سو غرافتون تجيب عن سؤال: لماذا أكتب؟

سو غرافتون تجيب عن سؤال: لماذا أكتب؟

أكتب لأنني في 1962 قدمتُ طلبًا للعمل لدى سيرس في قسم الأطفال، ولم يعاودوا الاتصال بي أبدًا.

أتكلم على نحو جدّي: أكتب لأن هذا هو كل ما أتقن فعله.

الكتابة هي مرساتي وغايتي. إنّ حياتي تتثقف بالكتابة، سواء كان العمل يسير بشكل جيّد أم كنتُ عالقة في جحيم حبسة الكاتب. ويسعدني القول بأنها تحدث مرّةً في اليوم تقريبًا.

أفضل يوم لي ككاتبة هو في أيّ يوم، أو أيّ لحظة يسير فيها العمل بشكل جيّد وأكون منغمسة تمامًا في المهمة بين يديّ. وأصعب وقت هو عندما يكون عكس ذلك. وهذا الأخير يفوق الأول عددًا. لكنني فتاة لعينة وعنيدة، أصرُّ كالجندي.

أنا كاتبة مثابرة، وأيضًا مرعوبة

في معظم الأيام عندما أجلس أمام الحاسوب أُصاب بالذعر. أكون مقتنعة دائمًا بأن آخر كتاب لي هو الأخير، بأن مهنتي تشرف على النهاية، بأني لن أنجح أبدًا في كتابة رواية أخرى، بأن نجاحي وهمٌ عابر، بأن آمالي للمستقبل ميتة سلفًا. تبًا! كل هذه الدراما والساعة لم تتجاوز التاسعة صباحًا.

تفكّرت كثيرًا في موضوع حبسة الكاتب، إذ أنني جابهتُها مرارًا. عادةً ما أحاول أن أشق طريقي بالقوة، أسيطرُ على الحبسة بقوّة العزيمة المحضة. غير أنني أراها الآن بشكل مختلف. أرى أنّها رسالة من شبح، يُعْلِمني بأني قد ضللت السبيل. الحبسة هي نتيجة قرار خاطئ قمتُ باتخاذه. ومهمّتي هي العودة للوراء لرؤية ما إن كنتُ قادرة على تحديد مفترق الطريق حيث مضيتُ نحو الاتجاه الخاطئ. أحيانًا أخطئ فهم شخصيةٍ أو دوافعها. أحيانًا أسلسلُ الأحداث بطريقة تجعل مسار القصة موحِلًا. عادةً لا أحتاج إلا أن أعود أدراجي فصلًا أو فصلين ويصحّحُ الخطأ بسهولة.

أكتب لأن هذا هو كل ما أتقن فعله.

أكتب لأن هذا هو كل ما أتقن فعله.

أعتمدُ في كتابتي على التجربة والخطأ بشكل كبير، وهذا يعني الوصول في الغالب إلى طرق مسدودة. أطارد الاحتمالات التي تتلاشى. أبتدعُ قصصًا وأهجرها بالكامل إذ يتضح لاحقًا أنها لا تصلح.

لأوطّد نفسي، أقوم بالاحتفاظ بمجموعة مذكّرات لكل رواية أكتبها. ومن خلالها أستطيع أن أتذمر، وأعصر يدي، وأسخط، وأخطط، وأجرّب، وبين الحينٍ والآخر، أربّت على كتفي. إن الكتابة عمل مرهق مشوبٌ بالتوتر. نظريتي هي إذا كنتُ غير مسيطرة على جانبي المظلم – خيباتي، مخاوفي، وتخبّطاتي التي يبدو أنه مقدّر لي خوضها كل يوم -فستدمّرُ عواطفي السلبية قدرتي على الكتابة.

تخدم المذكّرات أغراضًا عدة. تمدّني بسجلٍ لسير العمل، تقريرٌ يومي عن المصاعب التي أصادفها فيمَ يتشكّل الكتاب. ومتى ما واجهتُ حبسة الكاتب، ألجأ إلى مذكراتي وأعود إلى المراحل الأولى من كتابة الرواية. يبدو هذا غريبًا، غير أنني – أكثر من مرة – أقوم بحل المشكلة وأُرفق الحل قبل الشروع في عملية الكتابة بوقتٍ طويل.

أمرٌ مبهجٌ آخر يتعلق بالاحتفاظ بالمذكرات، وهو أنني في الأيام التي أشعر فيها باليأس والإحباط، يمكنني قراءة مذكرات عملٍ قديم فأدركُ بأنني قد شعرتُ بالرعب والارتباك ذاته فيما كنت أكتب ذلك العمل. إدراكي بأنني نجوتُ من جميع العثرات والتخبطات في الماضي يساعدني على النجاة منها في الحاضر. وأحيانًا الأفكار الشاذة والمنفصلة التي تخطر لي خلال كتابة أحد الأعمال تًشعل فكرة الكتاب القادم في السلسلة. لا أدري إذا ما كان الكتّابُ الآخرون يعملون على هذا النحو، لكنها طريقة ناجحة بالنسبة لي.

عندما أعيدُ قراءة المذكرات يمكنني ملاحظة أنني كنتُ أحكي القصة لنفسي لمرات لامتناهية، كنتُ أكرّر نفسي حتى أرى السرد متكاملًا. ولهذا فإن مذكراتي مملة للغاية. لستُ أحاول أن أكون مثقفة مترفعة وأتجاهل حقيقة أن أحدهم قد يقرأ كل صفحة مضجرة في مذكراتي. لكن غاية المذكرات ليس إثارة إعجابي أو إعجاب أيّ أحد، بل في تحويل التحديات متى ما واجهتها إلى كلمات، وموازنة الحلول المتاحة. الكتابة في المذكرات عبارة عن تسخين، مستودع أبحاثي، مقتطفات من الحوارات، هندسة للشخصيات. يحدث أحيانًا أن أقوم بانتشال فقرات من المذكرة وأضعها بالكامل في المشهد الذي أكتبه، وأشعرُ كأنها هبة.

إجمالي عدد الصفحات للمذكرات الستة لرواية “الثاء تعني ثأر[i]” كان 967 صفحة أحادية المسافات. والمخطوطة المكتملة كانت 662 صفحة مزدوجة المسافات. قد يبدو هكذا كجهدٍ كبير مهدور. لكن في الحقيقة، كل خطأ يؤدي في النهاية إلى الصواب. وفي النهاية، لن أضحي بأيّ لحظة قضيتها في هذه العملية.

قالت يودورا ويلتي[ii] ذات مرة، “كل كتابٍ يلقّنك الدروس اللازمة لكتابته.” وأنا أضيف إليه “المشكلة هي أن الدروس التي نتعلمها من كتابة الكتاب قلّما تفيد في الكتاب القادم.”

أبي أفضل من يعرف

نشأتُ في منزلٍ اعتبرَ القراءة وحب الأدب جزءًا مهمًا من حياتنا اليومية. كان والدي، س. و. جرافتون، محامي وثائق بلدي، يكتب قصص الغموض في وقت فراغه، إذا استطعنا القول بأن المحامين يملكون وقت فراغ في الأساس. كان ينجز أعماله كمحامٍ في النهار، يعود لتناول العشاء في المنزل، ثم ينتهي إلى مكتبه للكتابة.

بعد سنوات من استمراره على هذا المنوال، قام والدي بنشر روايتين من عمل أراده أن يكون سلسلة من ثمانية كتب: “بدأ الفأر يقرض الحبل” و “وبدأ الحبل يشنق الجزّار”. استعار أسماء هذه العناوين من قصيدة أطفال تحكي قصة عجوز تحاول نقل خنزير عبر عضادة Stile [iii].  عندما أدرك والدي أن أجرة الكتابة ليست كافية للعيش، أُجْبرَ على وضع السلسلة جانبًا ليُعيل زوجته وابنتيه، وفي نيّته العودة للكتابة متى تقاعد. غير أنه مات قبل ذلك.

فيما كنت أكبر، كثيرًا ما تحدث والدي عن عملية الكتابة بمحبة. وقد تخللت هذه الدروس وعيي قبل أن يخطر لي أنني قد أكتب ذات يوم. شغفه لقصص الغموض كان شيئًا قد اكتسبته في مرحلة مبكّرة.

لم أُخلق لأكون راقصة باليه

خلال نشأتي في الزمن البعيد، البعيد جدًا، كانت مجالات المهنة المتاحة للفتيات محدودة. الاختيارات هي، حسب الترتيب الأبجدي: راقصة باليه، ممرضة، بائعة في محل، سكرتيرة، مضيفة، ممرضة، أو معلّمة.

قصص الغموض هي الشكل الأدبي الوحيد الذي يضع القارئ في تحدٍ مع الكاتب.

قصص الغموض هي الشكل الأدبي الوحيد الذي يضع القارئ في تحدٍ مع الكاتب.

لم أمتلك مهارات جسدية من أي نوع، ها هي “بحيرة البجع[iv]” تجف وتختفي. وظننتُ أن مهنة التدريس، التي هي للبعض متمّمة ذاتيًا، ستكون مضجرة بالنسبة لي. كنتُ متزوجة، وأمًا صغيرة، فكانت الخطوط الجوية “بان آم” خارجة عن الحسبة. كنتُ مهتمة بالطب لأسبابٍ ليست هي الأسمى من نوعها. في بداية عشرينياتي، كان أشهر مسلسلين في التلفزيون ذاك الوقت هما “دكتور كيلدير” و “ماركوس ويلبي، أم. دي.”. وفي خيالي المتّقد رأيت نفسي بطريقة سحرية في قلنسوة بيضاء، وحذاء أبيض، ولباس ناصع البياض، مغمورة بطهارة النيّة، والتضحية، والإخلاص، والدراما، وحالات الطوارئ، وإنقاذ الحيوات، وأن العالم سيكون على ما يرام. هل يمكن أن تكون هناك وظيفة أفضل؟

لسوء الحظ منظر الدم والألم يصيبني بالغثيان. ولديّ رهابٌ من الإبر. فإذا ما أصبحتُ ممرضة في الواقع فهذا يعني أنني سأقضي أيامي ممددة على الأرض مغمى علي كالميتة.

لقد ذكرتُ حلمي بالعمل لدى شركة سيرس ونتائجه المؤسفة. ولذا فإن آخر آمالي كانت طموحي للعمل كسكرتيرة. اللعنة! كنتُ مستعدة للعبة. علّمتُ نفسي الطباعة، تظاهرتُ بمعرفتي للمصطلحات الطبية، وحصلت على وظيفة كاتبة، وبعد ذلك سكرتيرة في عيادة للمحتاجين. لاحقًا، اشتغلتُ بأوراق الاستمارات في مستشفى وطبعت الدورات اليومية التي يقوم بها الأطبة المتمرنين والمقيمين. لاحقًا، قمتُ بإدارة المكتب الرئيسي لطبيب عائلي. كل هذا -أرجو الملاحظة- وأنا مرتدية اللباس الأبيض والحذاء الأبيض التي تصوّرت نفسي فيهما منذ البداية.

كل ليلة وفور انتهائي من العمل أعود للمنزل، أجهّز العشاء، أغسل الصحون، أتجاذب أطراف الحديث مع زوجي المستقبلي، وأضع أطفالي في الفراش. ثم أنتهي إلى مكتبي حيث أقوم بالكتابة من التاسعة مساءً حتى منتصف الليل. وفي غضون أربعة سنوات، انتهيتُ من كتابة ثلاثة روايات لم تُنشر أبدًا. أما الرواية الرابعة “كيزياه داين[v]” فقد نُشرت عندما كنتُ في الخامسة والعشرين في 1967. الدفعة المقدمة كانت ألف وخمسمائة دولار. ظننتُ حينها إني قد مُت ووصلتُ الجنة.

جرّاح الأدب

إن كتّاب قصص الغموض هم جراحو الأعصاب في الأدب، أو ربما سحرته. وذلك لأننا نعمل بخفة اليد.

بناء قصة بوليسية معقولة يتطلب براعة وصبر ومهارة. على الكاتب أن يجد الموازنة المثالية بين الجزء الأيمن من المخ، المسؤول عن الابتكار، والجزء الأيسر من المخ، المسؤول عن التحليل. علينا أن نبني الشخصية والحبكة في الوقت ذاته – ولا أقصد بالحبكة هنا استخدام شكلٍ ما – الحبكة هي طريقة القصة في الاستمرار. هي الترتيب التسلسلي للأحداث فيما تنكشف وتتصاعد، مشهد فمشهد، إلى خاتمة مرضية.

قصص الغموض هي الشكل الأدبي الوحيد الذي يضع القارئ في تحدٍ مع الكاتب. جانب الكاتب من الاتفاق هو أن يلعب بإنصاف. وهذا يعني أن يجعل القارئ يصل لذات الاكتشافات التي يصل إليها المحقق في كل الأوقات، أن يضع جميع الحقائق بوضوح على الطاولة.

الغرض هو إخفاء غاية الكاتب، وتشتيت انتباه القارئ فيما تغرس الأدلّة التي ستشير في نهاية المطاف إلى الحل. إذا كانت القصة معقدة سينزعج القارئ في محاولته تتبّع الانحناءات والالتواءات غير الضرورية وغير القابلة للتصديق. وإذا ما أصبحت القصة بسيطة أكثر من اللازم، وكان الجواب لسؤال “من فعلها؟” بديهي، سينزعج القارئ لسلبه لذة محاولته التفوّق على ذكاء الكاتب الذي يحاول حجب بصر القارئ.

أن يفلح أي من كتّاب قصص الغموض في هذه المهمة المتعذرة، لا يمكن سوى وصفه بالمعجزة.

حكمة سو غرافتون للمؤلفين:

  • لا توجد هناك أسرار، وليس هناك طرق مختصرة. الأشياء التي عليك معرفتها بصفتك كاتبًا طموحًا هي أن تعلُّم الكتابة يأتي عن طريق التعلّم الذاتي. وإتقان الكتابة يحتاج لسنوات.
  • عليك بمراجعة كل جملة وكل فقرة وكل صفحة تكتبها مرة تلو الأخرى حتى ينتظم الوزن، والإيقاع، والنغم، على نحوٍ تنسجم معه أذنك الداخلية.
  • معرفة كيفية الحصول على وكيل، أو العثور على ناشر، أو كيف تكتب رسالة استفسار جيدة، أو كيف تكتب خطاب لطرح قصتك، أو كيف تخوض في شبكات الاتصال – جميع هذه الأمور لا أهمية لها إلا بعد أن تتقن الحرفة وتصقل مهاراتك. أن تنجح خلال كتاب واحد، ثم تظن أنك مستعد لهجر عملك في النهار وتتفرغ تمامًا للكتابة، يشبه أن تتعلم عزف مقطوعة “ثلاثة فئران ضريرة” على البيانو وتتوقّع أن يُحجز لك مكان في صالة كارنيجي.

—————————————————-

[i]  الاسم الأصلي للرواية: V Is for Vengeance

[ii]  كاتبة وروائية أمريكية (1909 – 2001).

[iii]  تعلق الكاتبة: وأنا على ثقة بأنه ليس هناك شاب يعرف ما هو الـ “stile” إلا إذا كانت الكلمة في نفس الجملة مع أزياء جوسي كوتور) – تقصد التشابه اللفظي مع كلمة style.

 [iv]  سيمفونية الموسيقي الرومانتيكي الروسي تشايكوفسكي التي ألفها عام 1887 والتي تضاف إلى تراثه الموسيقي العالمي في الجمال النائم، كسارة البندق والأميرة النائمة.

[v]  الاسم الأصلي للرواية: Keziah Dane

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك