المعجزة الربانية .. بين التدخل الإلهي المباشر وصناعة الإنسان لها

المعجزة الربانية .. بين التدخل الإلهي المباشر وصناعة الإنسان لها – بقلم: طاهر يونس حسين

المعجزة هي شيء خارق للعادة و للقوانين الطبيعية، و لكنَّها غير خارقة للعقل بمعنى يمكن للعقل البشري أن يتقبلها .. لأنه على مستوى العقل البشري هناك شيئين مهمين هما الممكن و المستحيل.. بمعنى هناك أشياء يمكن للعقل البشري تقبلها حتى و إنْ لم تكن هناك إمكانية للتحقيق.. على سبيل المثال هل يمكن لي أن أُشاهد إنساناً يطير بدون آلة.. الجواب ممكن على مستوى العقل.. هذا الشيء ممكن و لكن الآلية غير متوفرة .. هل من الممكن أن يسافر الإنسان عبر الزمن سواء في الماضي أو المستقبل الجواب.. عقلياً ممكن و ما المانع، و لكن الآلية غير متوفرة.. بالتالي عندما نشاهد في عصرنا إنساناً يطير بدون آلة هذه معجزة بالنسبة لنا، و هي خارقة للعادة و للقانون الطبيعي و لكنَّها غير خارقة للعقل، و لكن مثلاً لو قلنا هل من الممكن أن يصبح العدد 10 أكبر من العدد 20.. الجواب مستحيل و لو بعد مليار عام لن تصبح الـعشرة أكبر من العشرين .. هذا أمر مستحيل لا يمكن تحقيقه، و المعجزة تدخل ضمن إطار الممكن و لكنَّها شيء خارق للعادة و للزمان الذي تجري به المعجزة.. و هي تكون بتدخل إلهي مباشر لإثبات رسالة نبي مثلاً، و لكن نفس هذه المعجزة قد يمنحها الله لكلِّ البشر في زمن آخر دون الحاجة لتدخل إلهي مباشر، و ذلك عن طريق اجتهاد الإنسان في البحث و العلم و سأضرب أمثلة على ذلك .. عندما طار سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام في حادثة الإسراء من مكة إلى القدس “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير ” الإسراء:1 .. هذه الحادثة في ذلك العصر شكلت معجزة لكل البشر على وجه الكرة الأرضية.. أمَّا الآن فهذا الأمر شيء عادي قد مُنح لكل البشرية، فبإمكانك الطيران من قطب الكرة الأرضية إلى قطبها الآخر دون حدوث تلك المعجزة ..

مثال آخر مريم العذراء عليها السَّلام.. عندما ولدت المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة و السَّلام دون أب.. شكلت هذه الحادثة معجزة في ذلك العصر ” إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِين * وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا وَ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون ” آل عمران :45-47.. أما الآن فتجري ببساطة عملية تخصيب البويضات خارج الرحم ثم يتم زرعها في الرحم ليحدث حمل طبيعي.. كما أنَّه هناك دراسات لإنتاج خلايا ملقحة من جلد الإنسان نفسه دون الحاجة للأب و الأم حتى، ثمَّ زرع البويضة الملقحة في أرحام اصطناعية ( آلات اصطناعية ) منتجة جنينا كاملا، سيأتيني رجلٌ متكبر، و يقول طالما نحن كبشرية حققنا هذا الأمر بالعلم فلا حاجة لنا لمعجزات الإله، نقول له: لولا الإمكانيات التي وفرها لك ربك من كهرباء و بترول و أمواج كهرطيسية ..إلخ، هل كنت ستستطيع تحقيق كل هذا؟! .. لولا الإمكانيات التي وفرها لك ربك.. لن تستطيع يا سيد صناعة برغي سيارة ” وَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون ” الجاثية:13، كما أنَّك أنت كإنسان من أسفل قدمك حتى رأسك عبارة عن صناعة ربانية عجيبة .

إنَّ إسراء محمد كان معجزة في ذلك الوقت و الآن ليس بالمعجزة، و لكنَّ معراجه للسَّموات العلى لازال يشكل معجزة حتى وقتنا الحاضر، و لكن ربما بعد زمن طويل أو قصير سيستطيع العلم العروج بالإنسان إلى السَّموات العلى و ذلك بعد اختراع التقنيات الملائمة لذلك.

” يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان ” الجن : 33

بالتالي الأمر مُتاح أن تنفذ أيها الإنسان من أقطار السموات العلى إذا توفر السُّلطان الرباني المناسب لهذا الأمر، و قد تُعطى ذلك السلطان لتشاهد ملكوت السموات العجيب.. ما المانع لذلك؟ ربما يأتي يوم نشاهد فيه الإنسان يمضي رحلات عجيبة في تلك السموات .

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك