القرآن بين الشفاهة والتدوين .. ماذا فعلت قريش بكتاب الله؟

القرآن بين الشفاهة والتدوين .. ماذا فعلت قريش بكتاب الله؟ – فوزي إسماعيل غلاب

الأحرف السبعة هي لغز الألغاز في تاريخ القرآن إلي الآن ، و تمثل مشكلة تاريخية من حيث وقت نزولها أو تشريعها أو الإذن بالقراءة بها، و من حيث علاقتها بتدوين القرآن بعهوده الثلاثة ( عهد النبي- عهد أبي بكر – و عهد عثمان).

و الحرف في كلام العرب لغةً معناه :الطرف و الجانب ، و أما اصطلاحاً فمن الراجح أن الأحرف السبعة هي: سبعة أوجه عربية فصيحة من لغات العرب و لهجاتهم أنزل عليها القرآن.

و يحدث الخلط كتيراً بين الأحرف السبعة و القراءات السبع المشهورة، تلك التي عُرفت و اشتهرت في القرن الرابع الهجري علي يد الإمام المقرئ ابن مجاهد الذي ألف كتاباً جمعها فيه ، و هي قراءات ( نافع المدني- ابن كثير المكي- عاصم الكوفي- حمزة الزيات الكوفي- الكسائي الكوفي- أبوعمرو بن العلاء البصري- عبدالله بن عامر الشامي).

و قد اختلف العلماء في بيان الأحرف السبعة ، و تعددت فيها الآراء حتي جاوزت أربعين رأياً، و من أشهرها تصنيف الإمام أبوالفضل عبدالرحمن الرازي ،حيث قال أن كل حرف من الأحرف السبعة جنس ذو نوع من الاختلاف، و صنف أوجه الاختلاف كالتالي:

١-اختلاف في الحركات بلا تغير في المعني و الصورة.
٢- اختلاف في الحركات بتغير في المعني فقط.
٣- اختلاف في الحروف بتغير المعني لا الصورة.
٤- اختلاف في الحروف بتغير الصورة لا المعني.
٥- اختلاف في الحروف بتغير الصورة و المعني.
٦- الاختلاف في التقديم و التأخير .
٧_ الاختلاف في الزيادة و النقصان.

و المذهب الثاني و هو المُرجح أن المراد بالأحرف السبعة لغات من لغات القبائل العربية الفصيحة ، أُنزل القرآن بما يألف و يعرف هؤلاء و هؤلاء من أصحاب اللغات ، مستخدماً تلك المفردات التي يسهل علي كل العرب فهمها ، كتلك التي استخدمها العرب قبيل البعثة النبوية في صياغة العهود و المواثيق و كتابة القصائد الشعرية ، و المعروفة قرابة قرن و نصف قبل الإسلام علي أرجح الآراء.

و بذلك فَرَقَ النص بين العربية البائدة (المتروكة) و العربية الباقية ، و يذكر دكتور طه حسين أن الإسلام أخضع العرب لسلطان لهجة قريش، ، بعد أن سادت الحجاز قبيل البعثة.

و يقول ابن جني في الدلالة علي سيادة قريش علي غيرها من اللهجات:

“ارتفعت قريش في الفصاحة عن عنعنة تميم، و كشكشة ربيعة، و كسكسة هوازن، و تضجع قيس، و حرفية ضبة، و تلتلة بهراء”.

أما المستشرق الألماني نودلكه فيذهب بأن فكرة سيطرة لهجة قريش و قصر التدوين عليها ظهرت في العصر الأُموي نتيجة لأسباب سياسية.

وقد ثَبُت القرآن تسجيلاً و مشافهة علي عهد النبي، و كانت المشافهة تضم حروفاً و روايات لم يعرفها التسجيل.
و قال الرافعي في تاريخ آداب العرب: ” كان بعض الصحابة يكتبون ما يتنزل من القرآن ابتداءاً من أنفسهم، أو بأمر من النبي،.. و لكن مما ليس فيه ريب أن فيهم قوماً جمعوا القرآن كله لذلك العهد، و قد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا علي نفرٍ، منهم علي بن أبي طالب، معاذ بن جبل، و أبي بن كعب، و زيد بن ثابت، و عبدالله بن مسعود”.

و قد كلف أبو بكر بمشورة من عمر بن الخطاب زيد بن ثابت بجمع القرآن بعد وفاة الكثير من الحُفَّاظ في حرب اليمامة ، و جمعت الصحاف و الرقاع و العظام و اللِخف في بيت الخليفة أبي بكر ثم من بعده عمر بن الخطاب الذي انتقلت بعد وفاته إلي بيت ابنته أم المؤمنين حفصة ، غير أن العديد من المصاحف انتشرت في الأمصار مثل مصحف سعد بن معاذ باليمن و مصحف أبي موسى الأشعري في البصرة والمسمي “لباب القلوب”،و عبدالله بن مسعود في الكوفة، و مصحفي المقداد و سالم في مصر و الشام.

أما تدوين مصحف عثمان فيقال أن الأمر كان بمشورة من أبي حذيفة بن اليمان بعد أن رأي اختلاف الناس في الأمصار في القراءة إلي حد الاقتتال و التكفير ، و أوكل عثمان الأمر إلي جماعة من الحُفاظ ، و قيل أن عثمان سأل : من أكتب الناس ، قالوا : زيد بن ثابت، قال فأي الناس أعرب، قالوا: سعيد بن العاص، قال فليمل سعيد و ليكتب زيد، فإن اختلفوا في صياغة لفظة ردوها إلي لهجة قريش، و لم يعارض تلك الفكرة من كبار الصحابة أحد معارضة صريحة إلا عبد الله بن مسعود ، الذي رأي في استبعاده من تلك المهمة إهانة لشخصه و مكانته،و مدللاً بقول رسول الله :” من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل، فليقرأه علي قراءة ابن أم عبد” ، أنه اختص عن باقي الحفاظ بالقرآن المكي.

و أمر عثمان بنسخ خمسة نسخ من المصحف وزعت علي الأمصار في الشام و مصر و الكوفة و البصرة و اليمن ، و أُمر بإحراق كل المصاحف الأخري .

و أحرق عثمان مصحف ابن مسعود ، كما أرسل لاحقاً مروان بن الحكم والي معاوية علي المدينة إلي عبدالله بن عمر في طلب مصحف أم المؤمنين حفصة بنت عمر ، و أمر بحرقه.

و أود الإشارة إلي الخلط الشائع بين مصحف عثمان و المصحف العثماني ،فالأول نسبةً للخليفة الثالث عثمان بن عفان، و الثاني نسبةً إلي الخطاط عثمان أشهر من خط المصحف بريشته .

ثم جاء من بعدهم أبو الأسود الدؤلي و نصر بن عاصم فأضافا النقاط و الحركات و علامات الوقف إلي المصحف ، كما لا نغفل دور الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أسهم في ظهور تقسيم المصحف الحالي من أجزاء و أحزاب .
و بالعودة إلي العلة من صياغة القرآن علي حرف واحد من الحروف السبعة فالبعض رد الأمر إلي ضرورة جمع المسلمين علي مصحف واحد لا خلاف فيه درءاً للفتنة و اختلاط الأمر و خصوصاً علي أهل الأمصار المفتوحة من غير العرب ، و الرأي الآخر بأن جمع القرآن علي حرف واحد من لغة قريش كان هدفه سياسياً و هو تكريس سلطة قريش و زعامتهم للعرب و أحقيتهم علي سائر بطون العرب في الاستئثار بالسيادة و الشرف عليهم كما علي غيرهم من المسلمين من غير ذوي الأصل العربي ، و هي رؤية تدعمها وقائع التاريخ خصوصاً في العصر الأموي ، و هو ما يخالف روح الإسلام الذي نادي بالمساواة بين البشر كافة ، فلا فرق لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي.
و بالنظر المُدقِق لاعتماد صياغة النص القرآني علي حرف واحد من الأحرف السبعة التي أجازها النبي قراءةً في حياته ،يظهر لنا أن تلك الحادثة التي انتصرت فيها قريش لأطماع الزعامة و السيادة علي العرب ، كما وصفهم د/ طه حسين قائلاً:

“أن النبي قد وعد قريش حين دعاها إلي الدين الجديد بمُلكِ الدنيا و حُسْنِ ثواب الآخرة، ففكروا جميعاً في مُلكِ الدنيا، و فكر بعضهم في ثواب الآخرة”.

و تمثل تلك الحادثة صورة باهتة لما قام به آباء الكنيسة الأرثوزكسية في مجمعهم المسكوني الأول في نيقية عام ٣٢٥م ، بإقرار قانون الإيمان و الأناجيل الأربعة المعتمدة( متا و لوقا و و مرقس و يوحنا) ، و جعلوا من باقي الأناجيل المتداولة نصوصاً أبوكريفية محظورة ، و أمروا بحرقها و بحرمة اقتنائها.

و بالنظر لقَصْر قراءة القرآن علي الحرف القرشى ، و تجهيل باقي الأحرف العربية فإن فيه إهمالا لجانب من جوانب الإعجاز في النص ، و لا يجوز التعلل بالداخلين الجدد في الإسلام من فرس و عجم و قِبط و بربر ، لحرمان الأجيال التالية واحدة من جوانب الإعجاز في النص المؤسس للإسلام كديانة التي كانت ستشكل قاعدة لإثراء الفكر الإسلامي بتأويلات متعددة تدعم تطور المذاهب الإسلامية ، و مشاركتها بنصيب أكبر في الوعاء العالمي للحضارة، فالآراء كالأمواج يدفع بعضها بعضاً ، فإن هدأ تدافعها سكنت السفينة و توقفت رحلتها ، و أَسِن الماء ، و صار اليوم صورة الأمس الباهتة التي لا روح فيها و لا حياة، وما انتكس قوم إلا حين ظنوا أن من دواعي قوتهم و نهضتهم الوقوف علي رأيٍ واحد ،و لو كان رأي أرشدهم ، فرأيان خير من رأي واحد.

ـــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك