الدين أصل والكل فرع .. نظرة فلسفية

الدين أصل والكل فرع .. نظرة فلسفية – بقلم: محمد سميح خلف

قد يزعج عنوان المقال هذا أولئك الذين لا يؤمنون بالدين كنظام حياة، وقد ينظر إليه باستغراب أولئك الذين يقفون في حيرة بين إذا كان من الصواب فصل الدين عن الدولة والابقاء على الدين حبيساً داخل دور العبادة أو إدخال الدين في أمور محدودة ضمن نظام الحكم، وقد يستشيط منه غضباً ذاك الملحد الذي لا يرى في الغيبيات سوى حماقات أنتجها الخيال البشري ليشبع ويغذي شقه الروحي والعاطفي لا أكثر.
لقد كانت تجربة الناس مع الدين في القرون الأخيرة أقل ما يقال عنها أنها سيئة ولم يكن ذلك إلا بسبب أناس تبنوا الدين ومثلوه في أشخاصهم فأصبح هو الدين له ما للدين وعليه ما على الدين إن أخطأ فقد أخطأ الدين وأن أصاب فقد أصاب الدين، والملفت أن لا أحد من هؤلاء الذين مثلوا الدين أخذه بحذافيره بل أضاف إليه أو أنقص منه، فكان للإجتهاد النصيب الأكبر من الإنتقادات وكان من أكبر أسباب عزوف الناس عامة عن الدين، حيث أصبح رجل الدين هو الممثل الوحيد والشرعي للدين لا ينازعه فيه سواه إن أردت أن تأخذ الدين فخذه من خلاله وإلا فلا حاجة لك به، فأصبح هذا الواقع تربة خصبة لأولئك الذين يدعون إلى التحرر من كل ما يفرض قيوداً على متعة الإنسان وما يضفي تعقيداً على أصغر أمورهم الحياتية، فانتشرت فضائح القساوسة تارة بدعوى شذوذ وتارة بدعوى مجون، وسلط الضوء على فتاوى لأتباع طائفة من السلفية والأزهريين في مصر لا يقبلها عقل ولا منطق ولا فطرة وإنما كانت حصيلة إجتهاد لم يعلم صاحبها بأنها ستؤدي إلى نتائج كارثية، مما أدى في النهاية إلى نفور الناس من الدين وليس نفورهم من الطائفة!، وظهرت طائفة أخرى قتلت وعذبت حتى كدنا لا نرى من إسلامها سوى القتل والذبح والحرق، ووضعوا جهداً إعلامياً جباراً لإيصال هذه الصورة إلى كل العالم، وكأنهم يسعون إلى تشويه دينهم عن قصد!
ولقد حارب الإسلام منذ البدء فكرة تمثيل الدين في كيان مادي سواء كان هذا الكيان حجراً أو بشراً أو حتى طائفة منعاً ودرءاً لما سبق ذكره، وإن كان هناك كيان للدين فهو كيان غيبي لا نستطيع أن نجده سوى في قلوبنا وعقولنا..
لقد بنيت حياة البشر على الدين منذ البدء، وكان الدين مصاحباً للإنسان منذ وجد على هذه الأرض، وليس الدين إختراعاً أو اكتشافاً اكتشفه الإنسان ليشبع عقدة نفسية بداخله، وليس شعور الإنسان بالخوف الذي جعله يركن إلى قوة غيبية لا يراها لتحفظه أو لتجلب له السعادة، فكيف لذاك الإنسان الحجري أن يبني حجراً أو يتخذ بقرة أو ناراً او شمساً ويعكف على عبادتها ويستحدث لها طقوساً إن لم تكن لديه خلفية مسبقة عن وجود إله خالق ومتحكم في الكون، لقد كانت هناك أديان ثم كان هناك تحريف ثم تلى التحريف تحريف آخر، حتى أصبح النبي والرجل الصالح إلهاً ثم اقتحمت فلسفة وعقل الإنسان الغير منضبطة المجال فأصبحت البقرة إلهً نظراً لما تقدمه من خدمات جليلة للإنسان، وأصبحت النار كذلك لأن من عبدها يرى أنها أصل الحياة والشمس مثلها والقمر كذلك.. ولكننا نعود ونرى أن الشيء الذي يجمع كل هذه الأديان والمعتقدات هو وجود إله متحكم ومسيطر على وجود الإنسان على هذه الأرض، وليس الإنسان كيان مستقل بحد ذاته غير خاضع لأي سلطة كونية، فمن أين للإنسان أن يكتشف ذلك وهو الذي وجد على هذه الأرض وسخر خيراتها في خدمته واستحدث طرقاً لتقيه من شرورها، فما الذي يجعله يؤمن بوجود قوة متحكمة؟
إن نظرية داروين –أكثر نظريات خلق الإنسان تطرفاً وبعداً عن الدين- لم تستطع وحدها أن تفسر لغزاً واجه معتقديها حين حاولوا إثباتها إستناداً لعلم الآثار والحفريات التي وجدت وقدرت أعمارها بملايين السنين، فقد عاش ذاك المخلوق الشبيه بالانسان فترات تقدر بملايين السنين بسلوك يشبه في سلوكه سلوك الحيوان في مسكنه ومأكله ومشربه وتكاثره، وفجأة ولسبب غير معروف وفي فترة زمنية قصيرة جداً إنقلب هذا المخلوق شبيه الحيوان إلى إنسان عاقل يعيش في تجمعات سكنية ويعمل بالزراعة ويسخر خيرات الأرض في خدمته والأهم من ذلك كله أنه أصبحت له طقوساً دينية!
لقد قدم عالم دين مسلم تفسيراُ إسلامياً لهذه الفترة المجهولة المعالم التي تحول خلالها الإنسان من وحش هائم في البرية إلى إنسان عاقل في نظرية سماها “نظرية آذان الأنعام” التي أبرز ما جاء فيها أن تلك الفترة المجهولة تخللها إصطفاء الله لأول عينة من الإنسان العاقل ونفخ فيها العقل وبهذا أصبحت مكلفة ومسؤولة، وبغض النظر عن إختلافنا أو إتفاقنا مع هذه النظرية فإن الرجل صاحب النظرية بنى نظريته على تفسيره لآيات من القرآن وعلى ما اكتشفه العلم حديثاً مؤكداً نظرية داروين، وسواء إختلفنا أو اتفقنا معه فإن العقل يفتح ذراعيه مرحباً بنظريته، خاصة في ظل الغموض الذي يلف قضية بدء الخلق!
ومن هنا نجد أن الدين وجد دفعة واحدة مع وجود الإنسان العاقل ولم يكن إكتشافاً بشرياً خاضعاً للتطور ككل إكتشافات البشر الأخرى، كما هي الأخلاق أيضاً وجدت دفعة واحدة ولم تخضع للتطور واتفق عليها كل معتنقي الأديان والمذاهب، وذلك لأن الأخلاق في حد ذاتها جزء لا يتجزأ من الدين، وأن النبي كان يأتي بعبادة الله وبالأخلاق الحسنة فتبقى الأخلاق وينسى الإله ويستبدل.
وإذا ما ابتعدنا عن هذه النظرة العميقة وعدنا إلى واقعنا اليوم لنلقي نظرة سريعة على أتباع المذاهب الفكرية المختلفة من الشيوعية أو العلمانية أو اليبرالية وغيرها من الذين ينادون بحصر الدين في القلوب وفي دور العبادة لشعرنا بمدى تفاهة وضئالة ما ينادون به، ولوجدنا أن هذه النظريات بنيت على تصادم بين الدين والعلم لا يتجاوز عمره قرنين من الزمان على أقصى تقدير، ولوجدنا أيضاً أن هذه النظريات لا تناسب إلا بقة جغرافية واحدة ومعتنقي دين واحد أجبرهم التحريف والفساد البشري على إعتناق هكذا مذاهب.
والباب واسع جداً في هذا المجال، والأدلة كثيرة على أن كل الأديان في أصلها أتت بعبادة الله الواحد ثم حرفت وبدلت ولا أقصد هنا الديانات السماوية فحسب، بل كل ما وجد على الأرض من ديانات منذ وطئتها القدم البشرية.

ـــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة


تعليقات الفيسبوك