كيف حفظ عمر بن الخطاب المال العام؟

كيف حفظ عمر بن الخطاب المال العام؟ – بقلم: سامح عبد الله

” والذي بعث محمدا بالحق، لو أن دابة هلكت بأقصي أرض المسلمين لأخذ بها عمر يوم القيامة “

الثانية والثلاثون..

لم يكن فقط ليل الخليفة قلقا يمضي ثلثه علي الأقل يتجول بين حنايا البيوت والجدران ليطمئن علي هؤلاء الذين بايعوه علي الخلافة..
نوع من حساب الذات قبل حساب الرعية..
عقد إجتماعي توصل إليه عمر قبل أن يتوصل إليه صاحب نظرية العقد الإجتماعي في القرن التاسع عشر ” جون لوك”
كان يتجول في جنح الليل فيحمل الدقيق علي كتفه لإمرأة عجوز كانت تشعل النيران علي قدر من ماء بلا طعام.. أو هو وزوجه يساعدان امرأة فاجأها المخاض.. أو يزوج إبنه لبنت بائعة اللبن التى رفضت مزج اللين بالماء.. أو يصدر أمراً بألا يتغيب المحارب عن بيته فوق أربعة أشهر عندما سمع إمرأة تشكو غياب زوجها.. أو ألا يذهب للجيش شاب وحيد أباه.. وكثير مثل هذا وذاك مما كان ينجلي لعمر تحت جنح الليل.

لكن نهار الخليفة أيضا لم يختلف كثيرا..
فهو هذا الرجل الذي يدخل السوق وعندما يعلم أن إبنه عبد الله بن عمر له إبلا جاء بها إلي هنا لكي يبتغي مايبتغي الناس يثور عليه ويضع الإبل كلها أو قيمتها بيت المال.
لكن ما حدث في تلك الواقعة كان شيء آخر..

ذات يوم وبينما عثمان بن عفان يطل من شرفة بيته إذ يري رجلاً عن بعد يسوق أمامه بعيرين وكان وقت صيف شديد الحرارة أشفق عثمان بن عفان علي هذا الرجل الذي لم يكن يعرفه وأرسل غلامه يدعوه لكي يستظل بعض الوقت عنده حتي يذهب عنه وهج الشمس الشديد وكذا ليشرب شربة ماء فلما قرب الرجل عرفه عثمان…
إنه عمر بن الخطاب نفسه.. إنه أمير المؤمنين !
ودار هذا الحوار بين الرجلين..

عثمان : ما أخرجك هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟! “

عمر : ” بكران من إبل الصدقة تخلفها عن الحمي (المرعي ) وخشيت أن يضيعا فيسألني الله عنهما “

عثمان : هلم يا أمير المؤمنين إلي الظل والماء وعندنا من يكفيك هذا الأمر “

عمر : عد إلي ظلك ومائك ياعثمان، فوالله لو تعثرت عنزة بأرض اليمن لسألني الله : “لماذا لم أمهد لها الطريق “

وترك أمير المؤمنين عثمان ومضي يسوق البعيرين تحت وهج الشمس وهو يتصبب عرقاً..

لكن عثمان يصيح وكأنه أراد أن يصل صوته أقصي أرجاء المدينة.. ” من أراد أن ينظر إلي القوي الأمين فلينظر إلي عمر بن الخطاب..
من أراد أن ينظر إلي القوي الأمين فلينظر إلي عمر بن الخطاب.. “

ورآه علي بن أبى طالب يجري فيسأله.. ” إلي أين يا أمير المؤمنين؟! ”
ويجيب عمر.. ” بعير أفلت من إبل الصدقة فأنا أجري لألحق به ”
قال علي.. ” لقد أتعبت الذين سيجئون بعدك ”
قال عمر.. ” والذي بعث محمداً بالحق لو أن دابة هلكت بأقصي أرض المسلمين لأخذ بها عمر يوم القيامة “

وكان عمر قد سن سنة جديدة وهي أن يكتب كل من ولاه علي إمارة ما عنده من مال وثروة حتي إذا زاد ملكه بعد الولاية عزله لشبهة التربح.

وكان يكتب إلي الولاة دائما يذكرهم بحرمة مال الدولة يقول لهم ” حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة فإنه من حاسب نفسه في الرخاء قبل الشدة عاد مرجعه إلي الرضا والغبطة ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلي الندامة والحسرة فتذكر ما توعظ به لكيما تنتهي عما تنهي عنه وتكون عند التذكرة من أولي النهي”

تلك هي من أصدق الروايات التي تواترت بشأن حفاظ عمر علي المال العام الذي كان يتمثل في بيت مال المسلمين الذي كان ينفق منه أيضا علي أصحاب الديانات الأخري.
تعمدت أن أنقل الرواية من أصدق المؤلفات التى كتبت عن عمر.. مؤلف الفاروق عمر للكاتب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي.

أتردد كثيراً كما قلت عند نقل الرواية لأن ما أختلق منها كثير جديد وما أندر الدقيق منها..
لكنه هو عمر بن الخطاب الذي يعطي مصداقية لها..
الرجل الذي أقسم بأن الله سيحاسبه لو تعثرت دابة بأرض العراق لأنه لم يصلح لها الطريق هو الرجل الذي نصدق كل رواية تكتب عنه في مجال الحفاظ علي مال الناس كما وعد هو في الدستور الذي تلاه عليهم يوم بيعته..

عمر هنا أول من ألزم الولاة بتحرير إقرار الذمة المالية المتعارف عليه اليوم لكن مع الفارق !
عمر هنا أول من ألزم نفسه ليس فقط بحقوق نحو البشر بل أيضا بحقوق نحو الدابة التى ترعي بأرض هو أمير المؤمنين بها..
عمر هنا يمثل القدوة والمثل الأعلي في الحفاظ علي المال العام..
عثمان يصيح .. من أراد ان يري الصادق الأمير فلينظر إلي عمر بن الخطاب..
وعلي يقول له لقد أتعبت الذين سيجئون بعدك..

كانت أرجاء الدولة تتوسع والأقطار تدخل في حدود الأمبراطورية التى أسسها هذا الرجل الذي كان يسوق بكران من إبل الصدقة خوفا من الضياع وهي من أموال الرعية.
أجزم أن القوة والسيف مهما عظما لايصنعان وحدهما دولة..
وأجزم أن ممارسة الشعائر مهما كثرت لاتصنع وحدها تقوي..
وأجزم أن لا أحد عرف أن الدولة والتقوى يقيمهما العدل أكثر من عمر..
وللحديث بقية.

ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة


تعليقات الفيسبوك