العشرين، حين أخذوا يعيدون تقييم أعماله ويكشفون مدى عمقها وتميزها، ليتوصلوا إلى أنه لم يكتب لعصره فحسب بل لكل العصور. وأظهرت الذكرى المئوية لوفاته عام 1970 توافقاً بين النقاد على أن مكانة ديكنز في الرواية تعادل مكانة شكسبير في المسرح، وقد قورن به فيما يتعلق بسعة الخيال والطاقة الإبداعية، فهما ينفردان بما خلّفاه للعالم من أعمال كثيرة تتمتع بالشعبية على عكس عدد من الأدباء المرموقين الذين قامت شهرتهم على عمل واحد. فالشخصيات الخالدة التي ابتكرها ديكنز متفردة، كما هي لدى شكسبير. ومن أحب الشخصيات لدى القراء الطفل المقعد تيم الصغير Tiny Tim في مواجهة البخيل سكرودج Scrooge، الذي ينقلب سلوكه رأساً على عقب لتأثره بمعنى الأعياد، في «ترنيمة عيد الميلاد»، وأوليفر في «أوليفر تويست»، ونِل الصغيرة Little Nellالمريضة في «دكان التحف القديمة» The Old Curiosity shop عام        (1841) التي كان القراء يتابعون مصيرها من حلقة إلى أخرى برهبة وشوق كبيرين، وكان الأمريكيون منهم ينتظرون على رصيف الميناء في نيويورك لتقصي أخبارها من المسافرين القادمين من إنكلترا، وكذلك شخصيات ديفيد كوبرفيلد David Copperfield  ت(1849-1850) ونِكولاس نِكلبي Nicholas Nickleby  عام         (1839) وبيب Pip في «الآمال الكبيرة»، التي تتضمن الكثير من شخصية المؤلف نفسه ويمكن عدّها سيرة ذاتية، وتعاني هذه الشخصيات العوز والاضطهاد في طفولتها ثم تتطور إلى شخصيات ناجحة في حياتها العملية ولكن على حساب سعادتها.

عاش ديكنز في عصر شهد تحولات حاسمة، وكان قادراً على تمثيل عصره وتسلية قرائه في آن معاً فترك أثراً واضحاً في جيله والأجيال التالية.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك