الدولة العثمانية بين الخلافة والاحتلال .. ماذا فعل الأتراك بالعالم الإسلامي ؟

الدولة العثمانية بين الخلافة والاحتلال .. ماذا فعل الأتراك بالعالم الإسلامي ؟ – بقلم: محمد سميح خلف

لطالما سمعنا ولازلنا نسمع الكثير من المديح والترحم على الدولة العثمانية والتغني بأيامها، والكثير من الأمنيات التي يطلقها أصحاب الفكر الإسلامي بعودة هذه الخلافة وكم أثّر إنهيارها على الحالة الإسلامية بشكل خاص، وقد ازدادت وتيرة هذه الإدعاءات في السنوات الأخيرة بعد تصاعد النفوذ التركي في المنطقة العربية باعتبارها إرث تاريخي للدولة العثمانية.

وفي حقيقة الأمر أن هذه الإدعاءات جميعاً قائمة فقط على وصف تلك الحالة العثمانية “بالخلافة”، وليس وفق أسس موضوعية تستند إلى وقائع وإلى تاريخ صحيح، فعندما نتحدث عن التاريخ يجب أن نتحرى الدقة والأمانة في البحث في وقائعه وأحداثه ثم الحكم عليها، وليس الأخذ بالشكليات وبالمسميات.

تقوم تيارات الإسلام السياسي اليوم بالدفاع بشكل كبير عن الحقبة العثمانية ومحاولة تجميلها لأسباب عدة منها استجداء المواقف التركية الداعمة لحراكهم الذي يهدف لإبادة كل الأنظمة القومية التي كان من أسسها رفض أي ولاية أو وصاية خارجية على الدول والشعوب العربية حتى وإن كانت قائمة باسم الإسلام والخلافة، وأيضا لاستمالة الشعوب للفكر الإسلامي الذي ينتهي بحسب إدعائهم بالخلافة التي ستقيم العدل والمساواة وتحفظ كرامة العرب والأمة الإسلامية.

وهنا دعونا نبتعد قليلاً عن وصف الحالة العثمانية بالخلافة وسنبتعد أيضاً عن ما كان لها من إيجابيات وسنذكر ما ألحقته الحالة العثمانية بالشعوب العربية والدولة الإسلامية من أضرار جسيمة لازال تأثيرها قائماً ليومنا هذا، ولهذا مهما كانت إيجابيات تلك الدولة فلن تشفع لها أمام ما تسببت به أضرار جسيمة.

لقد استطاعت الدولة العثمانية التوسع بسهولة في أجزاء مختلفة من العالم العربي والإسلامي وهي تحمل راية الإسلام وتبشر بخلافة إسلامية ولهذا لم تلقى سوى مقاومة ضئيلة عند امتداد نفوذها، ومن هنا أحكمت الدولة العثمانية سيطرتها على هذه الأجزاء وصنعت قبضة حديدية لها بامتداد العقود، وكانت الأمة الإسلامية آنذاك وخاصة العربية تقود العالم علميا ً واقتصادياً عندما تسلمتها الدولة العثمانية.

ولكن ما ظهر من سياسة هذه الدولة تجاه مواطنيها الذي يعطيهم الإسلام حق المساواة بحكم أن النظام القائم هو خلافة إسلامية، عكس ما توقعه المواطنون تماماً، فسرعان ما ظهر التمييز العرقي ضد العرب خاصة وتجلى في منعهم من تقلد مناصب قيادية في دولهم وإقتصارهم على أداء دور الخدم للسلطان الحاكم بأمر الله، كما ألزموا المواطنين والفلاحين والتجار بالضرائب التي قسمت ظهورهم وزادت معدل الفقر بشكل واضح، وحدثت الفاجعة عندما استهدفوا الشعوب العربية في مكانتها العلمية التي كانت تتميز بها بين الأمم، وحدث ذلك بأبشع الأساليب وأقذرها عندما قاموا بإغلاق حدود الوطن العربي على مواطنيه بشكل كامل ومنعوا دخول العلوم أو خروجها في الحين الذي كانت فيه أوروبا تنهض علميا معتمدة على ما وضعه العلماء العرب من أسس للعلم الحديث، ولم يكتفوا بذلك وانما عمدوا إلى قتل العلماء العرب أينما وجدوهم، وهنا نتسائل أي حقد على بني العرب الذي دفعهم لفعل ذلك؟، وكفى بهذه جريمة يجب أن يحاسب العرب العثمانيون عليها اليوم.

من شأن الإستمرار في وضع كهذا لبضع عقود أن يسبب في تجهيل شعب من أكثر الشعوب المتقدمة علميا واقتصاديا، ما بالك باستمرار هذا الوضع لخمسة قرون؟
واللافت أيضاً أن الدولة العثمانية لم تتحمل عناء الدفاع عن من كانت تستبيح أرضهم باسم الدين وباسم الخلافة والاسلام، بل قاموا بالانسحاب بكل هدوء من المناطق العربية وتسليمها للدول العظمى الجديدة بريطانيا وفرنسا على طبق من ذهب، وكأن لا مسؤولية تاريخية ودينية تدفعهم للتحرك بكل ما تملك من قوة للدفاع عن هذه الأرض.

مما سبق يظهر لنا جلياً الأثر الواضح الذي تركته الدولة العثمانية على الشعوب العربية خاصة وما تسببت فيه من تجهيل لهذه الشعوب وضعف وقلة إمكانيات وحيلة أمام الدول القوية التي صنعت قوتها وهيبتها بينما كان العرب يجلدون بسياط العثمانيين ويجهلون ويقتل علمائهم، ومن هنا تتحمل الدولة العثمانية كامل المسؤولية عن الحالة العربية اليوم، ويجب أن تحاسب على ما ارتكبته من جرائم تاريخية بحق العرب، وإعادة النظر في مسمى الخلافة العثمانية، ودراسة استبداله بمسمى الاحتلال العثماني.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك