معلومات ربما لا تعرفها عن “ڤرجينيا وولف” !

معلومات ربما لا تعرفها عن “ڤرجينيا وولف” – بقلم: طارق علوش

ڤرجينيا ستيـفن وولف Virginia Stephen Woolf هي سيدة الرواية الإنكليزية الحديثة إلى جانب كونراد[ر] وجويس[ر]، وسيدة الرواية العالمية إلى جانب بروست[ر] وكافكا[ر]، إضافة إلى كونها من أبرز نقاد عصرها. ولدت في لندن وأشرف والدها الناقد الأدبي ليسلي ستيـفن Leslie Stephen على تعليمها وإخوتها في المنزل الذي صار بعد وفاته مركزاً لجماعة بلومزبْري Bloomsbury Group الطليعية المتمردة على قيم العصر الـڤكتوري المتزمتة، وضمت فنانين ومفكرين وكتّاباً، منهم فورستر[ر] وروجر فراي Roger Fryولينارد وولف Leonard Woolf الذي صار زوجها عام 1912. وقد أسس الزوجان في رودمِلRodmell ـ البلدة الصغيرة الوادعة في مقاطعة سَسِكس Sussex حيث لجأا ابتعاداً عن صخب المدينة الكبيرة التي سببت لوولف الانهيار العصبي تلو الآخرـ دار نشر هوغارثHogarth Press التي نشرت مؤلفاتها وآخرين مثل فرويد[ر] وإليوت[ر].

لحقت وولف بركب الكتابة التجريبية، بعد أن كانت قد نشرت روايتيها «انطلاق الرحلة» The Voyage Out ت(1915) ثم «ليل ونهار» Night and Dayت(1919) وكانتا تقليديتين. فقد أرادت التحرر من قيود الرواية الواقعية[ر] التي تؤكد التسلسل الزمني للأحداث والحبكة المترابطة وأن تأخذ «اللحظة كاملة» مثلما هي دونما اجتزاء، مستخدمة أدوات الشعر كالصور المتكررة والكلمات ذات الإيقاع والصوت والصمت، وأيضاً تقنية الدخول والخروج من ذهن شخصية إلى ذهن أخرى وتداخل الأزمنة من ماضٍ إلى حاضر وبالعكس من دون أي تسلسل منطقي. وقد تبنت وولف أسلوب تيار الوعي stream of consciousness هذا وكيفته وفقاً لاحتياجاتها في روايتي «السيدة دالَويْ»Mrs Dalloway ت(1925) و«إلى المنارة» To the Lighthouse ت(1927).

يبدأ سرد وولف للأحداث في «السيدة دالَويْ» بجملة «قالت السيدة دالوي إنها ستبتاع الأزهار بنفسها»، وتبدأ الرحلة عبر أفكار هذه السيدة التي تناهز الخمسين وهي منهمكة بتنظيم حفلة لزبدة المجتمع من حولها. وتبدو كلاريسّا دالَويْ ظاهراً منسجمة ومتناغمة مع ذاتها والآخرين، بيد أنها في الواقع على نقيض ذلك اجتماعياً وعاطفياً وجنسياً. وتنخطف أفكارها خلفاً وأماماً بين طفولتها ويفاعتها وحاضرها، وعبر أفكار شخصيات أخرى مثل بيتر وولش Peter Walsh الذي أحبته يوماً، وزوجها المحب رتشاردRichard الذي يقوم على راحتها ورعايتها بعد أزمة قلبية مرت بها، وسبتيموس سميثSeptimus Smith الذي عاش أهوال الحرب العالمية الأولى فسلبته رشده، وسالي سيتنSally Seton صديقة طفولتها والعواطف والأحاسيس المعقدة واللحظات السعيدة التي تربطهما؛ تلك اللحظات التي يتقبل الإنسان فيها الموت بطيبة خاطر مثلما يقول شكسبير في «عطيل» :Othello «لو جاء الموت الآن لكان الآن أسعد الأوقات». وثمة في هذه الرواية وفي كتابات وولف الأخرى احتجاج على كل أنواع القمع والإكراه الذي أودى بحياة الملايين في الحرب، وهو احتجاج أيضاً على كل ما هو تقليدي في الأدب، وبحث في معنى الحرية؛ حرية اختيار المرء الطريق الذي يسلك والمصير الذي يريد. وليس احتجاجها على المجتمع الذكوري والسلطة الأبوية أقل زخماً، ومن هنا نبعت نبرة وولف النسوية[ر] في مقالاتها الطويلة «فسحة خاصة» A Room of One’s Own ت(1929) و«ثلاثة جنيهات» Three Guineas ت(1938)، وكانتا في الأصل محاضرات موجهة حصرياً إلى جمهور نسائي عن تحرير المرأة من القهر والقمع.

نقلت وولف أسلوبها في الكتابة خطوة أخرى على طريق الحداثة[ر] في «إلى المنارة» التي يقوم بناؤها على هيكل نزهة عائلية إلى منارة بعيدة عن الشاطئ تقوم السيدة رامزي Mrs Ramsay بالتحضير لها. وتُفتت وولف في هذه الرواية الزمن التقليدي بدقائقه وساعاته إلى زمن داخلي لا يعترف بها، وتبحث في الوضع (الشرط) الإنساني the human condition. وهي مع تمجيدها الحياة تبحث في جل ما كتبته في الموت وتطرح الأسئلة الوجودية الكبرى، وتحوِّل تساؤلات هملت عن الموت إلى السؤال: لماذا الحياة؟ وعلى هذا الطريق سارت وولف فقضت منتحرة غرقاً في مياه نهر أوز Ouse بالقرب من منزلها.

أهملت وولف كتابة الرواية فترة، إذ انشغلت بالكتابة عن المرأة ودورها في المجتمع ومكانها في الأدب المعاصر، ثم عادت إليها في رواية «أورلاندو» Orlando ت(1928) حيث أدخلت شخصيات صديقاتها الكاتبات وعلاقتها بهن، ورواية «الأمواج» The Waves ت(1931) ـ الأقرب إلى الشعر منها إلى النثر ـ عن عظمة وعبث الحياة من خلال تسع مراحل تمثل كل منها فترة من حياة الإنسان، وغربة هذا الإنسان ووحدته في مواجهة مصيره. وقد عدّ الكاتب والناقد الإنكليزي ستيـڤن سبندر[ر] هذه الرواية أعظم إنجازاتها. كتبت وولف «السنون» The Yearsت(1937) و«بين الفصول» Between the Acts التي نشرت في عام 1941 بعد وفاة الكاتبة، وهي تغطي كما هي الحال في «السيدة دالَويْ» يوماً واحداً في حياة الشخصية الرئيسة، ويعدها بعض النقاد أيضاً أفضل مؤلفاتها.

من حماسة وولف للروائيين الروس في كتابها النقدي «القارئ العادي» The Common Reader بجزأيه الأول (1925) والثاني (1932) نبعت كتبها التنظيرية «الرواية الحديثة» Modern Fiction و«وجهة النظر الروسية» The Russian Point of View، ونشرت ترجمة مؤلفات تولستوي[ر] ودستويـڤسكي[ر] وغوركي[ر]. كما بحثت وولف في وضع المرأة الكاتبة في «موت العثة» The Death of the Moth ت(1925) التي تعد إلى جانب «صوَّان وقوس قزح» Granite and Rainbow المنشورة في عام 1958 من أفضل نقدها. نشرت أيضاً في ثلاثين عاماً المئات من المقالات النقدية في T.L.S وهو الملحق الأدبي النافذ لصحيفة «التايمز»، وصار لوقع اسمها من السلطة والهيبة ما يرهب أكبر المؤلفين؛ ومن هنا عنوَن إدوارد آلبي E.Albee إحدى مسرحياته «من يخاف ڤرجينيا وولف؟» Who’s Afraid of Virginia Woolf?.

 صدرت كتب كثيرة عن وولف وكتاباتها، وليس ثمة من يُقارَن بها من حيث إسهامها في تطوير الرواية والنقد الإنكليزيين. لقد وجدت ـ أسلوبياً ـ ضالتها منذ عام 1922 في تيار الوعي الذي جربته في روايتها «غرفة يعقوب» Jacob’s Room حول عبث الحرب، واستبدلت بالسردية التقليدية التدفق العفوي للأفكار في وصف الحياة الداخلية لشخصياتها. وقد تميزت أغلب كتاباتها بصفة رؤيوية تكاد تصدم القارئ.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






-->

تعليقات الفيسبوك