بماذا يخبرك الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» عن موقع «صراحة»؟

بماذا يخبرك الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» عن موقع «صراحة»؟

هل أنت مستعد لمواجهة الصراحة؟ احصل على نقد بناء بسرية تامة من زملائك في العمل وأصدقائك.

هكذا يعرض موقع «صراحة» الذي شاع استخدامه مؤخرًا كمنصة اجتماعية جديدة رسالته والهدف من إنشائه. بهذا تنضم المنصة الجديدة لمثيلاتها من مواقع التواصل الاجتماعي التي تغطي شتى مجالات النشاط الإنساني، موقع شبيه آخر هو «أسك إف إم» الذي يعرض رسالته التي يقول فيها: «نحن حيث يريد العالم أن يعرف عنك». لا تختلف هذه الرسالة كثيرًا عن الجملة التي يقابلك بها موقع فيسبوك حين يقول «في ماذا تفكر».


السوشيال ميديا وتشكُّل الإنسان الجديد!

يبدو الأمر وكأن العالم محموم بالمعرفة عنك ومنك بكل الطرق والمداخل الممكنة، ولا تكتفي هذه المواقع بمحاولة المعرفة عنك كشخص إنما كواقع وانتماء عن سيرورتك لحظة بلحظة. ماذا تأكل؟ وأين أنت؟ من تحب؟ كيف تبدو؟ في الحقيقة الأمر إثارة أنها لا تكتفي بذلك فقط بل قد تذهب أحيانًا إلى المدى الذي تفرض فيه عليك كيف تعرض نفسك، وكيف تُعبر عنها فتفرض عليك عددًا مُعيّنًا من الأحرف، أو وسيلة معينة للتعبير  أكثر كالفيديو أو الصوت.

في منشور نشره على صفحته في سنوية «فيس بوك» أشار المؤسس مارك زوكربيرج إلى أن الموقع حقق نجاحًا كبيرًا عبر منصاته المتعددة في ربط مزيد من الناس بعضهم ببعض، ولكن بالنسبة له فالأمر لا ينتهي عند هذا الحد؛ فهو يطمح لرفع صورة أكثر واقعية بجذب المجتمعات المحلية وممثليها مثل الكنائس والمساجد والجمعيات الخيرية والنوادي. يريد للفيس بوك ألا يكون صورة مجتزأة عن المجتمع إنما أن يكون هو المجتمع ذاته!

الأمر يتجاوز إذن مسألة التقدم التكنولوجي أو ما تتيحه التكنولوجيا من سهولة معيشية، بل يصل إلى تكوين الإنسان نفسه، وإعادة تشكيله. ربما نحن بصدد ولادة الإنسان الجديد، الإنسان التواصلي بتعبير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس. يحاول هابرماس في أطروحته المركزية إعادة تشكيل المجال العام ليصبح ملاذًا للعقلنة التواصلية نافيًا عنه العقلية الأداتية أو عقلية الأنساق المغلقة التي سادت قبله، لكنه يرى أن الوصول إلى هذه الأخلاق التواصلية يمرّ بمرحلة طويلة من عمليات إعادة تشكيل الذات نفسها ليكون بإمكانها التفاعل داخل هذا المجال العام الجديد ضمن ما يسميه بـ«الديمقراطية التشاورية».


مذبح الاعتراف

كل فرد يولد على شكل أشخاص عديدين ويموت شخصًا واحدًا فقط.

مارتن هيدجر

ربما قصد الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر بقوله هذا أن حياة الإنسان هي سيرورة من تشكيل الذات لا تنتهي إلا بالموت. أي أن كل فعل أو إرادة تصدر عن الإنسان أو تجاهه هي خطوة في هذه السيرورة؛ لذا فإن الكشف عن آليات عمل هذه الأفعال والإرادات في تشكيل الذات يعتبر من أهم مهمات الفيلسوف أو المثقف الذي يطمح لتجاوز التجريدات إلى ما هو واقع فعلاً.

لا بد أن الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو وعى هذا الدرس جيدًا فقضى حياته ومشواره الفكري محاولاً الكشف عن هذه الآليات مبتدئاً بسلطة العقل أي الإبستيمولوجيا مرورًا بسلطة الخطاب وانتهاء بتقنيات الذات في تشكيل نفسها أو مقاومة هذا التشكيل وهي الأهم من وجهة نظره، بعد رحلة طويلة من المكابدة ضد سلطة الخطاب، وهي النتيجة التي عبر عنها بقوله: «ربما كنت أصر كثيرًا على تكنولوجيا الهيمنة والسلطة. ولكني الآن أكثر اهتمامًا بالتفاعل بين الذات والآخرين، وتكنولوجيات السيطرة الفردية، وصيغ العمل التي يمارسها الفرد على نفسه عن طريق تكنولوجيات الذات».

يتبع فوكو في رؤيته للذات التعريف الأرسطي الذي يرى الذات من مناظير المتعة والإثارة الحسية والمعرفة والسلطة والسعي للحقيقة؛ لذا فإنه بهدف الكشف عن الذات يبحث في كيفية تشكل المعرفة سواء عن طريق التأمل والاستبطان الذي يسعى للحقيقة وعن طريق الكتابة بالتوازي مع الكشف عن كيفية العناية بالجسد والبحث عن المتعة والإثارة الحسية؛ ابتداء بالطعام وليس انتهاء بالجنس.

لا تنفصل مسائل المعرفة والجنس بالنسبة لفوكو عن الحاكمية والسلطة، ففي التقليد المسيحي الغربي بحسب قوله «تطلب الحكومة من أولئك الذين ينقادون لها ليس فقط أفعال الطاعة والخضوع، ولكن أيضًا أفعال الحقيقة، مع شرط غريب، ليس مجرد قول الحقيقة، ولكن قول الحقيقة عن نفسه، وأخطائه، ورغباته، وحالة روحه… وهلم جرا». يعتبر فوكو إذن الاعتراف جزءًا لا يتجزأ من التراث المسيحي، وهو الطقس الذي اتخذ أشكالاً حديثة عديدة منها التحليل النفسي أو ما نحن بصدده في هذا المقال من مواقع التواصل الاجتماعي، في هذا «الطقس»  أو هذه «التقنية» بتعبير فوكو تصبح الذات في مرحلة تحول بين المعترف والمخاطب. أي أن الذات تتشظى بين الأنا والأنت «الآخر» بحيث لا تعود هي هي الذات التي كانت قبل طقس الاعتراف. لا تصبح مشكلة طقس الاعتراف إذن على حسب تعبير جوديث بتلر في الانفتاح على الغيرية إنما خلق «الأنا» من غيريات كثيرة.

تتفرع لدينا إذن مسألتان في هذه النقطة. المسألة الأولى:  أن السلطة التي تدفع الذات إلى طقس الاعتراف، وهي في حالتنا هذه سلطة نيوليبرالية أو اقتصادية تسعى للكشف عن رغبات الإنسان كسلعة يمكن بيعها والمتاجرة فيها. أي أن مساحات الاعتراف والتواصل التي تتيحها منصات التواصل الاجتماعي ليست مجانية أو ذات طابع أخلاقي ألبتة؛ إنما تدفعها فكرة ما بعد رأسمالية جوهرية مرتبطة بعصر المعلومات تتمثل في أن الإنسان أو الذات الإنسانية بما تحتويه من معرفة ورغبة أصبحت أهم السلع التي يمكن الاتجار فيها. المسألة الثانية: هي أن الذات الناتجة بعد هذه العملية تصبح نتيجة ذوات كثيرة متداخلة حاضرة في طقس الاعتراف أو مشاركة فيه على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يعود بنا إلى نظرية هابرماس التواصلية.


انتقام الانتماءات المغدورة

أحد الأسس السوسيولوجية التي استند عليها هابرماس في نظريته التواصلية هي فكرة عالم الاجتماع الأمريكي هربرت ميد عن دور الآخر في تشكل الأنا؛ إذ يعتبر ميد أن الذات هي نتاج ناشئ ومتطور من عملية التفاعل الاجتماعي؛ إذ يبدأ الفرد بالتعرف على ذاته من خلال آراء الآخرين فيه منذ السنوات المبكرة من حياته. في هذه المرحلة يكون اللعب شبيهًا بما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ لا يكون مفروضًا عليك معرفة الدور الذي ستؤديه فقط إنما ما يتوقعه الآخرون من هذا الدور.

في هذا الإطار يشكك الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في قدرة هذه الفلسفة التواصلية على خلق وضع أفضل للاجتماع البشري كونها تفقد القدرة على إبداع المفاهيم الفلسفية والفكرية التي تستدعي في حد ذاتها شكلاً مستقبليًا، وأرضا جديدة، وشعبًا لم يوجد بعد، أو بتعبير نعوم تشومسكي تصورًا لمجتمع أكثر عدلاً. لا توفر الديمقراطية وبالتحديد في شكلها التشاوري هذه المفاهيم لأنها تفتقر إلى الإبداع وإلى الرغبة في خلق هذا التصور. بالتالي «لا يجب علينا النظر إلى انتشار النمط الأوروبي باعتباره صيرورة وإنما يشكل فقط تاريخ الرأسمالية كحاجز في وجه صيرورة الشعوب الخاضعة».

تتطلب عملية التشكل الديمقراطي النابعة من التواصل بحسب دولوز تنازلاً مشتركًا عن الأنساق الفكرية الذاتية لصالح نسَق متفق عليه أو متوافق عليه. وفي هذه الحالة يتم استبعاد الانتماءات التفريقية النابعة من اختلافات طبقية وثقافية والاجتماعية ذاتية بما هي مفاهيم أو أنساق فكرية مغلقة تتسم بالوحدة والتماسك؛ وذلك في فضاء عولمي مفتوح تمثله شبكة المعلومات. لا يتبقى أمام الفرد أي وسيلة دفاعية للحفاظ على تماسكه الذاتي وتمايزه سوى الاختباء خلف هوياته الجندرية والجنسية وسماته الشكلية.

على أنه سرعان ما ترتد هذه اللعبة الخطرة؛ فتعود الانتماءات الاجتماعية والثقافية والاجتماعية والطبقية المغدورة المتنازل عنها للتعبير عن نفسها على أرض الواقع بشكل أكثر حمائية وجنونية. ربما يكون صعود موجات اليمين الشعبوي وانتخاب ترامب أفضل تعبير عن هذا الانتقام!

المصدر: موقع إضاءات

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك