مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت

مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت – بقلم: عماد الدين ابراهيم عبد الرازق ([1])

ليس ثمّة شك في أنّ الحضارة المعاصرة قد حققت قدراً لا بأس به من النجاح والتقدّم. لقد استطاعت أن تلبي وتحقق كلّ ما يحلم به الإنسان من مطالب وحاجات، في ظلّ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي استطاع أن يسخّر كلّ شيء للإنسان، وأن يصبح الإنسان بواسطة هذا التقدّم التكنولوجي سيّداً للعالم. ومع ذلك فهناك صيحات تنذر بأنّ الحضارة تمرّ بمأزق أو أزمة كما رأى “هابرماس”.

فقد أعلن “اشفيتزر” “SCHWEITZER” مثلاً أننا نعيش اليوم في ظلّ انهيار الحضارة. وأعلن “اشبنجلر” “Spengler” أنّ الحضارة تدخل الآن مرحلة التداعي، وقد حكم عليها بالموت والدمار. وصرّح نيتشه “Nietzsche” أنّها تسير إلى الهاوية. إنّ الحضارة المعاصرة ـ على حد تعبير “اشفيتسر” ـ أشبه بالسفينة التي نمخر بها في تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل، ولا بد من مجهودات جبارة لإنقاذها من المجرى الجانبي الخطير الذي سمحنا لها بالانطلاق فيه، ومن إعادتها إلى المجرى الرئيس إن كان ثمّة أمل في ذلك.

على الرغم من التقدّم التكنولوجي لهذه الحضارة المعاصرة إلا أنّ الإنسان أصبح ترساً في آلة، أصبح شيئاً من الأشياء، فقد ذاته وشعر بالاغتراب، فقد هويته وأصبح في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي؛ من هنا شعر بالاغتراب. وقد تعدّد هذا المفهوم وتنوّع عند فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وحمل أسماء مختلفة لمعنى واحد وهو الاغتراب.

أولاً: هابرماس ونقد العقلانية التكنولوجية في المجتمع الرأسمالي

قدّم “هابرماس” تشخيصاً للمجتمع الرأسمالي الذي أصبحت السيادة فيه لعلاقات وقوى الإنتاج، وأصبح الإنسان فيه ليس له قيمة، وليس له وجود حقيقي، وركز على ظاهرة الهيمنة التكنولوجية “التقنية” والعقل الأداتي Instrumental Reason. وأشار “هابرماس” في الفصل الثاني من كتابه “العلم والتقنية بوصفهما أيديولوجية” إلى أنّ “ماكس فيبر” حين قدّم مفهوم العقلانية كان يقصد تحديد شكل النشاط الاقتصادي الرأسمالي، وقانون حق الملكية الخاصة، والعقلانية تعني في المقام الأول اتساع نظام المجالات الاجتماعية التي تخضع لمعايير القرار الرشيد، ويتلاءم مع هذا تصنيع العمل الاجتماعي، وما يتبعه من تغلغل معايير الفعل الأداتي في مجالات حياتية أخرى، والأمر عموماً يتعلق بهيمنة نمط من الفعل الموجّه نحو الهدف الذي يشير إلى تنظيم الوسائل والاختيار بين البدائل([2]).

ويرى “هابرماس” أنّه بقدر تغلغل التقنية في مجالات الحياة الاجتماعية، وما يترتب على ذلك من تغيير في المؤسسات الاجتماعية ذاتها بقدر ما تتقوض الشرعية القديمة لتحل محلها شرعية جديدة([3]).

هنا نرى أنّ ثمّة اعتراضاً واضحاً من جانب “هابرماس” على تغلغل التقنية في جميع مجالات الحياة، ممّا ترتّب عليه شعور الإنسان بالاغتراب، لأنّه أصبح آلة أو لأنّ قيمته أصبحت تقاس بما ينتجه، ولكن ليس معنى رفض “هابرماس” للتكنولوجيا أنه يستبعدها تماماً من الحياة، بل يريد أن تعمل إلى جانب شعور الإنسان بذاته، يريد أن يكبح هذا التغلغل التكنولوجي في مجالات الحياة.

من هنا يرى أنّ التطور التقني يخضع لمنطق يتبع بنية الفعل العقلاني الموجّه نحو الهدف، والخاضع لمراقبة النجاح، أي أنّه يتبع بنية العمل، وبما أنّ تنظيم الطبيعة الإنسانية لا يتغير، فإنّنا ينبغي أن نحافظ على حياتنا من خلال العمل الاجتماعي، وبمساعدة الأدوات([4]).

ثم ينطلق “هابرماس” من فكرة سيطرة وهيمنة التقنية على عالم الحياة إلى نقد فكرة العقل الأداتي، وكذلك نقد هيمنة التكنولوجيا التي أدّت إلى اغتراب الإنسان المعاصر.

فالعقل الأداتي بوجه عام هو منطق في التفكير، وأسلوب في رؤية العالم، ويعتبر هو الأسلوب الذي يحكم العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، وهو الذي يسيطر على التفكير في المجتمع الصناعي المتقدّم، وفيه يخضع الإنسان للتكنولوجيا خضوعاً تاماً، ولقد نقد “هابرماس” مفهوم العقل الأداتي، وكذلك مفهوم العقلانية الأداتية. ويصف “هابرماس” عملية التحديث في الغرب على أنّها أدّت إلى زيادة في العقلانية الأداتية، وإلى التوسع في نطاق الفعل الأداتي في مجال الاقتصاد والإدارة، والعلم والتكنولوجيا على حساب العقلانية التواصلية في المجال الاجتماعي([5]).

ويلاحظ “هابرماس” أنّ السلطة بمعناها العام أصبحت تعتمد على شرعية مصدرها السوق، وقوانين السوق، أي تحوّل مصدر الشرعية من عالم الحياة الاجتماعية للمجتمع التقليدي الذي يسود فيه الفعل التواصلي إلى عالم الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا الذي يسود فيه الفعل الأداتي والعقلانية الأداتية([6]).

ويستمر “هابرماس” في نقده للتقدم العلمي والتكنولوجي، فقد أصبحا في نظره يشكلان الأيديولوجيا الجديدة، وقد صاحب الدورُ الأيديولوجي للعلم والتكنولوجيا وعياً تكنوقراطياً “Technocratic” أي “حكومة الفنيين”، هذا الوعي يعمل على حل القضايا الاجتماعية على أنها مسائل تحلّ بمنطق أداتي، أي بوسائل تقنية، كما صاحبه عزل الجماهير عن عملية اتخاذ القرار([7]).

ويشير في كتابه “العلم والتكنولوجيا كأيديولوجيا” إلى أنّ العقلانية قد لعبت دوراً هاماً في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وأنّها سيطرت على جميع مجالات الحياة الاجتماعية، وأصبح كلّ شيء في المجتمع الرأسمالي يخضع للتقدم العلمي والتكنولوجي، ومن هنا أصبح يشعر الإنسان في ظلّ هذا التقدم التكنولوجي بالاغتراب، والبعد عن ذاته، وأنّه مثله مثل الآلة التي تقوم بالإنتاج، ويقرّ “هابرماس” بأنّ العلم والتكنولوجيا قد تعاظما إلى درجة أصبحا معها أهمّ قوة إنتاجية، وبالتالي صارت علاقاتهما بالممارسة الاجتماعية وبعالم الحياة اليومية محلّ تساؤل، فالقوى الجديدة لسلطة التصرف التقني المتزايدة تظهر نوعاً من عدم التلاؤم بين نتائج عقلانية عالية التوتر، وبين أهداف لا رؤية فيها، وأنساق قيمية جامدة، وأيديولوجيات واهنة([8]).

وخلاصة القول: إنّ “هابرماس” انتقد فكرة العقل الأداتي، وأسلوب تفكيره، ورؤيته الشاملة، وسيطرته على جميع مجالات الحياة. ويرى أنّه رغم تقدم العلم والتكنولوجيا وما حققاه من نتائج مبهرة في جميع مجالات الحياة، إلا أنهما أخضعا الإنسان لسيطرتهما، وأضحى الإنسان في ظلّ التقدم التكنولوجي آلة يخضع لقوانين هذه الأداة، ونقد العقل الأداتي والسيطرة التكنولوجية عند “هابرماس” تذكرنا بالفكرة نفسها التي نسج منها “لوكاتش” “Lukács” فكرته عن التشيؤ.

ثانياً: التشيؤ عند لوكاتش “Reification”

التشيؤ عند لوكاتش يعني أنّ المجتمع يجب عليه أن يشبع حاجاته عن طريق تبادل السلع، وهذا يتطلب أن يتم تنظيم المجتمع كله وفق نموذج علاقاته الاقتصادية وبالتالي تعم ظاهرة التشيؤ.

كما يعرف “لوكاتش” التشيؤ أيضاً بأنه تحول الصفات الإنسانية إلى أشياء جامدة واتخاذها لوجود مستقل، واكتسابها لصفات غامضة غير إنسانية([9]).

إذاً التشيؤ يعني هنا اغتراب الإنسان في ظل العلاقات الرأسمالية حيث لم تعد السلع تقاس بقيمتها الواقعية، وإنما تتحدد بقيمة مجردة تحدّدها السوق.

ويرى “لوكاتش” أنّ هذه الفكرة تشكل نقداً أخلاقياً قوياً للنظام الرأسمالي، يجعله نظاماً يحوّل البشر إلى أشياء يمكن أن تباع وتشترى، وفي هذه الفكرة أيضاً يصبح العالم الاجتماعي عالم الأشياء، شأنه في ذلك شأن عالم الأشياء أو العالم الطبيعي، ويصبح المجتمع يمثل “طبيعة ثانية” إلى جانب العالم الطبيعي الأصلي، ويبدو كما لو أنه مستقل عن الفعل الإنساني شأنه في ذلك شأن استقلال قوانين الطبيعة([10]).

هنا نرى أنّ “التشيؤ” يحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء، وتصبح قيمة الإنسان تقاس بما ينتجه من سلع. ويشعر الإنسان بالاغتراب وفقدان الذات في ظل ظاهرة التشيؤ. وقد أكد أيضاً أنّ التشيؤ يصيب نظرة الناس إلى مجتمعهم، إذ ينظرون إلى المجتمع على أنه محكوم بقوانين طبيعية ثابتة لا تتغير، لكنها في الحقيقة قوانين خاصة بفترة تاريخية معينة، وهي فترة سيادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي([11]).

من هنا يتضح لنا أنّ التشيؤ ظاهرة عامة تتحكم في الوعي الإنساني، ويصبح الإنسان من خلالها مثله مثل أي شيء، وتقاس قيمته بما ينتجه من سلع، وبناء على ذلك يشعر الإنسان بالاغتراب عن ذاته؛ كذلك أصبحت العلاقات الاقتصادية هي التي تتحكم في مجالات الحياة حتى المجالات الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية.

ثالثاً: الاغتراب عند ماركس “Alienation

يرى ماركس أنّ الاغتراب يحدث بشكل عام حينما تسيطر على الإنسان البيئة الاجتماعية التي أوجدها بيده، ولقد رأى أنّ هذه الظاهرة تحدث بصفة خاصة في المجتمع الرأسمالي؛ إذ ينفصل البشر ولا يسيطرون على ما ينتجون، وينفصلون عن بعضهم بعضاً، وتفقد جماعية العمل معالمها.

كما يرى “ماركس” أنّ البشر من خلال ظاهرة الاغتراب لا يسيطرون أيضاً على ناتج عملهم، وينقطعون عن قدرتهم واتخاذ القرارات، بل يبدو كما لو أنهم مجبرون على العمل من قبل أناس آخرين. الاغتراب كذلك حالة يصبح فيها البشر دمى للنظم الاجتماعية التي صنعوها بأيديهم([12]).

من هذا يتضح لنا أنّ ظاهرة الاغتراب يصبح فيها الإنسان مثل أي سلعة أو أي شيء ينتجه، وينفصل الإنسان عما ينتجه، وتصبح العلاقات الاجتماعيـة بين البشر خاضعة للعلاقات الإنتاجية.

رابعاً: ماركيوز والإنسان ذو البعد الواحد

كذلك نرى أنّ فكرة التشيؤ عند “لوكاتش” أو الاغتراب عند ماركس هي الفكرة نفسها التي انطلق منها “ماركيوز” في فكرته عن الإنسان ذي البعد الواحد “One Dimensional Man”.

فالأطروحة الأساسية “لماركيوز” في “الإنسان ذو البعد الواحد” تنبثق من التفاقم اللامحدود لسلطة الآلة في المجتمعات الصناعية الكبرى المتقدمة، فيرى تحول الإنسان في ظل هذا التقدم التكنولوجي إلى بعد واحد يمثل البعد التقني لسلطة الآلة، بحيث تفرز نمطاً من العلاقة بين الفـرد والمؤسسات التي تتحكم بتنظيمه الاجتماعي ووجوده اليومي، وتجعل وعيه يتموضع في نقطة محددة وموجهة نحو الهدف الذي ترسمه الدولة ومؤسساتها([13]).

من هنا نرى أنّ سلطة الآلة قد طغت على كل شيء في الحياة، وحددت مجالات وأهداف الإنسان، وتحول الإنسان إلى بُعد واحد فقط، هو جانب الآلة.

ولقد تحدث “ماركيوز” عن وسائل السيطرة والهيمنة الجديدة للدولة ومؤسساتها داخل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهيمنة الآلة الصناعية الكبيرة والاتجاه الاستهلاكي الساحق الذي ينجح في نزعة من الذوبان داخل تياره المتمكن، بحيث أصبح الإنسان في ظله يخضع لقوانين الإنتاج، وقيمته تتحدد بقوانين السوق والسلع. ورأى أنّ سلطة الدولة أصبحت أكثر اتساعاً، فكما حدث تقدم في وسائل الإنتاج، وفي العلم والتكنولوجيا، حدث تقدم مماثل في إدارة الدولة وفي قدرتها على القمع، وقد عمل التقدم الصناعي الحديث على تشويه طبقتي البرولتاريا والبورجوازية وتشويه العلاقة بينهما([14]).

إذن من الواضح أنّ الإنسان هنا أصبح ذا بعد واحد كما يسميه “ماركيوز”، بعد يعتمد على التقدم التكنولوجي والعلمي، يقاس بما يتمّ إحرازه من إنتاج للسلع، وبهذا أصبح الإنسان مغترباً عن ذاته، بل منفصلاً عما ينتجه من سلع وإنتـاج، وأصبحت العلاقات الاجتماعية ترتبط بقوانين الإنتاج، ومن هنا حدث تشويه لقيم الإنسان وجوهره الحقيقي، بل أصبح هناك تفكك اجتماعي واضح في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وانعدمت القيم الحقيقية.

وتلك الفكرة عن ضياع الإنسان، وفقدانه لذاته وشعوره بالاغتراب في ظلّ النظام الرأسمالي المتقدم، وفي ظلّ سيطرة وهيمنة التكنولوجيا والتقدم العلمي على كل مجالات الحياة نجد لها مثيلاً عن مفهوم “هوركهايمر” وحديثه عن نهاية الفرد “The End of Individual”.

خامساً: هوركهايمر ونهاية الفرد

رأى “هوركهايمر” أنّ الفرد في ظل المجتمع الرأسمالي الحديث يعاني من أزمة عميقة، هي اضمحلال أهميته، فقد كان النظام الرأسمالي في بداية ظهوره يعتمد على المجهود الشخصي والأفعال المستقلة للأفراد، ولذلك كان هناك أساس اقتصادي قوي للفردية، أمّا الآن ومع انتهاء الرأسمالية الليبرالية، وظهور رأسمالية الدولة، فقد اختفى الأساس الاقتصادي للفردية، إذ أصبحت الرأسمالية لا تعتمد على الأفراد، بل على وحدات إنتاجية أكبر مثل الشركات والمؤسسات([15]).

هنا نجد ضياع الفرد واغترابه بسبب سيطرة الآلة والمؤسسات الكبرى على مجالات الحياة، فالنظام الرأسمالي هو نظام يقضي على شعور الإنسان بذاته، لأنه يعتمد بصورة أساسية على الآلة؛ وهذه وجهة نظر هوركهايمر.

وبتلك الوسيلة يرى “هوركهايمر” أنّ على الفرد أن يتكيّف مع هذا الوضع الجديد، لأنّه فرض عليه الاندماج في نظم اجتماعية واقتصادية لكي يستمر في البقاء، وتحولت قيمة من قيم تسعى لتحقيق الذات، وتشكيل المصير الشخصي، وتحقيق الإمكانات الفردية من إبداع وابتكار وخلق، إلى قيم تسعى للامتثال والتكيف مع الوضع القائم([16]).

ويؤكد “هوركهايمر” على الفكرة نفسها من خلال مفهوم “خسوف العقل” “Eclipse of Reason” أو اضمحلال العقل. لأنّ العقل أصبح يتعامل مع مجالات المادة، وتمّ استبدال عملية اكتشاف المعنى بعملية التدريب على الوظائف، ومع سيادة التصور الأداتي عن العقل تتحول الملكات الذهنية إلى وظائف، أي إلى نوع من التقنية تتطلب التدريب عليها لممارستها جيداً، كما تتطلب الخبير الذي يتخصص في جزئية صغيرة من العمليات العقلية بدلاً من الشخصية الإنسانية الكاملة، وبتفتيت العمليات العقلية إلى أجزاء، وتحول هذه الأجزاء إلى اختصاصات لخبراء يتم تشيؤ العقل وتحوّله إلى آلة([17]).

وهنا نرى سيطرة وهيمنة الآلة على كل شيء، وتحول الإنسان إلى شيء من الأشياء، وفقدان قيمته الحقيقية، علاوة على شعوره بالاغتراب، وتحول القيم الإنسانية إلى قيم مادية.

أيضاً نجد لهذه الفكرة عن تشيؤ الإنسان واغترابه صدى لما تحدّث عنه كلّ من “هوركهايمر” و”أدورنو” في فكرتهما عن صناعة الثقافة “Culture Industry” أو “الثقافة الجماهيرية وخداع الجماهير”.

فقد رأى “هوركهايمر”، و”أدورنو” أنّ وسائل الاتصال الجماهيري هذه من أدوات النظام الرأسمالي التي يفرض بها الهيمنة على المجتمع. واعتبر “هوركهايمر، وأدورنو” أنّ الثقافة الجماهيرية “Mass Culture” هي جزء من النظام الأيديولوجي الذي يعمل على إخضاع وعي الجماهير للسلطة القائمة والتسليم بها، فتعمل السينما والإذاعة والصحف والمجلات على تأكيد القيم الثقافية التقليدية للمجتمع، وخلق حاجات جديدة للفرد عن طريق الدعاية والإعلان، ويحاول إشباعها بمزيد من الانصياع لقواعد اللعبة، أي ربطه بدائرة المجتمع الاستهلاكي([18]).

أشار كلّ من “هوركهايمر، وأدورنو” إلى أنّه بينما كانت الثقافة طوال التاريخ الأوروبي من فن وأدب ومسرح باعثة على الأمل في مستقبل أفضل وداعية إلى قيم العقل والحرية والتحرر من كل ما يقيّد النمو الحر للفرد، ومحتوية على عنصر يوتوبي يجعل العقل حكماً على الواقع، انتهى كل ذلك مع نمط الثقافة الجديدة التي تنشرها وسائل الاتصال الجماهيري، فقد اختفى البعد اليوتوبي، وأصبح هدف هذه الثقافة هو التسلية وإمضاء وقت الفراغ([19]).

ورأى أدورنو أنّ السيطرة التكنولوجية تتوسط جوهر الثقافة الحديثة، التي تعتبر بدورها توسطاً تكنولوجياً مستنزفاً من خلال وسط جماهيري، وقد لاحظ أيضاً أنّ تكنولوجيا الثقافة لا تحدث من خلال مجالات أو قطاعات معينة، ولكنها تحدث داخل الحضارة ككل، وفي ضوء الوسط الجماهيري، لا تتحدث الحضارة إلا عن صوت واحد متحكم هو صوت العقلانية التكنولوجية([20]).

من هنا نرى أنّ التكنولوجيا والتقدم العلمي قد دخلا في كل مجالات الحياة الاجتماعية حتى الحياة الثقافية، وهذا أمر خطير، لأنّ تحديد الثقافة وأهدافها والسيطرة عليها من خلال أجهزة الدولة ووسائل الإعلام يقضي على عمليات الإبداع الفكري.

خلاصة القول: إنّه رغم التقدم العلمي والتكنولوجي في المجتمعات الرأسمالية إلا أنّ هذا التقدم لم يمنع من تعرّض هذه المجتمعات لأزمات مختلفة ومتعددة. ورغم هذا التقدم التكنولوجي والعلمي وسيطرته على جميع مجالات الحياة، إلا أنّ هذا التقدم جعل الإنسان يشعر بالاغتراب، بل أضحى الإنسان آلة أو ترساً في آلة، وأصبحت قيمته الحقيقية تقاس بمدى ما يحقق من إنتاج، وهنا حدثت أزمة في القيم، لأنّ قيمة الإنسان الحقيقية أصبحت تقاس بعلاقات الإنتاج وقوانين السلع وتبادلها، ومن هنا ظهرت مفاهيم تشيؤ واغتراب الإنسان عمّا ينتجه من سلع. وفي ظلّ هذا الاغتراب وسيطرة السلع وعلاقات السوق على مجالات الحياة أصبح الإنسان لا يشعر بوجوده الحقيقي، ولا يشعر بإبداعه وقيمته الحقيقية، كما أصبح كيان الإنسان مهدداً باستمرار رغم هذا التقدّم العلمي والتكنولوجي، فالتقدّم العلمي والتكنولوجي ألقى بظلاله على كلّ شيء، حتى على العلاقات الاجتماعية، ومن هنا شعر الإنسان بالاغتراب والبعد عن ذاته.


([1]) هذا المقال سبق نشرة في مجلة يتفكرون عدد 6

[2] د. فتحي أبوالعينين: هابرماس وتحرير الوعي الاجتماعي، مجلة إبداع، العدد الخامس، مايو، 1998، ص 68

[3] Habermas: Science and Technology of Ideology “in theory and practice, Beacon Press, 1974, P. 132.

[4] د. فتحي أبوالعينين: مرجع سابق، ص 69

[5] Habermas: Legitimating Crisis, Trans by. Thomas McCarthy, Heinemann, London, 1979, P. 23-25.

[6] أيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة. د. محمد حسين غليوم، عالم المعرفة، الكويت، 1999، ص 316

[7] Habermas: Legitimating Crisis, P. 36.

[8] Habermas: Science and Technology, P. 194.

[9] Lukács. (G): History and Class Consciousness, Translated by. Rodney Livingston, Marline Press, London, P. 112.

[10] Lukács. (G): History and Class Consciousness, P. 112.

[11] Ibid: P. 172.

[12] كارل ماركس: رأس المال، ترجمة فالح عبد الجبار وآخرين، المجلد الأول، الجزء الثاني، دار التقدم، موسكو، ص 108

[13] Marcuse. (H): “One Dimensional Man” Beacon Press, Boston, 1966, P. 158.

[14] ماركيوز “الإنسان ذو البعد الواحد”، ترجمة. جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 1971، ص 66

[15] Lehman. (G): The Failure of Self Realization on Interpretation of Horkheimer Eclipse of Reason, Oxford, 1941, P. 239.

[16] Horkheimer (M): The End of Reason, Oxford, 1918, P. 132.

[17] Ibid: P. 132.

[18] Horkheimer and Adorno: “The Culture Industry”: Enlightenments Mass Deception in Dialectics of Enlightenment, New York, 1973, P. 120.

[19] Ibid: P. 121.

[20] Horkheimer and Adorno: Op. Cit., P. 125.

المصدر: مؤسسة مؤمنون بلا حدود

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك