هل الوحي الرَّباني يقتصر فقط على الأنبياء و العلوم الشرعية ؟

هل الوحي الرَّباني يقتصر فقط على الأنبياء و العلوم الشرعية ؟ – بقلم: طاهر يونس حسين

إنَّ الوحي الرباني لا يقتصر فقط على الأنبياء بل يتعداهم إلى فروع أخرى، فمثلاً علماء الفيزياء و الرياضيات و الكمياء و الأحياء..إلخ هؤلاء أيضاً يتلقون وحياً ربانيا.. كل وحي يناسب الاختصاص المناسب له، فكما أرسل الله للناس رسلاً تعلمهم دينهم أرسل لهم رسلاً في الفيزياء و الرياضيات.. إلخ، و هذا الوحي لا ينزل اعتباطياً .. بمعنى محمد صلى الله عليه و سلم لم يختاره الله ليكون رسولاً ؛ لأنَّه محمد فقط.. ليس الأمر بهذه البساطة التي يظنها الكثير .. بل محمد عليه الصلاة و السَّلام ظلَّ يتأمل و يصعد إلى الجبال الموحشة يبيت فيها ليالٍ طوال لمدة 15 عاما حتى سقط الوحي على رأسه في النهاية، فالرجل اجتهد لسنين طويلة حتى جاءته الرسالة، و لو وُجِد رجل آخر في عصره، و اجتهد في مسألة التأمل و البحث أكثر من سيدنا محمد لنزلت الرسالة عليه و لم تنزل على محمد.. بالتالي اختيار محمد كان نتيجة استعداده السابق لتلقي الوحي و كذلك الأمر بالنسبة لعلماء الفيزياء و الرياضيات هؤلاء نتيجة اجتهاد عجيب لم يستطع أحد غيرهم الوصول إليه.. سقط عليهم وحي الفيزياء و غيرها من العلوم ..

فلدينا اختصاصيين في هذه العلوم لا يعدون و لا يحصون، و لكن الإبداعات لم تنزل إلا على رؤوس الأقلة نتيجة اجتهادهم العجيب، فأفاض الله عليهم من وحيه، و من يتأمل سيرة العلماء يجد أنَّ أغلب الاكتشافات كانت تسقط على رؤوسهم في لحظة يكون فيها العقل غير مدرك تماماً، فيما يسمى لحظات الإلهام و هي نفس اللحظات التي كان يتلقى فيها الأنبياء الوحي من السَّماء ” وَ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم ” الشورى:51، فكلمة بشر الواردة في الآية كلمة عامة تشمل الأنبياء و غيرهم.. ” وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون ” المائدة:111.. ” وَ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخَافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين ” القصص:7 .. من يظن أنَّ علم الدين يقتصر على مسائل العقيدة و الفقه فهو مخطئ تماماً .. الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء و الأحياء .. إلخ كلها علوم دينية أيضاً .. لأنَّ الصانع لا يُعرَف إلا من خلال صنعته و الكون و المخلوقات الموجودة فيه لا يتم معرفتها إلا من خلال علوم الفيزياء و الفلك و الأحياء ..إلخ.. حتى الفن كالرسم هو علم رباني بحت.. ألست أنت كإنسان عبارة عن تحفة فنية مرسومة بيد فنان ماهر، كما أن هذه العلوم سلاح ذو حدين من الممكن استخدامها لأهداف نبيلة ، و من الممكن استخدامها لأهداف شيطانية، و كذلك الدين من الممكن استعماله في الإرشاد و النصح الحقيقي في سبيل نفع الإنسانية، و من الممكن استخدامه في النصب و التجارة بدين الله و أكل أموال النّاس بالباطل، و القرآن الكريم مليء بالآيات التي تدعو إلى البحث في هذه العلوم و استخراج أسرارها الدفينة لتصل من خلالها إلى الصَّانع العظيم
” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب ” آل عمران:190

” فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِق ” الطارق:5
” أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* و َإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَ إِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ و إلى الأرضِ كَيْفَ سُطِحَت ” الغاشية : 17-19

” أفلم ينظروا الى السّماء فوقهم كيف بنيناها و زيَّناها و مالها من فروج ” ق:6

” و َفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِين ” الذاريات:120

” قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير” العنكبوت :20
” إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ” البقرة:126
” إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ َبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَ الأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون ” البقرة:164
برأيي من يتعبد الله بهذه العلوم.. هذا أعظم ممن يتعبده بعلوم الدين التي ورثها كمقلد عن آبائه و أمهاته دون أن يتفكر و يتأمل بها، و لأن علوم الدين علوم إخبارية ليس عليها دليل حسي مادي.. بينما هذه العلوم في كل يوم تقدم لك دليلاً يبهر العقول و يجعلك في دهشة من عظمة الصانع، فتكون هذه العلوم هي الدعامة الرئيسية و المقوية لعلوم الدين الإخبارية، و أنت كشخص إذا وضعت في رأسك مجالاً معيناً و اجتهدت فيه لعشرات السنين.. ستتلقى وحي هذا العلم من الله .. لأنَّ كل ما يخطر في بالك من علوم.. هي موجودة عند الله و ليست بحاجة إلى اختراع، و إنما بحاجة إلى اجتهاد و بحث حتى يسقطها الله على رأسك، فعلى من يسمون أنفسهم علماء الدين أن يطوروا من خطابهم الدِّيني بما يتناسب مع المعنى الحقيقي الذي يريده رب العباد منه، و ألا يجعلونا مهزلة للأمم، فأنشتاين و مكسويل و اسحاق نيوتن لم يأتوا بشيء من عندهم، و لكن علينا ألَّا نبخس جهدهم العظيم، فالنَّظرية النسبية لم يكن لله أن يسقطها على رأس تاجر أقمشة.. باختصار شديد اجتهد في العلم يأتيك خبره من السماء
” كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَ هَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚوَ مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورا ” الإسراء:20
صدق الله العظيم

ــــــــــــــــــــــــــــ

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة


تعليقات الفيسبوك