تأملات حول الجنون: ما هو الجنون، ولماذا يُصاب الإنسان بالجنون ؟

تأملات حول الجنون: ما هو الجنون، ولماذا يُصاب الإنسان بالجنون ؟ – بقلم: خيال بعيد

ماهو الجنون ؟

لا يصاب بالجنون الا الانسان فقط دون سواه من الحيوانات وهذا يدل على أن الجنون يرجع الى العقل وهي خاصية الانسان التي تميزه عن باقي الحيوانات ولا يتصور حمار مجنون او قط مجنون .. وهاهنا بحث في معنى الجنون ثم في سبب حدوثه لشخص فأما معنى الجنون فتدركه لو علمت معنى العقل وأنه عبارة عن معاني مفردة مجردة مثل انسان وحيوان وكلب وجبل وحجر وحار وبارد ورطب وصغير وكبير وابيض واسود.. ثم العقل ينسب هذه المعاني الى بعضها البعض إما على هيئة صفة وموصوف او على هيئة سبب ومسبب مثل ان نقول (السكينة تقطع ) ومثل قولنا (الشمس مضيئة ) ومثل قولنا ( النار تسخن ) فالمجنون يفعل نفس هذا الفعل اي (يحمل معنى على معنى فيكون قد وصف شئ بشئ ) او (يربط وجود شئ بوجود غيره فيكون قد ادرك سبب ومسبب ) ..ولكن المجنون يفعل شئ عجيب وهو أنه يحمل معنى على معنى لا يمكن حمله عليه في تجربتنا وكذلك هو يربط اسباب بمسببات لا يمكن ربطها ببعض في التجربة التي يدركها الانسان العاقل ومثال ذلك ان يقول لك المجنون (البط يتكلم او البط يغازل الفتيات او السكينة تكتب في الورقة ) فإن هذا ( الحمل) وهذا (الربط السببي بين المعاني) لا يطابق تجربة الانسان العاقل فمعلوم ان السكينة تقطع ولا تكتب فإن قال قائل ان (السكينة تكتب) فقد نسب اليها وصفا لا يطابق تجربتنا ولذلك فنحن نظن جنونه الى ان نقطع بذلك بقول اّخر يقوله لأنه ربما انه يتكلم مجازيا فيقول مثلا (انني اقصد ان السكينة تكتب الألم في قلوب الناس ان استعملت في قتل احبائهم ) فهذا استعمال مجازي وهو مسموح به ومعقول أما إن لم يعني ذلك بل يعني نفس المعنى المفهوم عند اول السماع فهذا مجنون قطعا وانما نحن ننتظر ان يقول قولا اّخر حتى نقطع بجنونه.. وكذلك هناك جنون عملي وهو ان نرى لشخص غاية لا يطلبها أحد مثل ان نرى شخص يحضر سلم ليطلع عليه فتسأله لما تفعل ذلك ؟ فيقول لك انه ( يريد ان يربط هذا الحبل بالشمس حتى يعلق الزينة ) فهذا شخص يطلب مالا يطلبه عاقل ولذلك نصفه بأنه مجنون لأنه طلب مالا يطلبه العاقل ولذلك فأنت يمكنك ان تعلم المجنون من خلال نطقه اي قوله ومن خلال فعله ايضا —– وهنا نصل للسؤال الكبير وهو (لماذا يجن البشر ؟)

لماذا يجن الانسان ؟

في الحقيقة لا أدري ان كان للجنون اسباب بدنية أم لا ولكني متيقن من وجود اسباب عقلية واعني بالاسباب العقلية اي معارفنا المتعلقة بخير او شر او جمال او قبح فمجرد ادراكك لخير او شر او قبح او جمال هائل عظيم قد تؤدي بك الى الجنون وكذلك لو كنت تتوقع خير او شر في المسقبل فإن نفس هذا التوقع والفكر فيه قد يؤدي الى الجنون ومثال ذلك ان نتخيل رجل عاد الى منزله فوجد ان زوجته واطفاله الخمسة قد ماتوا بسبب طعام فيه سم فإن معرفة هذا الرجل بهذا الحدث والذي هو شر عظيم بالنسبة له قد تؤدي به الى الجنون وكذلك لو افترضنا شخص فقير ظهر له قريب متوفي ذو ثروة طائلة وعلم انه ورث منه مليار جنيه مثلا فإن هذه المعرفة المتعلقة بخير عظيم حصل عليه قد تقوده الى الجنون وفي الغالب يكون هذا الجنون لحظيا !! اما الفكر في خير او شر قد يحصلان في المستقبل فمن الممكن ان يقود كثرة الفكر في ذلك الى الجنون لأنه يفتح عليك باب الامكان وأنه يمكن ان يحدث كذا ويمكن الا يحدث كذا فتجد سيل من الافكار تنقدح في النفس بسرعة رهيبة كلها متعلقة بهذا الخير الممكن او الشر الممكن وكذلك من طالع شئ شديد الجمال دفعة فإنه قد يجن ومثال ذلك مطالعة النسوة لجمال سيدنا يوسف فأن هذه الرؤية للجميل الباهر في جماله تحدث في النفس لذة وبهجة قد لا يحتملها القلب وكذلك هناك نوع من الصوفية اسمهم البهاليل وهم مجانين الصوفية وهؤلاء قد طالعوا من الجمال والجلال الالهي امرا عظيما باهرا لم تحتمله عقولهم فزالت عقولهم وفي زوالها رحمة لهم لأنه لو ظلت عقولهم باقية لتفتت قلوبهم بسبب تللك اللذة العظيمة التي شعروا بها عند مطالعة الجمال والجلال الالهي بل ان الجنون يعتبر رحمة الهية للانسان الذي اشقاه عقله او ابهجه عقله فهناك بهجة او شقاء لو داما لانشق القلب انشقاقا وتهدمت اركان الروح وانهدت ركائز النفس ولذلك تتسارع الرحمة الالهية وقتها وتسلب عقل من تعرض لشئ من ذلك حفاظا على قلبه وروحه وليس هذا مقتصر على الصوفية فقط بل الانسان العادي الذي يتفكر في هموم الدنيا وشرور محتملة هو شخص قد اشقاه عقله وربما يزيد معدل الشقاء بدرجة لا تحتمل فيكون في سلب العقل رحمة من هذا الوجه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة




-->

تعليقات الفيسبوك