لماذا يُقْدم بعض الناس على الانتحار ؟!

لماذا يُقْدم بعض الناس على الانتحار ؟!

الظلام يتهاوى متتابعاً: سيكولوجية الانتحار – كاي جاميسون / ترجمة: هدى متبولي، طلال العمري

الظلام يتهاوى متتابعاً – كاي جاميسون

الفصل الثالث: انزع الكهرمان، واخمد الفانوس (سيكولوجية الانتحار)

 خط الصبي ملحوظة وعلقها على قميصه, مشى بعدها إلى الناحية البعيدة من شجرة الكريسمس, وتعلق من السقف شانقاً نفسه. كانت الملحوظة موجزة “عيد ميلاد مجيد”,  إلا أن والداه لم ينسياها أبداُ.. أو حتى يفهماها..

كل أسلوب للانتحار هو –وبطريقة خاصة – غارق في خصوصيته, وشنيع, ولا سبيل لمعرفته. لابد أن الإنتحار قد بدا لمرتكبه الخيار الأخير والأفضل من بين عدة خيارات سيئة, وأن أي محاولة من الباقي على قيد الحياة لرسم خريطة لهذا المرفأ الأخير من الحياة؛ لم تستطع إلا أن تتمخض عن رسم تخطيطي, ناقص بجنون.

 نحن كعائلة وأصدقاء, وكأطباء أو علماء لا يُترك لنا إلا القليل: بضع كلمات قليلة من المحاورات والأحاديث الأخيرة, ذكريات عن سلوكيات طبيعية جداً تبدو الآن مشبوهة,  ملحوظة صغيرة أحيانا أو مذكرة مكتوبة, استرجاع لبعض تعاملاتنا الخاصة مع الفقيد, شذرات نشتتها بالشعور بالذنب أو الغضب أو الفقد الصعب.

نبقى لنحاول أن نفهم ملحوظة صبي يافع في عيد الميلاد, وأماً لثلاثة أبناء تضيء شاشة كمبيوترها بـ”أنا أحبكم. أنا آسفة. ذاكروا بجد”, ورجل أعمال ناجح يقفز أمام قطار مندفع, وطالب دراسات عليا رائع يقتل نفسه بزرنيخ جلبه من معمله, وشاب أسود واعد في الخامسة عشر يحفز مقتله الخاص بتوجيه لعبة مسدس لضابط البوليس.

 هناك حد واضح لمدى فهمنا: الإشارات والرسائل الأخيرة قد تعني أشياء كثيرة, والحياة –متى ما أزهقت- لا يمكن لها أن ترجع. لا يهم كم نرجو أن نعيد تجميع قطع عالم المنتحر النفسي, فأي ضوء نحصل عليه؛ هو غير مباشر وغير كاف, ذلك أن العقل بخصوصيته يشكل حاجزاً غير قابل للنفاذ, وكل منتحر لديه سبب جيد للانتحار, أو على الأقل؛ فهذا ما يبدو لمن يسعى له, وإن كان لمعظمهم أيضاً أسباباً جيدة تدعوهم للبقاء أحياءً, مما يعقّد كل شيء.

 الإنتحار ليس فعلأ يتمتع بخصوصية تامة, وهو غير فردي بشكل كامل ولا غير قابل للتنبؤ. لدينا طرق لفهم الجذور السيكولوجية للانتحار, ورغم أنها لا تزودنا بالوضوح الكافي الذي ننشده, إلا أنها تشكل أرضية  نستطيع الإنطلاق منها.

رسائل الإنتحار – والتي تشكل نقطة البداية- تَعِد غالباً بأكثر مما تبلغ. قد يبدو أن لا شيء يقترب من حقيقة الإنتحار أكثر من الرسائل التي يتركها هؤلاء الذين يقتلون أنفسهم, لكن الحقيقة غير ذلك,  فتوقعاتنا لما نعتقد أنه سيدور في خلد الناس أو يشعرون به وهم يوواجهون حتوفهم؛ أعظم من حقيقة ما فعلوه وأسبابه. خبير الإنتحار إد شنيدمان Ed Shneidman على سبيل المثال, علق مرة على التفاهة المخيبة للآمال لرسائل الإنتحار –ولنمرر أملاً شائعاً له في أن اللحظات الأخيرة المسجلة من الحياة ستقدم نظرة عميقة أو تراجيدية عن الموت- قال :” رسائل الإنتحار غالباً ما تكون أشبه بالمحاكاة الهزلية لبطاقات بريد ترسل للبيت من غراند كانيون أو سراديب الموتى أو الأهرامات – لفتة لطيفة في المقام الأول, لا تعكس إطلاقاً عظم المشهد الموصوف أو عمق الإنفعالات الإنسانية التي يتوقع المرء أن يبعث عليها الموقف”

لكن بالطبع, يستطيع أحد ما أن يجادل في أن معظم هؤلاء الذين يقررون إزهاق أرواحهم بأيديهم قد فقدوا القدرة على الشعور العميق بالأشياء, وعلى أن يفكروا ملياً بعمق وأصالة, أو على أن يروا الحياة بغير المنظار الرمادي الذي ينظرون به. التعبير عن الأفعال الباطنة المظلمة القصية صعب بما يكفي لهذه الأذهان الحادة المتهيئة, هؤلاء المحبطين, المشوشين, فاقدي الأمل, منحسري التفكير, فنصوصهم تفتقر إلى البلاغة على الأغلب. حين تجد البلاغة أو التبصر البليغ طريقهما إلى رسائل الانتحار, فإنه يعاد إقتباسهما بشكل متكرر,  بالتحديد لكونهما يقدمان نظرة منفردة للذهن الإنتحاري.

هذه الرسائل قد تكون عنيفة, ملحة, أو ذات سخرية لاذعة, لكنها تميل للابتعاد عن التقليدية.

 في الحقيقة, القليل فقط هم من يتركون رسائل إنتحار, ربما كانوا واحدأ من كل أربعة, ومن غير الواضح إن كانت هذه الرسائل تمثل الحالة الإنفعالية, والدوافع, وتجربة هؤلاء الذي لا يتركون وراءهم أثراً مكتوباً.

 قبل أربع آلاف سنة, صاغ مصري يأسه على ورق البردى نثراً وفي 4 قصائد ذات أبيات قصيرة. هذه الوثيقة المحفوظة الآن في متحف برلين, عدها طبيب الأعصاب البريطاني كريس توماس Chris Thomas أقدم رسالة انتحار موجودة, وهو يعتقد أنها تعكس اجتراره لعقل شديد الاكتئاب وذهاني على الأغلب. في القصيدة الثانية من هؤلاء الأربع, نفّس هذا الكاتب العريق عن مأساته في صور مستقاة من زمانه:

 أواه! إني لمقيت,

أكثر من رائحة جيفة في يوم صيفي تحت سماء حارة

 أواه! إني لمقيت

أكثر من رائحة تمساح.. أكثر من الجلوس على ضفة التماسيح

 أواه! إني لمقيت

أكثر من امرأة كذبوا عليها عند زوجها

 يتحول لاحقاً من التوجع من حقيقة وجوده, إلى التغني بجاذبية الموت:

 الموت عندي اليوم,

كرائحة شجرة مر

كالجلوس تحت الشراع في يوم عاصف..

 الموت عندي اليوم,

كرائحة زهرة لوتس

كالجلوس على ضفاف النشوة الثملة

 أتوق للموت اليوم,

كما يتوق لبيته,

من قضى سنين طوالاً في الأسر

 و منذ ذلك الحين, ورسائل الإنتحار تكتب بالحبر, وبالدهان, وبأقلام الرصاص, وبالألوان الشمعية أو بالدم. الفنان الفرنسي جولز باسكن Jules Pascin على سبيل المثال, قطع وريد رسغه ليكتب بدمه موجزاً “لوسي, سامحيني”, ثم قام بشنق نفسه. الشاعر الروسي سيرجي ايزنين Sergei Esenin, كان في الثلاثين من عمره حين شنق نفسه من أنابيب التدفئة في سقف غرفته -الغرفة التي تركت في فوضى عارمة, بأغراض ملقاة هنا وهناك وقصاصات ممزقة من قصائده المكتوبة- كتب قصيدة كاملة بدمه في اليوم الذي سبق إنتحاره

 الوداع يا صديقي, الوداع

أنت يا عزيزي في فؤادي

وكل  فراق مقدّر, يعد بلقاء جديد

 الوداع يا صديقي, بلا مصافحة ولا كلمات

لا تحزن ولا تقطّب جبينك

ففي هذه الحياة لا جديد في الموت, لكن طبعاً لا جديد أيضاً في أن تعيش

 معظم الرسائل ليست مكتوبة بشكل درامي, فبعض كاتبوا الرسائل, وبغض النظر عن كونهم شعراء, يقتبسون من كلام الآخرين. باول تسيلان Paul Celan على سبيل المثال, رسم خطاَ تحت جملة من السيرة الذاتية لهولدرلين Hölderlin “أحياناً تظلم هذه العبقرية وتغوص في مرارة رغبة القلب” ثم أغرق نفسه في نهر السين. البعض يترك توثيقاً أوسع لأفكاره, ففي مذكرات سيزار بافيز Cesare Pavese في آخر سنة من حياته الغارقة في ألم لا محدود, ورد :” ها هو إيقاع المعاناة قد بدأ, في كل غسق ينقبض قلبي حتى يحل الليل” ثم لاحقاً, وليس قبل وقت طويل من قتل نفسه, كتب :” والآن, حتى الصباحات صارت ملآى بالألم”.

 أطوال رسائل الانتحار متباينة بشكل كبير. أيان أو دونيل Ian O’Donnell وزملاؤه  من جامعة أوكسفورد, درسوا رسائل الانتحار المكتوبة بواسطة المنتحرين في شبكة أنفاق مترو لندن. وجد الباحثون أن أطوال رسائل الانتحار تفاوتت ما بين رسالة ذات 17 كلمة كتبت على ظهر تذكرة المترو, إلى مقال من 800 كلمة -كما لو كان اجتياح تيار من الوعي- مكتوب على مدار ساعة جلوساً على مقعد في محطة المترو, وينتهي بوصف للخطوات القليلة الأخيرة تجاه السكة الحديدية, والتحضيرات الأخيرة لوصول قطار المترو. متوسط الكلمات في سلسلة رسائل الانتحار هذه كانت تقريباً بعدد 125 كلمة, أي أكثر قليلاً من عدد كلمات هذا المقطع الذي تقرؤه.

 العديد من رسائل الانتحار قصيرة, وقد تعطي تحذيراً واضحاً لهؤلاء الذين سيجدون الجثة على الأغلب ” انتبه, غاز الزرنيخ يملأ هذا الحمام” على سبيل المثال, أو “لا تدخل, اطلب الاسعاف”. الارشادات المحددة أو الطلبات أمر شائع, على الأغلب لتفصيل كيف يجب أن يُتناول الجسد, أو ما الذي عليه أن يقال للأطفال أو الوالدين عن انتحارهم, أو كيف ستوزع المقتنيات, أو ماذا يُفعل بالقطة أو الكلب. الأسباب المقدمة للانتحار غالبا ما تكون غامضة وتعزى للانهاك أو الألم المتراكم “لن أستطيع احتمال الأمر أكثر”, “لقد تعبت من الحياة”, “لا فائدة من المضي قدماً”, من غير الخوض في تفاصيل زائدة. الأطفال أقل تحديداً ممن يكبرهم من المراهقين أو البالغين بشأن إقدامهم على الانتحار, وبشأن رغباتهم فيما يُفعل بأجسادهم أو ممتلكاتهم.

 المنتحرون من كلا المجموعتين العمرية الأصغر في الحقيقة, أقل ميلا من البالغين لأن يتركوا رسائل انتحار, لكنهم وبشكل متكرر وواضح يحاولون التخفيف عن والديهم وإخوانهم من أن يشعروا بالذنب تجاه انتحارهم. على سبيل المثال, فتاة في العشرين من عمرها قفزت من فوق مبنى للمكاتب, كتبت :”لا أحد يقع عليه اللوم لقيامي بهذا. الأمر فقط أني لم أستطع أبداً التصالح مع الحياة نفسها. ليرحم الله روحي”.

 معظم رسائل الانتحار تترك تعليقات ودية لهؤلاء الذين يتركهم المنتحرون خلفهم. ولكن على كلٍ, متى ما تضمنت الرسالة العداء, فإنه قد يكون حابساً للأنفاس. انتحر رجل كان قد وقعت زوجته في حب أخيه, بوضع أنبوبة غاز في فمه, وقبل أن يموت, كتب لزوجته :”كنت أحبك, ولكن ها أنذا أموت وأنا أكرهك أنت وأخي على السواء”, وعلى ظهر صورة لها كتب: “أنا أعرض هذه الصورة لامرأة أخرى, للفتاة التي ظننت أني تزوجتها. عسى أن يؤرق ذاكرتك دائماً أني أحببتك مرة, ولكني مت وأنا أكرهك”. في رسالة انتحار شخص آخر, امتلاً الكلام بعدائية شبيهة “أكرهك وأكره كل عائلتك, أتمنى أن لا يبقى من عقلك قطعة (كما ورد). أتمنى أن يظل يطارد شبحي هذا المنزل طالما أنت تسكن هنا, وأتمنى لك كل النحس في هذا العالم”.

 رسائل الانتحار غالباً ما تكون ذات طابع نمطي وجامد. في سلسلة من الدراسات, قورنت رسائل انتحار حقيقية برسائل محاكاة. هذه الرسائل المحاكاة مكتوبة بواسطة أشخاص, اختيروا ليوافقوا المنتحرين في العمر والجنس والحالة الاقتصادية والاجتماعية, ثم طلب منهم أن يكتبوا رسائل انتحار لانتحار متخيل. الرسائل الحقيقية كانت محددة بشكل أكثر في توجيهاتها بشأن توزيع المقتنيات وسياسات التأمين والضمان, معنية بشكل أكبر بالألم الذي قد يسببه انتحارهم, ذات نبرة محايدة أكثر, وأكثر احتمالاً لأن تعبر عن ألم نفسي, ولأن يرد فيها كلمة “حب”. على الصعيد الآخر, حملت الرسائل المحاكاة تفاصيلاً أكثر حول الظروف والأفكار التي قادت لهذا الانتحار المتخيل, ذكرت فعل الانتحار بشكل أكبر, واستخدمت في أكثر الأحيان عبارات وتعبيرات ألطف للموت والانتحار.

 حتى في وسط المعاناة الذهنية العظيمة, بعض المنتحرين وقبل أن يقتلوا أنفسهم, يجدون الوقت ليضعوا تعليمات واضحة للناجين خلفهم. فتاة في الرابعة عشر على سبيل المثال, وقبل أن تقتل نفسها بغاز من فرن مطبخها, كتبت هذه الملحوظة:

 إلى من يهمه الأمر,

إن كنت سأموت في طفولتي, فهذه هي رغبتي. ليس لدي أي مال, عدا عن دولارين و95 سنتاً في البنك, وقليل آخر على هيئة طوابع دفاع مالية. ليعطى هذا لروبرت ابن أختي. لتعطى ثيابي للجمعيات الخيرية أو لمن يريدها. إن كنت سأوضع في كفن؛ فأريد أن أكون مرتدية ثوبا أزرق. إن كنت سأحظى بجنازة, فكل الأصدقاء والأقرباء مدعوون للحضور.

أمي لها كل ما عندي وكل ما أملك.

أبي وأختي لهما كل حبي وكل ما أملك.

لم يقتلني أحد. أتمنى أن أموت. أنا قمت بالانتحار.

 في عام 1931, كان رجل في الخامسة والعشرين من عمره عاطلاً عن العمل, ومغتماً لأجل زوجته التي دفعها للبغاء طلباً لقوت يومهم, فابتلع سماً ومات. جاء في رسالة انتحاره:

 عزيزتي عزيزتي بيتي

يا لكم أحبك, ولكني لا أستحق أن أكون زوجك, ولاأستحق  أن أعيش. حصلت للتو على السم الأكثر فتكاً, وعندما تقرئين هذه الرسالة, سأكون قد رحلت حمداً لله. سأعطي بيغي (الكلبة) لصاحبة المنزل لتبقيها لك عندها,و بالاضافة لدولار واحد لتطعمها حتى يوم الخميس. قمت أيضاً بدفع ايجار الغرفة إلى يوم الخميس. الفاتورة مرفقة.

سأحضر أيضاً لمركز المرهونات 23 دولاراً نقدية, خاتمك, وخاتمي, وساعتي, ليعطوك إياها حين تخرجين. أخبرت صاحبة المنزل أني لن أكون موجوداً طيلة هذا الأسبوع, ولكنك ستكونين هنا على الأرجح يوم الاثنين, وإن لم تكوني هناك, فقد أعطيتها رقم الموكل وأخبرتها أن تطلب منه أن يراك ويعلمها بما تودين فعله بالمتعلقات.

سأكتب له رسالة هو أيضاً لأخبره عن المال والخواتم التي سأحضرها لك (كما ورد) وأيضاً سآمره بإرسالك إلى بلدتك أو إلى حيث تسكن أمي, أياً اخترتِ الذهاب إليه.

 تعليمات وتصاريح مختلفة نوعا تركت في منتصف القرن التاسع عشر بواسطة رجل انجليزي مرتهن في سجن المقاطعة لمديونيته. كان مقتنعاً أنه شريك في العبادة, وأنه ابن الرب, وأنه إلياس النبي, وعلى الرغم من الأقاويل المنتشرة حول جنونه, كان قد سُمح بإدخال سكين وموس الحلاقة له. وجد ميتاً لاحقاً بجروح تسبب فيها بنفسه لحنجرته وبطنه. ترك رسائل لمحافظ السجن, والطبيب الشرعي, ولزوجته. كان اضطرابه العقلي واضح, ولكن بالرغم من هذه الأوهام الذهانية, استطاع أن يطلب رعاية خاصة ومنطقية بطريقة إيصال خبر انتحاره لزوجته. كتب للمحافظ:

 أنا معروف للسيد هيرشل القس, وليس لدي شك في أنه سيوصل الرسالة الموجهة لزوجتي لبيتها. على كل حال, فإني ساعبر عن رغبتي, وأترك الأمر اختيارياً  تماماً له ليمتثل أو يمتنع كما يريد. أتمنى أن يطلب من د.ويليامز مرافقته, في قطار الحادية عشر إلى نيوهام, ثم يأخذ عربة نقل ويتصل بالسيدة جولي في ليتل دين, ويطلب منها أن تصحبهما إلى زوجتي في سندرفورد. إذا لم تكن في البيت, فستكون في منزل أختي في درايبروك, حيث يجب أن يتبعوها إلى هناك ويوصلوا لها الخبر بأرفق ما يستطيعون.  أعتقد أن د.هيرشل حين يقرأ التأكيدات عند موتي بأنني المسيح المنتظر إلى الشعب, سيمتثل لطلبي.

 رسالته للمحافظ ذكرت التحقيق المتوقع الذي سيعقب وفاته, وبددت المزيد من الشك حول حالته العقلية:

 من ناحية, سيتأكد لك بشكل عميق أنني ابن الرب, الحمل المذبوح منذ خلق العالم, وعلى الناحية الأخرى, تلك الحقيقة المتعسفة والمخيفة التي تتمثل بأنني قد قتلت بيدي. أنت لن تجرؤ على أن تحكم بكون هذا جنوناً مؤقتاً, بسبب هذا التأني والتمعن وحسن التقدير في الطريقة التي أنجز بها الأمر, ولأن بعثي بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال ستظهر أن هذا الحكم محض افتراء وكفران.

 القليل من رسائل الانتحار تكون غريبة أو ذهانية بشكل شديد الوضوح, في الحقيقة, فإن أغلب رسائل الانتحار لا يكشف عن تفكير غير متماسك أو ذهاني. ولكن كما سنرى, فإن أغلبية عمليات الانتحار تربط بمرض نفسي, لذا فإنه من غير المفاجئ أن معظم الملحوظات والسجلات التي تترك خلف المنتحر, تعكس المعاناة والقنوط المتراكم وفقدان الأمل لهذه الحالات.

 المرض النفسي الحاد يجلب الآلام والمخاطر, وهناك أيضاً الضيق المزمن الذي يخلفه العيش مع المرض والخوف من عودته. الكرب الذي يجلبه الاكتئاب أو الاكتئاب الهوسي أو الفصام أو الأمراض النفسية الرئيسية الأخرى لا يوصف. المعاناة, اليأس, الاهتياج,  والعار مختلطون جميعاً بألم أن تعي الضرر الذي لا يمكن إصلاحه الذي ألحقه المرض النفسي بالأصدقاء, والعائلة, والمهنة. إنه خليط قاتل. كتبت امرأة مرة في رسالة انتحارها ملحوظة حول صراعها غير الناجح مع مرضها العقلي:

 أتمنى أن بإمكاني شرح الأمر بحيث يستطيع فهمه شخص ما.

أنا خائفة, وهو الأمر الذي لا أستطيع وصفه بالكلمات.

هناك فقط هذا اليأس الثقيل الغامر, الخوف من كل شيء. الخوف من الحياة. داخلي فارغ إلى درجة الخدر. يبدو الأمر وكما أن شيئاً ما قد مات داخلي. كياني كله بدا وكأنه ينسحب إلى ذلك الخواء منذ شهور.

كلهم كانوا طيبين معي – حاولت جهدي, تمنيت بجد أن أستطيع أن أكون مختلفة في سبيل عائلتي. إيذاء عائلتي كان أسوأ مافي الأمر إطلاقاً, وهذا الشعور بالذنب ظل يقاوم ذلك الجزء داخلي الذي لم يكن يريد سوى أن يختفي. لكن شرارة الحياة على مستوى الأعماق هناك لم تكن موجودة. بغض النظر عن الأقوال حول كوني أصبحت أفضل مؤخراً, ذاك الصوت في رأسي الذي يقودني للجنون بات  أعلى من أي وقت مضى. يبدو وكأن الأمر قد خرج تماماً عن أيدي أي أحد وعن أي شيء. لأ أستطيع التحمل أكثر. أعتقد أن ثمة شيء ملتوِأو مقلوب سايكولوجياً قد تولى الأمر. لا أستطيع أن أقاوم أكثر. أتمنى أن باستطاعتي الاختفاء من غير إيلام أي أحد. أنا آسفة.

 أطلقت امرأة في الثانية والأربعين على نفسها النار, وتركت رسالة طويلة تدافع فيها عن نفسها وتستجدي الصحافة بألا تهوّل من قصة وفاتها. كانت كما العديد ممن يعانون من الأمراض النفسية قلقة بشأن الآثار التي يتركها مرضها النفسي على من حولها, و في حالتها, كانت قلقة بشأن أمها :”  لن أكون ذات نفع لها بهذه الأعصاب التالفة. ليس لا أحد ممن لم يجرب الإحباط المطلق للانهيار العصبي أن يحاكمني, و لن يستطيع أن يعي أن هذا وحده كاف لجعل المرء يتمنى الموت”.

الرسام البريطاني بينيامين هايدون Benjamin Haydon من القرن التاسع عشر, تحول إلى شكسبير في بعض كلماته الأخيرة. مهتاجاً ومحروماً من النوم, مع تاريخ لاكتئاب هوسي عنيف, قام هايدون بشق حنجرته ثم جعل رصاصة تخترق رأسه. كانت مذكرته مفتوحة على آخر ما كتب:

 الحادي والعشرون: نمت بشكل مريع. صليت في أسى, واستيقظت في اهتياج.

الثاني والعشرون: ليسامحني الرب. آمين

 نهاية

ب. ر. هايدون

 كفاكم إساءة لي في هذا العالم القاسي لير

 العصاب, والاهتياج, والإحباط مع فترة طويلة من المعاناة العقلية هي ثيمات شائعة لرسائل الانتحار. معانياً من البارانويا ومن الضلالات الوهمية (كان يعتقد –بالإضافة إلى بعض الأمور الأخرى- أن اليرقات تملأ طعامه), أخذ الكاتب الياباني رايوانوزوك أكوتاغاوا  Ryuunosuke Akutagawa جرعة زائدة من حبوب النوم حين كان في الخامسة والثلاثين.

كتب :”العالم الذي أعيش فيه الآن, هو الكون الجليدي الشفاف للأعصاب المريضة… بالطبع, لا أريد أن أموت, لكن البقاء على قيد الحياة موجع”.

 جيمس ويل مخرج فلم “الرجل الخفي” و”نهاية الرحلة” و “فرانكشتاين” الكلاسيكي, تحدث أيضاً عن الأعصاب والمعاناة في رسالة انتحاره. موجهة “لكل من أحبهم”. كتب:

 لا تحزنوا علي. أعصابي جميعها تلفت, وفي العام الماضي كله كنت أعيش في كرب في كل  ليلي ونهاري عدا عندما أنام بحبوب النوموأي سكينة كنت أنعم بها خلال اليوم, كنت أحظى بها حين تخدّرني الحبوب.

لقد حظيت بحياة رائعة ولكنها انتهت, وأعصابي غدت أسوأ وأنا أخشى أنها ستأخذني بعيداً.

[كان قد أدخل إلى المستشفى لانهيار عصبي, وخضع لعلاج بالصدمة]

لذا رجاء, سامحوني, كل أولئك الذين أحبهم, ولعل الرب يغفر لي أيضاً, ولكني لا أستطيع تحمل العذاب, والأمر هكذا أفضل للجميع

لا أحد يقع عليه اللوم, لدي أصدقاء رائعين وهم يفعلون أي شيء لأجلي…. لقد حاولت جاهداً كل ما أعرفه لمدة عام, ولكنه يغدو أسوأ في الأعماق, لذا رجاء, ليريحكم أن تعرفوا أنني لن أعاني بعد الآن

 ورغم خوفه الشديد من الماء, أغرق نفسه بعدها في حوض السباحة خاصته, وتماشياً مع كوميديته السوداء طيلة حياته, ترك في مكان غير بعيد نسخة من كتاب: لا تقترب من الماء.

 الوعي بالضرر الناتج عن المرض النفسي والذي يلحق بالمريض وبالآخرين على حد سواء, والخوف من عودة المرض مرة أخرى, يلعبان دوراً حاسماً في العديد من حالات الإنتحار. مرضى الفصام على سبيل المثال, أولئك الأكثر ذكاء منهم والأكثر تعلماً, الذين يؤدون بشكل أفضل في اختبارات الاستدلال التجريدي, ويبدون تبصراً أكبراً لحقيقة مرضهم, هم أكثر قابلية لقتل أنفسهم.

المرضى الناجحون في المجتمع وفي الحياة الأكاديمية بالتحديد, يبدون حين يقرعهم مرض مدمر مثل الفصام أو الاكتئاب الهوسي, معرضين لهاجس عدم تمتعهم بكامل قواهم العقلية وبالرعب من فكرة أن يصبحوا مرضى مزمنين. بالنسبة لهم وللعديد من حولهم, فهذا يشكل تحطيماً فظيعاً للأحلام وضرراً حتمياً للأصدقاء, وللعائلة, ولأنفسهم. راندال جاريل Randall Jarrell في وصفه للآثار التراكمية لاكتئابه الهوسي لزوجته قال :”الأمر غريب جداً… يبدو وكما أن الجنيات خطفنني بعيداً  وخلّفن يباساً في مكاني” إحساس أن يكون الشخص مجرد ظل أو قشرة نفسه السابقة, يأس راسخ, إحساس بالفشل وبالعار, وقلق هائل من عودة المرض. بالنسبة للآخرين, حقيقة أن المرض قد عاد هي بذاتها حقيقة غير محتملة, تكراره لا يطاق, وعودته ستغدو القشة التي تكسر ظهر البعير.

المصدر: موقع حكمة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك