حوار مع الأديب الياباني “هاروكي موراكامي” (مترجم للعربية)

حوار مع الأديب الياباني “هاروكي موراكامي” (مترجم للعربية)

حاوره جون راي ( John Wray)

ونقل الحوار إلى العربية إبراهيم الفريح


لا يمكن فقط الزعم أنَّ هاروكي موراكامي هو الروائي الياباني الأكثر تجريبًا الذي تُرجمت أعماله إلى اللغة الإنجليزية، بل والأكثر شعبية أيضًا، بمبيعات بالملايين في جميع أنحاء العالم. تحتل رواياته الأعظم منطقة حدية بين الواقعية والخرافة، بين الجريمة والخيال العلمي: فروايته أرض العجائب المسلوقة ونهاية العالم (Hard-Boiled Wonderland and the End of the World)، على سبيل المثال، تُبرز بطل الرواية بعقلين حرفيًا، أما روايته وقائع طائر الزنبرك (The Wind-Up Bird Chronicle)، والتي ربما تكون أكثر أعماله شهرة خارج اليابان، فتبدأ بداية مملة -رجل يبحث عن زوجته المفقودة- ولكنها تتحول بهدوء إلى السرد الهجين الأغرب منذ رواية تريسترام شاندي (Tristram Shandy) للورنس ستيرن (Laurence Sterne). وعالم موراكامي عالم مجازي، مشيد من رموز مألوفة -منبع فارغ، ومدينة باطنية- ولكن معنى هذه الرموز يبقى مستغلقًا حتى النهاية. و على الرغم من تأثره  بالثقافة الشعبية (والثقافة الشعبية الأمريكية على وجه الخصوص)، فيمكن المجادلة بأنَّ مجمل أعماله هي الأكثر خصوصية.

 ولد موراكامي في عام 1949 في كيوتو (Kyoto)، عاصمة اليابان القديمة، لعائلة من الطبقة المتوسطة لها اهتمام راسخ بالثقافة الوطنية: كان والده مدرسًا للأدب الياباني، وأما جده فكان راهبًا بوذيًا. انتقلت عائلته إلى كوبي (Kobe) حين كان في الثانية من عمره، وكانت هذا المدينة المينائية الصاخبة، بتدفق الأجانب المستمر (وخصوصًا البحارة الأمريكيين) هي ما شكلت بوضوح مشاعره. وبرفضه الأدب، والفن، والموسيقى اليابانية في سن مبكرة، أصبح موراكامي أكثر تجانسًا شيئًا فشيئًا مع العالم خارج اليابان، عالم لم يعرفه إلا من خلال تسجيلات موسيقى الجاز، وأفلام هوليوود، والروايات الشعبية الأمريكية.

 نمّى موراكامي ميله لرواية ما بعد الحداثة حين كان طالبًا في طوكيو في أواخر الستينيات، حين يتابع بهدوء ولكن بتعاطف، وصول هذه الحركة الاحتجاجية إلى ذروتها. تزوج حين كان في الثالثة والعشرين، وقضى السنوات القليلة التالية من حياته مديرًا لنادي بيتر كات (Peter Cat)  للجاز (jazz) في طوكيو، حتى مَكّنه نشر روايته الأولى أن يتحمل مصاريف الكتابة. فازت روايته استمع لغناء الرياح (Hear the Wind Sing) -تُرجمت إلى الإنجليزية ولكنها غير متوفرة خارج اليابان بناء على رغبة المؤلف- بجائزة الأدب المرغوبة Gunzo وأكسبته بدايات جمهور من القراء. ونمت شهرته وشعبيته مع كل كتاب تلا ذلك، حتى نشرت أول رواية واقعية له في عام 1987، الغابة النرويجية (Norwegian Wood) التي حولته إلى نجم أدبي وأصبح فعليًا “صوتًا لجيله” -نسخة الثمانينيات اليابانية من ج. د. سالينغر. بيع من الكتاب أكثر من مليوني نسخة في اليابان وحدها، أي ما يعادل نسخة واحدة لكل أسرة في طوكيو.

 أصبح موراكامي منذ ذلك الحين مشهورًا غير راغبٍ في وطنه، يعيش في الخارج لسنوات أحيانًا من أجل تأمين قدر من المسافة عن صورته العامة. عاش في كل من أوروبا والولايات المتحدة؛ فقد كتب روايته وقائع طائر الزنبرك، على سبيل المثال، حين كان يُدرّس في جامعتي برنستون وتافتس. وعلى الرغم من أنه لم يعد أبدًا إلى الغنائية الواضحة كما في الغابة النرويجية، فإن رواياته ما زالت تقرأ على نطاق أوسع من أي وقت مضى -بيع من روايته كافكا على الشاطئ ثلاث آلاف نسخة في اليابان، ومن المقرر أن تُنشر باللغة الإنجليزية في وقت لاحق من هذا العام. وعالميًا، يُعد موراكامي الآن الروائي الياباني الأكثر مقروئية من أبناء جيله. وفاز تقريبًا بكل جائزة تعرضها اليابان، بما في ذلك أعظمها، جائزة يوميوري الأدبية (Yomiuri Literary Prize). وهو أيضًا مترجم نشط للغاية، حيث ترجم للقراء اليابانيين كتّابًأ متنوعين مثل ريموند كارفر (Raymond Carver)، تيم أوبراين (Tim O’Brien)، وسكوت فيتزجيرالد (F. Scott Fitzgerald) ، وكثير منهم يُترجم له لأول مرة.

يقع مكتب موراكامي قبالة الشارع الرئيسي لحي أوياما المزدحم بالدكاكين، والذي يعادل بالنسبة لطوكيو سوهو في مدينة نيويورك. المبنى قصير وذو شكل تاريخي، كما لو أنَّ التغير في الحي حدث دون إذن منه. يستأجر موراكامي جناحًا معتدل الحجم في الطابق السادس من المبنى، وغرفه تعطي كثيرًا الانطباع ذاته: خزانات خشبية طبيعية، وكراسي دوارة، ومكاتب مغطاة بالمايلر- أثاث مكتبي، باختصار. يبدو الديكور متناقضًا تناقضًا عميقًا مع مفهوم مُحْتَرف الكاتب، و لكنه في الوقت نفسه مناسب بطريقة أو بأخرى: شخصياته غالبًا ما تكون في مثل هذه البيئة اليومية عندما يومئ حلم العالم لهم لأول مرة. وكما اتضح، على الرغم من أنَّه يكت فيه ب أحيانًا، فإنَّ الوظيفة الرئيسية للمكتب تتمثل في كونه مركزًا لإنهاء أعمال موراكامي. دندنات الهواء صناعية مهذبة. ينسل باقتدار ما لا يقل عن اثنين من المساعدين بعناية وحذر مرتدين جوارب دون أحذية.

 طوال المقابلة التالية التي أُجريت فيما بعد ظهرين متوالين، فقد أظهر موراكامي استعدادًا للضحك غير متوافق مع هدوء المكتب. من الواضح أنَّه رجل مشغول وهو متحدث متردد، باعترافه شخصيًا ، ولكنّي وجدته مركزًا ومقبلًا حين بدأ الحديث الجدي. تحدث بطلاقة، ولكن بتوقف ممتد بين الجمل، مع حرصٍ شديدٍ على إعطاء الجواب الأكثر دقة ما أمكن. عندما يتحول الحديث إلى موسيقى الجاز أو إلى سباقات الماراثون، وهما مما شُغف بهما كثيرًا، فيمكن أن يخلط بسهولة بينه وبين رجل أصغر بعشرين عام، أو حتى فتى يبلغ من العمر خمسة عشر عاما.

جون راي: قرأت مؤخرًا أحدث مجموعاتك القصصية ما بعد الزلزال (After the Quake)، وأثار اهتمامي كيف أنّك مزجت بحرية بين الحكايات الواقعية، كما في أسلوب روايتك الغابة النرويجية (Norwegian Wood) -على سبيل المثال- مع غيرها من الأساليب التي تحمل الكثير من القواسم المشتركة مع  وقائع طائر الزنبرك أو أرض العجائب المسلوقة ونهاية العالم. هل ترى أنَّ هناك فرقًا جوهريًا بين هذين الشكلين؟

موراكامي: أسلوبي -أو ما أظنه أسلوبي- قريب جدًا من أرض العجائب المسلوقة. أنا شخصيًا لا أحب الأسلوب الواقعي، بل أفضل الأسلوب الأكثر سريالية. ولكنّي قررت في الغابة النرويجية أن أكتب رواية واقعية مئة في المئة. كنت محتاجًا لتلك التجربة.

هل تنظر لذلك الكتاب باعتباره تجريبًا في الأسلوب؟ أو كان لديك قصة محددة أردت قولها وكان الأسلوب الواقعي هو الأنسب لها؟

 كان يمكن ان أكون كاتب مذهب لو كنت بقيت على كتابة الروايات السريالية، ولكنّي أردت اقتحام الاتجاه السائد، لذلك كان علي أن أثبت قدرتي على كتابة الرواية الواقعية، وهذا ما دعاني لكتابة تلك الرواية. كانت من أكثر الكتاب مبيعًا في اليابان وكنت قد توقعت ذلك.

كان خيارًا استراتيجيًا إذن؟

 صحيح، من السهل جدًا قراءة الغابة النرويجية وفهمها. ولذلك أحبها كثير من الناس، مما جعلهم شغوفين بأعمالي الأخرى؛ وهذا ساعدني كثيرًا.

القراء اليابانيون مثل الأمريكيين إذن؟ يبحثون عن قصة سهلة

بيع من كتابي الأخير كافكا على الشاطئ (Kafka on the Shore) ثلاثمئة ألف نسخة، وهي في جزئين كما تعلم. تفاجأت من تلك المبيعات؛ فهذا ليس أمرًا معتادًا. فالقصة معقدة جدًا ويصعب متابعتها، ولكن أسلوبي سهل القراءة جدًا وسردي كذلك، وفي الرواية روح فكاهة، فهي مثيرة، ومشوقة. هناك نوع من التوازن السحري بين هذين العاملين. ربما هذا سبب آخر لنجاحي. ومع ذلك، فهو أمر لا يصدق. أنا أكتب رواية كل ثلاث أو أربع سنوات، والناس ينتظرون ذلك. حاورت مرة جون إيرفينغ (John Irving)، وقال لي أنَّ قراءة كتاب جيد هو تعاطٍ. حين يصبحون مدمنيين، فسيبقون دائمًا ينتظرون.

تريد أن تجعل قرّاءك مدمنيين؟

هذ ما قاله جون إيرفينغ

هذان العاملان: وضوح الصوت السردي وسهولة متابعته المقرونة بالحبكة المربكة هل هما اختيار واعٍ؟

لا، ليس كذلك. حين أشرع في الكتابة فليس عندي أي خطة على الإطلاق. فقط أنتظر القصة لتأتي. فأنا لا أحدد نوعية القصة أو ماذا سيحدث. فقط أنتظر. كانت الغابة النرويجية مختلفة لأنني كنت قد قررت أن أكتب بالأسلوب الواقعي . لكني في الأساس لا  أستطيع أن أحدد.

ولكن هل تختار الصوت الذي تُقال به؟ الصوت جامد المشاعر الذي يسهل متابعته؟ هل تختار ذلك؟

تتجمع لدي بعض الصور وأقوم بتوصيل جزء إلى آخر. هذا هو خط القصة. ثم أشرح ذلك للقارئ. ويجب أن تكون لطيفًا جدًا حين تشرح. فإذا إذا اعتقدت أنَّ الأمر واضح فهذا شيء متعجرف جدًا. الكلمات السهلة والاستعارات والرموز الجيدة. وهذا ما أفعل. فأنا أشرح بعناية فائقة وبشكل واضح.

وهل يأتي ذلك طبيعيًا؟

لست ذكيًا. ولست متغطرسًا. فأنا تمامًا مثل أولئك الذين يقرؤون كتبي. كانت أملك ناديًا للجاز، وكنت أُعد المشروبات وأُحضّر السندويتشات. لم أكن أريد أن أصبح كاتبًا، ولكن الأمر حدث. فهي نوع من الهبات من السماء، كما تعلم. لذلك أعتقد أنني يجب أن أكون متواضعًا جدًا.

كم كان عمرك حين أصبحت كاتبًا؟ وهل كان الأمر مفاجئًا؟

كان عمري 29 عامًا، ونعم تفاجأت لكني تعودت على الأمر بسرعة.

بسرعة؟ شعرت بالارتياح من اليوم الأول؟

بدأت بالكتابة في طاولة المطبخ بعد منتصف الليل، واستغرق الأمر مني عشرة أشهر لأنهي كتابي الأول. أرسلته للناشر وفزت بجائزة ما، كان كالحلم، تفاجأت من حدوثه، لكن بعد لحظة حسنًا الأمر حدث وأنا الآن كاتب، ولم لا؟ كان الأمر بهذه البساطة.

كيف كان شعور زوجتك حين قررت أن تبدأ الكتابة؟

لم تقل شيئًا على الإطلاق، وحين قلت لها أنا كاتب، كانت متفاجأة ومحرجة نوعًا ما.

ولماذا كانت محرجة؟ هل كانت تظن أنك لن تستطيع؟

أن تصبح كاتبًا هو نوع من البهرجة.

من كان قدوة لك؟ مَنْ مِن الكتاب اليابانيين أثّر عليك؟

لم أقرأ لكتاب يابانيين كثر عندما كنت طفلًا أو حتى في مراهقتي . كنت أود الهرب من هذه الثقافة،  شعرت بأنَّها مملة. شديدة التعقيد.

ألم يكن والدك مدرسًا للأدب الياباني؟

صحيح. ولذلك كان للعلاقة بين الأب وابنه دور أيضًا. اتجهت نحو الثقافة الغربية: موسيقى الجاز ودوستويفسكي وكافكا وريموند تشاندلر. كان هذا عالمي الخاص، عالم أحلامي. يمكن أن أذهب إلى سان بطرسبرغ أو غرب هوليوود إن أردت. هذا مكمن قوة الرواية- يمكنك أن تذهب إلى أي مكان. الآن من السهل أن تذهب إلى الولايات المتحدة – يمكن لأي أحد أن يذهب إلى أي مكان في العالم- ولكن في الستينايت كان من هذا المستحيل تقريبًا. ولذا فقد كنت أقرأ وأستمع إلى الموسيقى وأذهب إلى هناك. كانت نوعًا من الحالة الذهنية، مثل الحلم.

وهذا قادك للكتابة في مرحلة ما؟

بالضبط. فجأة بدأت بكتابة رواية عندما كنت في  التاسعة والعشرين، أردت أن أكتب شيئًا ولكن لم أكن أعرف كيف. لم أكن أعرف كيف أكتب باليابانية – تقريبًا لم أكن قد قرأت شيئًا من أعمال الكتاب اليابانييين- ولذلك استعرت الأسلوب، الهيكل، كل شيء، من الكتب التي  كنت قد قرأت -الكتب الأمريكية أو الغربية. ونتيجة لذلك، ابتكرت أسلوبي الخاص. ولذلك فقد كانت بداية.

نُشر كتابك الأول، فُزت بجائزة وكنت تقريبًا على الطريق. هل بدأت تلتقي مع كتاب آخرين؟

لا، إطلاقًا

هل كان لديك أي أصدقاء من الكتاب في ذلك الوقت؟

لا أحد.

وبمرور الوقت هل التقيت بأي أحد بحيث أصبح صديقًا أو زميلا؟

لا، إطلاقًا

ليس لديك أصدقاء من الكتاب حتى يومنا هذا؟

لا، لا أعتقد.

ألا يوجد أحد تريه عملك وهو في طور الكتابة؟

أبدًا.

ماذا عن زوجتك؟

حسنًا، أريتها مخطوطة روايتي الأولى ولكنها تزعم أنها لم تقرأها أبدًا! أظن أنه لم يكن لديها أي انطباع على الإطلاق.

لم تعجبها؟

لا، ولكن تلك كانت المسودة، وكانت فظيعة. أعدت الكتابة ثم أعدتها.

الآن عندما تعمل على كتاب هل تشعر زوجتك بأي فضول؟

هي قارئي الأول في كل مرة أكتب كتابًا، أعتمد عليها، هي مثل الشريك بالنسبة لي. مثل سكوت فيتزجيرالد الذي بالنسبة له، كانت زيلدا (Zelda) القارئ الأول.

إذن لم تشعر أبدًا بأنك كنت جزءًا من مجتمع كتَّاب في أي لحظة من حياتك المهنية؟

أنا منعزل،  لا أحب الجماعات والمدارس والأوساط الأدبية. دُعيت مرة لتناول الطعام عندما كنتُ في جامعة برنستون في مطعم صغير -أو شيء من هذا القبيل- كان ضمن الحضور جويس كارول أوتس (Joyce Carol Oates) وتوني موريسون (Morrison Toni)، وكنتُ خائفًا جدًا، لم أستطع أن آكل أي شيء على الإطلاق! وكانت ماري موريس (Mary Morris) حاضرة أيضًا، كانت لطيفة جدًا، وكنا متقاربين في السن ويمكنني القول أصبحنا أصدقاء. ولكن في اليابان ليس لدي أي صديق كاتب، لأنني أريد فقط أن أحظى… بمسافة.

كنت كتبت جزءًا كبيرًا من وقائع طائر الزنبرك في الولايات المتحدة، هل كان لعيشك هناك أي تأثير واضح على عملية الكتابة أو على النص نفسه؟

كنت أعيش في الولايات المتحدة باعتباري غريبًا طيلة الأربع سنوات التي كتبت فيها وقائع طائر الزنبرك. كان شعور “الغربة” يلاحقني دائمًا كالظل، وفعل الشيء ذاته لبطل الرواية. فكّر فيها، لو كنت قد كتبتها في اليابان لكانت رواية مختلفةً تمامًا.

غربتي عندما كنت أعيش في الولايات المتحدة مختلفة عن الغربة التي أشعر بها في اليابان. ففي الولايات المتحدة كانت أكثر وضوحًا ومباشرة، وأتاح ذلك لي أن أتعرف على نفسي تعرفًا أكثر وضوحًا. حيث كانت عملية كتابة هذه الرواية مماثلة لتعرية نفسي، بطريقة ما.

هل هناك أشخاص يكتبون الآن في اليابان؟ لمن من الكتاب تقرأ وتستمتع؟

نعم، بعضهم. ريو موراكامي (Ryu Murakami)، وأحب بعض كتب بنانا يوشيموتو (Banana Yoshimoto). ولكني لا  أكتب أي مراجعات أو نقد. أنا لا أريد أن أُقحم في ذلك.

لِمَ لا؟

أعتقد أنَّ مهمتي هي تأمل الناس والعالم، وليس الحكم عليهم. أتمنى دائمًا أن أضع نفسي بعيدًا عن ما يسمى الاستنتاجات. وأود أن أترك كل شيء مفتوحًا على مصراعيه لجميع الاحتمالات في العالم.

أُفضّل الترجمة على النقد، لأنه بالكاد يطلب منك الحكم على أي شيء عند الترجمة. وأنا مجرد أسمح بمرور عملي المفضل من خلال جسدي وعقلي سطرًا بسطر. نحن بالتأكيد بحاجة للنقد في هذا العالم، ولكنّه ليس عملي.

عودة إلى كتبك: كان السرد البوليسي الأميركي المسلوق بجلاء موردًا ثمينًا. متى تعرفت على هذا النوع ومن دلّك عليه؟

باعتباري طالب ثانوية، أحببت روايات الجريمة. كنت أعيش في كوبي وهي مدينة مينائية حيث اعتاد كثير من الأجانب والبحارة على المجيء وبيع كتبهم لمكتبات الكتب المستعملة. وعلى الرغم من كوني فقيرًا، فقد كنت استطيع شراء الكتب الرخيصة ذات الأغلفة الورقية. تعلمت قراءة اللغة الإنجليزية من هذه الكتب وكان ذلك مثيرًا جدًا.

ما أول كتاب قرأته بالإنجليزية؟

الاسم آرتشر (The Name Is Archer) لروس ماكدونالد (Ross MacDonald). تعلمت الكثير من الأشياء من تلك الكتب. فعندما بدأت، لم أستطع أن أتوقف. وفي الوقت نفسه أحببت أيضًا قراءة تولستوي ودوستويفسكي. كانت تلك الكتب أيضًا ممتعة جدًا. فرغم طولها البالغ، لم أستطع التوقف عن القراءة. فإذن بالنسبة لي كان دوستويفسكي وريموند تشاندلر متشابهين. وحتى الآن فإنّ الكتابة الروائية المثالية هي تلك التي تجمع دوستويفسكي وتشاندلر معًا في كتاب واحد. هذا هو هدفي.

في أي سن قرأت كافكا؟

عندما كنت في الخامسة عشرة. قرأت القلعة (The Castle) -كان ذلك كتابًا عظيمًا- والمحاكمة (The Trial).

هذا مثير للاهتمام. كلتا الروايتين لم تُكملا، وهذا بالطبع يعني أنَّهما بقيتا بلا حل. يبدو في رواياتك أيضًا -لا سيما الحديثة مثل وقائع طائر الزنبرك– مقاومة لحلٍ من النوع الذي ربما يتوقعه القارئ في كثير من الأحيان. هل يعود هذا بأي شكل من الأشكال إلى تأثير كافكا؟

ليس ذلك فحسب. أنت بالتأكيد قد قرأت لرايموند تشاندلر. كتبه لا تقدم خاتمة. ويمكنه القول: فلان هو القاتل، ولكن لا يهمني من فعلها. كان هناك حادثة مثيرة للاهتمام للغاية عندما قام هوارد هوكس (Howard Hawks) بتحويل النوم الكبير ( The Big Sleep) إلى فلم. لم يفهم هوكس من الذي قتل السائق، لذلك اتصل بتشاندلر وسأله، وكانت إجابة تشاندلر، لا يهمني! الأمر ذاته بالنسبة لي. الخاتمة لا تعني شيئًا على الإطلاق. لا يهمني من هو القاتل في الأخوة كارامازوف.

ومع هذا فالرغبة بمعرفة من قتل السائق هي جزء من مما جعل النوم الكبير رواية ممتعة.

أنا نفسي، حين أكتب لا أعرف مَن الفاعل. فأنا والقراء في الوضع ذاته. عندما أبدأ في كتابة قصة، فأنا لا أعرف الخاتمة إطلاقًا، بل ولا أعرف ماذا سيحدث بعد ذلك. إذا كان هناك قضية قتل في البداية، فأنا لا أعرف من القاتل. أكتب الرواية لأني أود أن أعرف مَنْ. إذا كنت تعرف من القاتل، فلا جدوى من كتابة القصة.

هل تشعر أيضًا بعدم الرغبة في شرح كتبك، شيء مشابه للحلم الذي يفقد قوته عندما يُحلّل؟

الجميل في كتابة الكتب هو إمكانية أن تحلم وأنت مستيقظ. فإن كان حلمًا حقيقيًا فلن تتمكن من السيطرة عليه. أما عندما تكتب كتابًا، فأنت مستيقظ، ويمكنك اختيار الوقت، والطول، وكل شيء. أكتب لأربع أو خمس ساعات في الصباح وعندما يحين الوقت، أتوقف. أستطيع الاستمرار في اليوم التالي. لو كان حلمًا حقيقيًا، فلن أستطيع.

قلت بأنك لا تعرف من القاتل حين تكتب، ولكن الاستثناء  المحتمل هو شخصية جوتاندا في رقص رقص رقص (Dance Dance Dance). هناك تراكم معين متعمد في تلك الرواية نحو اللحظة التي يُدلي فيها جوتاندا باعترافه، وهو يُقدّم لنا بوصفه آخر شخص مشتبه به، كما في الأسلوب الكلاسيكي لرواية الجريمة. ألم تكن تعرف مسبقًا أنَّ جوتاندا هو المُذنب؟

في المسودة الأولى لم أكن أعرف أنه كان جوتاندا، علمت فقط قرابة النهاية أو الثلث الأخير أو شيء من هذا القبيل. وعندما كتبت المسودة الثانية أعدت كتابة مشاهد جوتاندا عارفًا بأنه هو القاتل.

هل هذا أحد الأهداف الرئيسية للمراجعة، أن تأخذ ما عَلِمته من المسودة الأولى ثم تُعيد صياغة الأجزاء السابقة لإعطاء شعور معين بالحتمية؟

صحيح. المسودة الأولى فوضوية. ولذا فأنا أراجع وأنقح.

كم عدد مسوداتك عادة؟

أربع أو خمس. أقضي ستة أشهر في كتابة المسودة الأولى، ثم أمضي سبعة أشهر أو ثمانية في إعادة الكتابة.

هذا سريع إلى حد ما.

أنا أعمل بجد. وأركز على عملي بشدة. ولذا يصبح سهلًا ، كما تعلم. وحين أكتب؛ فأنا لا أفعل أي شيء آخر سوى كتابة الأدب.

كيف هو يوم عملك عادة؟

حين أكون في وضع كتابة رواية، فأنا أستيقظ الساعة الرابعة صباحًا وأعمل لخمس إلى ست ساعات. في فترة ما بعد الظهر، أجري لمسافة عشرة كيلومترات أو أسبح لألف وخمسمئة متر (أو أفعلهما جميعا)، ثم أقرأ قليلًا وأستمع إلى شيء من الموسيقى. أذهب إلى الفراش في التاسعة مساءً وأظل على هذا الروتين كل يوم دون تغيير. يصبح التكرار نفسه هو الأمر المهم؛ فهو شكل من أشكال التنويم الإيحائي. أُنوم نفسي إيحائيًا لأصل إلى أعمق حالة ذهنية. ولكن يتطلب الالتزام بمثل هذا التكرار لمدة طويلة -ستة أشهر إلى سنة- قدرًا كبيرًا من القوة العقلية والبدنية. وهنا تصبح كتابة رواية طويلة بمثابة تدريب على البقاء على قيد الحياة. فالقوة البدنية ضرورية مثلها مثل الحساسية الفنية.

وددت أن أسأل عن شخصياتك، إلى أي مدى يصبحون شخصيات حقيقية وأنت تعمل؟ وهل من المهم أن يكون لديهم حياة مستقلة عن السرد؟

أحب تأمل الأشخاص الحقيقيين في حياتي حين أبتكر الشخصيات في كتبي. فأنا لا أحب أن أكثر الكلام؛ بل يستهويني الاستماع إلى قصص الآخرين. لا أقرر أي نوع من الناس هم؛ بل أحاول فقط أن أفكر فيما يشعرون، وإلى أين هم ذاهبون. أجمع بعض العناصر منه، وأخرى منها. لا أدري إن كان ذلك “واقعيًا” أو “غير واقعي” ولكن بالنسبة لي، فشخصياتي أكثر واقعية من الشخصيات الحقيقية. فهي داخلي في تلك الستة أشهر أو السبعة التي أكتب فيها. وهي نوع من الكون المتناغم.

كثيرًا ما يظهر أبطالك مبرزين لوجهة نظرك في عالم سردك العجائبي- فالحالم في حلم.

أرجو أن تفكر فيها بهذه الطريقة: لدي شقيق توأم. وحين كنت في الثانية عشرة من عمري، اُختطف أحدنا، الآخر. واقتيد إلى مكان بعيد ولم نرَ بعضنا منذ ذلك الحين. أعتقد أنَّ بطلي هو ذلك المفقود. جزء مني، ولكنه ليس أنا، ونحن لم نر بعضنا لفترة طويلة. فهو شكل آخر لنفسي. حمضنا النووي واحد، ولكن بيئتنا كانت مختلفة. ولذا فطريقة تفكيرنا ستكون مختلفة. وكنت أجرّب شيئًا مختلفا في كل مرة كنت أكتب كتابًا. لأني أشعر بالملل من نفسي أحيانًا. وبهذه الطريقة أستطيع الهرب. فهو خيال. وإذا لم تملك الخيال، فما الفائدة من كتابة كتاب؟

سؤال آخر عن أرض العجائب المسلوقة.  تحوي الرواية تجانسًا معينًا، وشكلًا منهجيًا معينا، وأيضًا هناك شعور بالحل مما يميزها عن كتبك اللاحقة مثل وقائع طائر الزنبرك، على سبيل المثال. هل تغيرت أفكارك حول وظيفة الهيكل وأهميته في في مرحلة ما؟

نعم. لم تُنشر أول روايتين لي خارج اليابان. ولم أكن أريدهما أن يُنشرا. فهي أعمال غير ناضجة -كما أعتقد – وهما صغيرتان جدا. كانتا واهيتين، هذه هي الكلمة الصحيحة.

ما أوجه القصور فيهما؟

ما كنت أحاول القيام به في كتابي الأولين كان محاولة تفكيك الرواية اليابانية التقليدية. وأعني بتفكيك إزالة كل شيء في الداخل، بحيث لا يبقى سوى الهيكل. ثم كان ينبغي أن أعبئ الهيكل بشيءٍ جديد وأصيل. ولم اعرف كيف افعل هذا إلا بعد كتابي الثالث مطاردة الخراف البرية (A Wild Sheep Chase) في عام 1982. ولكن الروايتين الأوليين كانتا مفيدتين في عملية التعلم -لا أكثر من ذلك. ولذا فأنا أعدمطاردة الخراف البرية هي البداية الحقيقية لأسلوبي.

وأصبحت كتبي منذ ذلك الحين أكبر وأكبر، وغدت هياكلها أكثر تعقيدًا. وفي كل مرة أكتب كتابًا جديدًا أميل إلى تقويض الهيكل السابق، لأبتكر شيئًا جديدًا. ودائمًا أضع موضوعًا جديدًا، أو قيدًا جديدًا، أو رؤية جديدة في الكتاب الجديد. وأنا دائما واعٍ بالهيكل. إذا غيرت الهيكل، فلا بد لي من تغيير أسلوبي الكتابي ولابد أن أغير الشخصيات وفقًا لذلك. لو فعلت الشيء  ذاته في كل مرة لأصبح الأمر متعبًا. سأشعر بالملل.

وحتى الآن رغم أنَّ بعض عناصر كتابتك قد تغيرت، فقد بقيت أخرى. فرواياتك تُقال دائمًا باستخدام ضمير المتكلم. ونجد في كل واحدة منها رجلًا يدور بين مجموعة متنوعة من العلاقات المشحونة بالجنس مع النساء، وهو عادة سلبي تجاههم، بحيث يبدون تمظهرًا لمخاوفه وأوهامه.

المرأة هي وسيطة في كتبي وقصصي، بمعنى من المعاني، ووظيفة الوسيط هو أن يجعل شيئًا ما يحدث من خلاله. فهو نوع من النظام الذي يمكن تجربته. وبطل الرواية يُقاد دائمًا إلى مكان ما من خلال هذا الوسيط، والرؤى التي يراها ترده منها.

واسطة بالمعنى الفيكتوري؟ واسطة نفسية؟

أعتقد أن الجنس هو فعل. . . نوع من الالتزام الروحي. إذا كان الجنس جيدًا، فسوف يبرأ جرحك، وسينتعش خيالك. فهو نوع من المرور إلى المنطقة العلوية، إلى مكان أفضل. وبهذا المعنى، فالنساء في رواياتي هن وسيطات – طلائع العالم المقبل. ولهذا السبب فهن دائمًا يأتين إلى بطل الرواية. وهو لا يذهب لهن.

يبدو أنَّ هناك نوعين مختلفين من النساء في رواياتك: أولئك اللاتي لبطل الرواية علاقة جدية أساسية معهن -وغالبًا ما تختفي وتبقى ذكراها ملازمة له-  والنوع الأخر من النساء هن أولئك اللاتي يأتين في وقت لاحق لمساعدة البطل في بحثه أو على العكس يساعدنه على النسيان. تميل المرأة من هذا النوع الثاني من النساء إلى الجرأة، وغرابة الأطوار، والصراحة الجنسية، ويتفاعل بطل الرواية معها بطريقة أكثر دفئًا وأكثر ظرافة مما كان مع المرأة المفقودة، التي لم يكن على تواصل تام معها. ما الغرض الذي يؤديه هذان النموذجان؟

بطل رواياتي عالق دائمًا تقريبًا بين العالم الروحي والعالم الحقيقي. في العالم الروحي النساء -أو الرجال- هادئات، ذكيات، متواضعات. حكيمات. أما في العالم الواقعي، فهن كما قلت، نشيطات جدًا، فكاهيات، إيجابيات. ولديهم روح دعابة. وعقل بطل الرواية منقسم بين هذين العالمين المختلفين تمامًا ولا يستطيع أن يقرر أيهما يختار. أعتقد أن هذه إحدى الأفكار الرئيسية في أعمالي. فهي واضحة جدًا في أرض العجائب المسلوقة، والتي عقل البطل فيها منقسم جسًديا. وكذلك في الغابة النرويجية، كان هناك فتاتان وهو غير قادر على الاختيار بينهما، من البداية إلى النهاية.

أتعاطف دائمًا مع الفتاة خفيفة الظل. حيث يسهل إدخال القارئ إلى علاقة تقوم على الفكاهة. في حين يصعب جذب القارئ من خلال وصفٍ جادٍ لعلاقة غرامية. كنتُ متعاطفًا مع ميدوري في الغابة النرويجية على طول الخط.

أعتقد أن معظم القراء سيقولون الشيء ذاته. سيختار معظمهم ميدوري. وبالطبع، فإنَّ بطل الرواية اختارها في نهاية المطاف. ولكنَّ جزءًا منه ظلَّ دائمًا في العالم الآخر ولم يستطع التخلي عنه. فهو جزء منه، بل وجزء أساسي. الجميع لديهم مرض في عقولهم. وهذا الحيز جزء منهم. لدينا جزء عاقل من عقولنا وجزء مجنون. ونحن نتداول بين هذين الجزئين. هذا هو اعتقادي. أستطيع أن أرى الجزء المجنون من عقلي بشكل جيد وخاصة حينما أكتب- مجنون ليست الكلمة الصحيحة. ربما غير معتاد، غير واقعي. وبطبيعة الحال، فلا بد لي من العودة إلى العالم الحقيقي، وأخذ الجزء العاقل. ولكنّي لن أكون هنا لو لم أملك الجزء المجنون، الجزء لمريض. وبعبارة أخرى، فإنَّ بطل الرواية يعتمد على الامرأتين. وبدونهما، فلن يمكنه الاستمرار. وبهذا المعنى، فإنَّ الغابة النرويجية هي مثال واضح جدًا لما أفعل.

وبناءً على ذلك فإنَّ شخصية ريكو في الغابة النرويجية مثيرة للاهتمام. فأنا لا أعرف تمامًا أين أضعها. حيث يبدو أنَّ لها وجود في كلا العالمين.

لديها نصف عقل عاقل والنصف الأخر مجنون. فهي قناع يوناني: إذا نظرت لها من جانب، فهي مأساوية. وإذا نظرت لها من الجانب الآخر، فهي فكاهية. وهي بهذا المعنى، رمزية جدًا. تستهويني هذه الشخصية كثيرًا. كنت سعيدًا حين كتبتها.

هل تشعر شخصيًا بمزيد من المودة نحو شخصياتك الفكاهية – ميدورِس وماي كاساهارا – أكثر من ناوكو ؟

تستهويني كتابة الحوار الفكاهي. فهو ممتع. ولكن لو كانت كل شخصياتي فكاهية فسيصبح الأمر مملًا. تلك الشخصيات الفكاهية هي في رأيي نوع من التثبيت لذهني. فروح الدعابة هي شيء مستقر للغاية. عليك أن تكون هادئًا لتكون فكاهيًا. حين تكون جادًا، فيمكن أن تصبح مضطربًا. وهذه هي مشكلة الجدية. ولكن حين تكون هازلًا، تصبح مستقرا. ولكن لا يمكنك خوض الحرب مبتسما.

عدد قليل من الروائيين من أعادوا كتابة هواجسهم كتابة قهرية، كما فعلت أنت. حيث تتطلب أرض العجائب المسلوقة، رقص رقص رقص، وقائع طائر الزنبرك، وسبوتنيك الحبيبة أن تُقرأ باعتبارها تشكيلات حول موضوع واحد: رجل تُخلي عنه، أو فقد بغيته، وتجذبه عدم قدرته على نسيانها إلى عالمٍ موازٍ يظهر من خلاله إمكانية استعادته لما فقده، احتمال لا يمكن ابدًا أنَّ تقدمه الحياة، كما يعرف هو (والقارئ). هل تتفق مع هذا التوصيف؟

نعم فعلًا.

ما مدى أهمية هذا الهاجس لأعمالك القصصية؟

لا أعرف لماذا أستمر في كتابة تلك الأشياء. أجد في أعمال جون إيرفينغ، أنَّ هناك شخصًا فاقدًا لجزءٍ من جسده في كل كتاب له. أنا لا أعرف لماذا يستمر في الكتابة عن تلك الأجزاء المفقودة. وربما هو نفسه لا يعرف.  الأمر كذلك بالنسبة لي. بطل روايتي يفقد شيئًا دائمًا، ثم يبحث عن هذا الشيء المفقود. هي مثل الكأس المقدسة (Holy Grail)، أو فيليب مارلو (Philip Marlowe).

لا يمكن أن يوجد المخبر إلا إذا فُقد شيء.

صحيح. حين يفقد بطلي شيئًا، فلابد له أن يبحث عنه. هو مثل أوديسيوس (Odysseus). يواجه الكثير من الأشياء الغريبة في سياق بحثه…

في سياق محاولة العودة إلى الوطن.

يجب عليه أن ينجو من تلك التجارب، وفي النهاية يجد ما كان يبحث عنه. ولكنه ليس متأكدًا أنه الشيء نفسه. أعتقد أنَّ هذه هي الفكرة الرئيسية في كتبي. من أين تأتي تلك الأشياء؟ أنا لا أعلم. وهي تناسبني. فهي القوة الدافعة لقصصي: الفقد والبحث والعثور. وخيبة الأمل هي نوع من الوعي الجديد بالعالم.

خيبة الأمل بمثابة طقس العبور؟

صحيح. التجربة في حد ذاتها معنى. تغير بطل الرواية في سياق تجربته، هذا هو الشيء الرئيسي. ليس ما وجد، ولكن كيف تغير.

أردت أن أسأل عن عملية ترجمة كتبك. نظرًا لكونك شخصيًا مترجما، فلابد أنك على علم بالمخاطر التي تنطوي عليها الترجمة. كيف اخترت مترجميك؟

لدي ثلاثة مترجمين ألفريد بيرنبوم (Alfred Birnbaum)، فيليب غابرييل (Philip Gabriel)، جاي روبن (Jay Rubin).  والقانون “من يأتِ أولًا، ينلْ أولا”. ونحن أصدقاء، ولذا فهم صادقون جدًا. يقرؤون كتبي، ويخطر لأحدهم، أنَّ هذا عمل عظيم! أود أن أترجمه. وحينها يأخذه. باعتباري مترجمًا ، فأنا أعرف بأنَّ الحماس هو الجزء الرئيسي من الترجمة الجيدة. اذا كان هناك مترجم جيد، ولكنه لم يحب الكتاب كثيرًا، فتلك هي نهاية القصة. الترجمة عمل شاق جدًا، ويستغرق وقتًا.

ألا يختلف المترجمون فيما بينهم؟

لا. لديهم ما يفضلونه. وهم أشخاص مختلفون، بشخصيات مختلفة. وفيما يتعلق بكافكا على الشاطئ، فإن فيل أحبها وأخذها. ولم يكن جاي متحمسًا لها. فيل متواضع جدًا، ولطيف، وجاي مدقق جدًا، ومترجم دقيق. شخصيته قوية. ألفريد بوهيمي نوعًا ما. لا أعرف أين هو الآن. هو متزوج امرأة من ميانمار، وهي ناشطة. تقبض عليهم الحكومة في بعض الأحيان. فهو شخص من ذلك النوع. وهو متحرر في ترجمته. يغير في الكتابة في بعض الأحيان. هذا هو أسلوبه.

كيف تتعاون مع مترجميك؟ كيف تتم عملية الترجمة، بالضبط؟

يسألونني عن أشياء كثيرة حين يترجمون، وأقرأ المسودة الأولى عندما تُنجز. أعطيهم أحيانًا بعض الاقتراحات. النسخة الإنجليزية من كتبي مهمة جدًا. ففي البلدان الصغيرة، مثل كرواتيا أو سلوفينيا، يترجمون من اللغة الإنجليزية، وليس اليابانية. ولذلك يجب أن تكون دقيقة جدًا. ولكن في معظم البلدان، فإنهم يترجمون النص الياباني الأصلي.

يبدو أنك نفسك تفضل الترجمة للكتاب الواقعيين -كارفر (Carver)، فيتزجيرالد (Fitzgerald)، إيرفينغ (Irving). هل يعكس هذا ذوقك بوصفك قارئًا، أم أنها مفيدة لكتاباتك من حيث أنك تنغمس في شيء مختلف ًجدا؟

كل الذين ترجمت لهم كتبوا شيئًا تعلمت منه. هذا هو الأمر الرئيسي. أتعلم الكثير من الكتاب الواقعيين. فعملهم يتطلب قراءة وثيقة جدًا حتى يمكن ترجمته، وبهذا أستطيع أن أرى أسرارهم. سيحدث تصادم لو ترجمت لكتّاب ما بعد الحداثة مثل دون ديليلو (Don DeLillo)، جون بارث (John Barth)، أو توماس بينشون (Thomas Pynchon)- جنوني في مقابل جنونهم. أنا معجب بأعمالهم، بطبيعة الحال، ولكنّي حين أترجم، فأنا أختار الكتاب الواقعيين.

يُنظر إلى كتاباتك غالبًا باعتبارها أكثر الأدب الياباني انفتاحًا بالنسبة للقراء الأمريكيين، لدرجة أن تُوصف بأنَّك أكثر المؤلفين اليابانيين المعاصرين غربية. كنت أتساءل كيف ترى علاقتك مع الثقافة اليابانية.

لا أريد أن أكتب عن الأجانب في البلدان الأجنبية. أود أن أكتب عنّا. أريد أن أكتب عن اليابان، وعن حياتنا هنا. هذا أمر مهم بالنسبة لي. يقول لي كثير من الناس: إن أسلوبي يسير بالنسبة للغربيين. ربما يكون ذلك صحيحًا، ولكن قصصي هي ملكي، وأرى بأنها ليست غربية.

كثير من الإشارات تبدو غربية حتى بالنسبة للأميركيين، البيتلز، على سبيل المثال، هي جزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي الياباني أيضًا.

حينما أكتب عن أناس يأكلون هامبرغر في ماكدونالدز، سيتساءل الأمريكيون، لِمَ هذه الشخصية تأكل هامبرغر بدلًا من التوفو؟ ولكن أكل الهامبرغر طبيعي جدًا بالنسبة لنا، هو أمر يحدث يوميًا.

هل يمكن أن تقول أنَّ رواياتك تصور الحياة اليابانية المدنية المعاصرة بدقة؟

الطريقة التي يتصرف بها الناس، والتي يتحدثون بها، وردات فعلهم، وطريقة تفكيرهم، هي يابانية للغاية. تقريبًا لا يوجد قارئ ياباني شكا من أنَّ  قصصي مختلفة عن حياتنا. أحاول أن أكتب عن اليابانيين. أريد أن أكتب حول ما نحن عليه، إلى أين نحن ذاهبون، لماذا نحن هنا. هذا هو موضوعي، كما اعتقد.

قلت في موضع آخر، مشيرًا إلى وقائع طائر الزنبرك، بأنَّك كنت مهتما بوالدك، بما حدث له، وما حدث لجيله بأكمله؛ ولكن لا توجد شخصية والد في الرواية، أو حتى في أي من قصصك. أين يظهر هذا الاهتمام في الرواية نفسها؟

تقريبًا كل رواياتي كُتبت بضمير المتكلم. والمهمة الرئيسية لبطل الرواية هي مراقبة الأشياء التي تحدث حوله. فهو يرى ما يجب أن يراه، أو ما يفترض أن يراه، في الوقت الفعلي. وهو -إن جاز القول- يشبه نِك كاراواي  في غاتسبي العظيم (The Great Gatsby). فهو محايد، ومن أجل الحفاظ على حياده، فلا بد له أن يتحرر من أي قرابة، أي اتصال بنظام الأسرة العمودي.

قد يعتبر هذا ردي على حقيقة أنَّ “الأسرة” لعبت بمبالغة دورًا كبيرًا في الأدب الياباني التقليدي. كنت أرغب أن أصوّر شخصيتي الرئيسية باعتبارها مستقلة ومطلقة الفردية. ولمكانته باعتباره ساكنًا مدنيًا دور كذلك. فهو نوع من الرجال الذين يفضلون الحرية والعزلة على العلاقة الحميمة والروابط الشخصية.

عندما كنتُ أقرأ قصة الضفدع العظيم ينقذ طوكيو (Super-Frog Saves Tokyo) في أحدث مجموعاتك القصصية، والتي تعيش فيها دودة جوفية ضخمة تحت أعماق طوكيو وتهدد بتدميرها، لم أستطع  أن لا أفكر في المانجا ]القصص المصورة[، أو أفلام الوحوش اليابانية القديمة. ثم هناك أيضًا الأسطورة التقليدية لسمك السلور العملاق النائم في خليج طوكيو، والذي -وفقًا للأسطورة- يستيقظ مرة واحدة كل خمسين عامًا ويتسبب في زلزال. هل لهذه الروابط  أي معنى عندك؟ وماذا عن المانجا، على سبيل المثال؟ هل لها صلة بعملك؟

لا، لا أعتقد ذلك. أنا لست محبًا كبيرًا لمجلات المانجا. ولم أتأثر بتلك الأشياء.

ماذا عن الفولكلور الياباني؟

قيل لي العديد من الحكايات الشعبية اليابانية والقصص القديمة حين كنت طفلًا. وهذه القصص مهمة في مرحلة النشأة. شخصية الضفدع العظيم، على سبيل المثال، ربما أتت من هذا المخزون القصصي. فأنت لديك مخزونك من الفولكلور الأمريكي، وللألمان، والروس كذلك. ولكن هناك أيضا مخزون مشترك يمكن أن نستقي منه جميعا: الأمير الصغير (The Little Prince)، ماكدونالدز (McDonald’s)، أو البيتلز (Beatles).

مخزون الثقافة العالمية.

القصص مهمة جدًا في كتابة الكتب في أيامنا هذه. لا تهمني النظريات. ولا تهمني المفردات. المهم هو ما إذا كان السرد جيدًا أم لا. لدينا نوع جديد من الفولكلور، نتيجة لعالم الإنترنت. هو نوع مجازي. لقد رأيت ذلك الفلم، ذا ماتريكس، هو حكاية شعبية للعقل المعاصر. ولكن الجميع هنا قال بإنها مملة.

هل رأيت فيلم الأنيمي المختطف (Spirited Away) لهاياو ميازاكي ؟ يبدو لي أنَّ هناك بعض أوجه التشابه مع كتبك، من حيث معالجته لمواد شعبية بطرق معاصرة. هل تستمتع بأفلامه؟

لا، أنا لا أحب أفلام الرسوم المتحركة. رأيت فقط جزءًا صغيرًا من هذا الفيلم، ولكن هذا ليس أسلوبي. أنا لست مهتمًا بهذا النوع من الأمور. حين أكتب كتبي،  فأنا أحصل على صورة، وتلك الصورة قوية جدًا.

هل تذهب الى السينما كثيرًا؟

أوه، نعم. دائمًا. مخرجي المفضل هو الفنلندي-آكي كوريسماكي (Aki Kaurismäki). أحببت كل أفلامه. فهو خارج عن المألوف بشكل كبير.

ومضحك؟

مضحك للغاية.

قلت في وقت سابق أنَّ الفكاهة تثبيت. هل هي أيضًا مفيدة بطرق أخرى؟

أود أن يضحك قرائي في بعض الأحيان. فالعديد من منهم في اليابان يقرؤون كتبي على متن القطار خلال تنقلهم من العمل وإليه. حيث يمضي الموظف متوسط الدخل ساعتين في التنقل يوميًا، ويقضي تلك الساعات في القراءة. وهذ هو سبب طباعة كتبي الكبيرة في جزئين: حيث ستكون ثقيلة جدًا لو طُبعت في جزء واحد. يكتب لي بعض الناس رسائل، يشتكون فيها من أنهم يضحكون حين يقرؤون كتبي في القطار! أمر محرج للغاية بالنسبة لهم. تلك رسائلي المفضلة. أمر جيد أن أعلم أنهم يضحكون حين يقرؤون كتبي. أحب أن أجعل الناس يضحكون كل عشر صفحات.

هل هذه وصفتك السحرية؟

أنا لا أحسب. ولكنه سيكون أمرًا جيدًا لو استطعت. كنت أحب القراءة لكورت فونيغوت (Kurt Vonnegut) وريتشارد بروتيجان (Richard Brautigan) حين كنت طالبًا جامعيًا. كانت لديهم روح دعابة، وفي الوقت ذاته كانوا يكتبون عن  قضايا جدية. يستهويني هذا النوع من الكتب. حين قرأت فونيغوت وبروتيجان لأول مرة صدمت لوجود مثل هذه النوعية من الكتب! كان الأمر مثل اكتشاف العالم الجديد.

ولكن هذا لم يغرك لكتابة شيء في هذا السياق؟

أعتقد أنَّ هذا العالم نفسه وهذه الحياة المتمدنة هي نوع من الكوميديا. التلفزيونات بخمسين  قناة، وأولئك الأغبياء في الحكومة هم نوع من الكوميديا. ولذلك فإنني أحاول أن أكون جادًا، ولكنّي حين أحاول أكثر، يصبح الأمر أكثر إضحاكًا. كنَّا جادين جدًا حين كنت في التاسعة عشرة، في عامي 1968 و1969. كان مرحلة حرجة، وكان الناس مثاليين جدًا.

من المثير للاهتمام أنَّ الغابة النرويجية التي كانت في تلك المرحلة كانت ربما الأقل فكاهة بين كتبك.

كان جيلنا جيلًا جادًا بهذا المعنى. ولكن إذا نظرنا إلى الوراء إلى تلك الأيام، فإنها كانت فكاهية جدًا! كانت مرحلة غامضة. ولذا فإننا-أعني جيلي- معتادين عليها، كما أظن.

إحدى القواعد الأساسية للواقعية السحرية هي أن لا تلفت الانتباه إلى العناصر العجائبية في القصة. ومع هذا، فأنت تجاهلت هذه القاعدة: فشخصياتك كثيرًا ما يُعلّقون على غرابة القصة، بل ويلفتون انتباه القارئ إلى ذلك. ما الهدف من هذا؟ ولماذا؟

هذا سؤال مثير جدًا للاهتمام. أود أن أفكر فيه… حسنًا، أعتقد بأنها ملاحظتي الصادقة لمدى غرابة العالم. وأبطالي يشعرون بما أشعر به حين أكتب، وهو أيضًا ما يشعر به القراء حين يقرؤون. ما يكتبه كافكا أو غارسيا ماركيز، هو أقرب للأدب، بالمعنى التقليدي. قصصي أكثر واقعية، وأكثر معاصرة، وأقرب لتجربة ما بعد الحداثة. فكّر في الأمر وكأنه تصوير فلم، حيث كل شيء مزيف -كل الدعائم، والكتب على الجدار، والرفوف-. الجدران مصنوعة من الورق. وفي هذا النوع الكلاسيكي من الواقعية السحرية، فإنَّ الجدران والكتب حقيقية. إذا كان هناك شيء مزيف في أدبي القصصي فأحب أن أقول عنه: إنه مزيف. لا أريد أن أتصرف وكما لو أنه حقيقية.

إذا تابعنا تشبيه تصوير الفلم، ربما أنَّ سحب الكاميرا للخلف يهدف لعرض طرق عمل الاستوديو؟

لا أريد أن أقنع القارئ أنَّ هذا شيء حقيقي. أود أن أظهره كما هو. فأنا أقول لهؤلاء القراء إنها مجرد قصة- فهي وهمية. ولكن عند تجربة الوهمي كما لو كان حقيقية، فإنه يمكن أن يصبح حقيقيًا. ليس من السهل أن أشرح.

قدَّم الكتَّاب في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الشيء الحقيقي. كانت تلك مهمتهم. يصف تولستوي في الحرب والسلام ساحة المعركة بشكل وثيق لدرجة أن يعتقد القراء أن هذا هو الشيء الحقيقي. ولكنّي لا أفعل ذلك. أنا لا أتظاهر بأنَّ هذا هو الشيء الحقيقي. نحن نعيش في عالم وهمي. نشاهد نشرات الأخبار المسائية الوهمية. نخوض حروبًا وهمية. حكومتنا وهمية. ولكننا نجد الحقيقة في هذا العالم الوهمي. ولذا فقصصنا هي كذلك. نسير في مشاهد وهمية، ولكن مشينا خلال هذه المشاهد أمر حقيقي. الوضع حقيقي، بمعنى أنه التزام، بأنّه علاقة حقيقية. هذا ما أريد أن أكتب عنه.

تعود في كتاباتك إلى التفاصيل العادية مرارا وتكرار.

تستهويني التفاصيل كثيرًا. أراد تولستوي أن يكتب الوصف الكلي، أما وصفي فيركز على منطقة صغيرة جدًا. عند تصف تفاصيل الأشياء الصغيرة، فإنَّ تركيزك يصبح أقرب فأقرب، ويحدث الأمر المعاكس لتولستوي – تصبح غير واقعية أكثر. هذا ما أريد أن أفعل.

أن تجعل التركيز أقرب بحيث تمر عبر منطقة الواقعية، فيصبح اليومي والعادي غريبًا مرة أخرى؟

بقدر ما تقترب، تصبح أقل واقعية. هذا هو أسلوبي.

وفي وقت سابق ذكرت غارسيا ماركيز وكافكا باعتبارهم كتاب أدب، وبالنسبة لأعمالك،  ألا تعد نفسك كاتبًا للأدب؟

أنا كاتب أدب معاصر، وهو أمر مختلف جدًا. في الوقت الذي كان يكتب فيه كافكا، كان هناك الموسيقى، والكتب، والمسرح فقط، أما الآن فلدينا الإنترنت، والأفلام، واستئجار أشرطة الفيديو، وأشياء أخرى كثيرة جدًا. منافسونا كُثر الأن. والمشكلة الرئيسية هي الوقت: ففي القرن التاسع عشر، كان الناس -وأنا هنا أتحدث عن الفئة المرفهة- يقضون الكثير من الوقت في قراءة الكتب الضخمة. يذهبون إلى الأوبرا ويجلسون لثلاث أو أربع ساعات. ولكن الجميع الآن مشغولون للغاية، وليس هناك فئة مرفهة حقيقية. من الجيد أن تقرأ موبي ديك أو دوستويفسكي، ولكن الناس مشغولون جدًا الآن. ولذا فإنَّ الأدب القصصي نفسه تغير تغيرًا كبيرا -فلابد أن نمسك الناس من رقابهم ونسحبهم . يستخدم كتاب السرد المعاصر تقنيات الحقول الأخرى -الجاز، وألعاب الفيديو، وكل شيء. أعتقد أنَّ ألعاب الفيديو أقرب إلى السرد من أي شيء آخر في هذه الأيام.

ألعاب الفديو؟

نعم. لا أحب اللعب لوحدي، لكني أشعر بالتشابه. أحيانًا وأنا أكتب أشعر بأنني مصمم للعبة الفيديو، ولاعب في الوقت ذاته،. ابتكرت البرنامج، وأنا الآن في منتصفه. فلا تعرف اليد اليسرى ما تفعله اليد اليمنى. فهناك نوع من الانفصال. شعور بالانقسام.

هل هذه طريقتك في قول أنه على الرغم من أنَّه ليس لديك أي فكرة عما سيحدث بعد ذلك حين تكتب، فإنَّ جزءًا آخر منك يعرف بالضبط ما هو قادم؟

أظنه دون وعي. حينما أنغمس في الكتابة، فأنا أعرف شعور المؤلف وأعرف شعور القارئ. وهذا أمر جيد، لأنه يمنحني السرعة في الكتابة. ولأنني أريد أن أعرف ما سيحدث بعد ذلك بقدر ما يريد القارئ. ولكن يجب أن توقف التدفق في بعض الأحيان. اذا كان سريعًا جدًا، فسيتعب الناس ويملون. لابد أن توقفهم عند نقطة معينة.

وكيف تفعل ذلك؟

أنا فقط أشعر به. وأعلم أن وقت التوقف قد حان.

ماذا عن موسيقى الجاز والموسيقى بشكل عام؟ كيف هي مفيدة لك في عملك؟

أستمع الى موسيقى الجاز منذ كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري. للموسيقى تأثير قوي جدًا: الأوتار، والألحان، والإيقاع، والشعور بالشجن مفيد عندما أكتب. أردت أن أكون موسيقيًا، ولكن لم أتقن العزف على الآلات الموسيقية ، ولذا أصبحت كاتبًا. تأليف كتاب هو بالضبط مثل عزف الموسيقى: أولًا أعزف اللحن الرئيسي، ثم أرتجل، ثم هناك خاتمة، من نوع ما.

يُرجع إلى الموضوع الأولي قرب النهاية في مقطوعة موسيقى الجاز التقليدية. فهل تعود في كتابتك؟

أحيانًا. موسيقى الجاز هي رحلة بالنسبة لي، رحلة عقلية. لا تختلف عن الكتابة.

من موسيقيي الجاز المفضلين لديك؟

هناك الكثير! أحب ستان غيتز (Stan Getz) وجيري موليجان (Gerry Mulligan). كانوا أروع الموسيقيين على الإطلاق حين كنت مراهقًا،. وبطبيعة الحال أحب أيضًا مايلز ديفيس (Miles Davis) وتشارلي باركر (Charlie Parker). وإذا سألتني من أضع على القرص الدوار أكثر، فإن الإجابة ستكون مايلز من الخمسينات إلى الستينيات. كان مايلز دائما مبدعًا، كان رجلًا مواكبًا لثورته -أجلّه كثيرًا.

هل تحب كولتراين (Coltrane)؟

آه، إلى حدٍ ما. أحيانًا يبالغ. بإصرارا كبير.

ماذا عن أنواع الموسيقى الأخرى؟

أحب الموسيقى الكلاسيكية كذلك، خاصة الموسيقى الباروكية. وفي كتابي الجديد، كافكا على الشاطئ، يستمع بطل الرواية، الفتى، إلى راديوهيد والأمير (Radiohead and Prince). وفوجئت كثيرًا حين علمت أنّ بعض أعضاء راديوهيد يحبون كتبي!

لست متفاجئًا.

قرأت ملاحظات النسخة اليابانية المرفقة مع ألبوم Kid A في يوم ما، وقال فيها بأنه محب لكتبي، وكنت فخور جدًا بذلك.

هل يمكن أن تخبرني بعض الشيء عن كافكا على الشاطئ؟

هي أكثر ما كتبت تعقيدًا ، أكثر تعقيدًا حتى من وقائع طائر الزنبرك. من المستحيل تقريبًا شرحها.

هناك قصتان بالتوازي. فبطل الرواية هو فتى يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا. اسمه الأول كافكا. أما في الخط القصصي الأخر، فبطل الرواية رجل يبلغ من العمر ستين سنة. أمي، لا يقرأ ولا يكتب. وهو ساذج نوعًا ما، لكنه يستطيع التحدث مع القطط. يلعن والد الصبي كافكا ابنه لعنة أوديبية: سوف تقتلني، أنا والدك، وتنخرط في علاقة جنسية مع والدتك. ولذا فكافكا يهرب من والده، ليهرب من اللعنة، ويذهب إلى مكان بعيد، ولكنه يواجه عالمًا غريبًا جدًا، غير واقعي، يواجه أشياء تشبه الحلم.

من حيث الهيكل فهي على غرار أرض العجائب المسلوقة ونهاية العالم من حيث أنها تنتقل بين المستقبل والماضي ذهابًا وإيابًا، فصلًا بعد فصل، وتنتقل من قصة إلى أخرى؟

صحيح. كنت أحاول في البداية أن أكتب تتمة لأرض العجائب المسلوقة، لكنني قررت أن أكتب قصة مختلفة تمامًا. ولكن الأسلوب متشابه جدًا. الروح متشابهة جدًا. الموضوع هو هذا العالم والعالم الآخر. كيف يمكنك أن تأتي وتذهب بينهما.

أنا متحمس جدًا لسماع ذلك، لأن أرض العجائب المسلوقة هو كتابي المفضل من بين كتبك.

وأنا كذلك. فهذا الكتاب الجديد كتاب طموح جدًا، لأن الأبطال في كتبي دائمًا في العشرينات أو الثلاثينات من العمر. هذه المرة هو في الخامسة عشرة من عمره.

مثل هولدن كولفيلد (Holden Caulfield)؟

صحيح. كان مثيرًا كتابة تلك القصة. تذكرت عندما كتبت عن الفتى  كيف كان الأمر عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري. أعتقد أن الذاكرة هي أهم ممتلكات البشر. فهي نوع من الوقود؛ يحترق ويدفئك. ذاكرتي مثل الخزانة: هناك الكثير من الأدراج في هذه الخزانة، وعندما أريد أن أكون فتى في الخامسة عشرة ، أفتح درجًا معينًا وأجد مشهدًا رأيته حين كنت فتى في كوبي . أستطيع أن أشم رائحة الهواء، وأن ألمس الارض، وأن أرى اخضرار الأشجار. هذا هو السبب في أنني أريد أن أكتب كتابًا.

أتعود إلى تصورات الخامسة عشرة تلك؟

على سبيل المثال. نعم فعلًا.

ما مدى أهمية نشأتك في كوبي وليس في أي مكان آخر في اليابان بالنسبة للأسلوب الذي طورت؟ لكوبي سمعة باعتبارها مدينة دنيوية، وغريبة الأطوار إلى حدٍ ما.

الناس في كيوتو أغرب منهم في كوبي! فهي محاطة بالجبال، ولذلك عقليتهم مختلفة.

ولكنك ولدت في كيوتو، أليس كذلك؟

نعم، ولكن عندما كنت في الثانية انتقلنا إلى كوبي. لذلك فهذا هو المكان الذي أنا منه. كوبي على البحر وبالقرب من الجبال، على شريط نوعًا ما. وأنا لا أحب طوكيو. فهي منبسطة، واسعة جدًا، ضخمة جدًا. لا يستهويني الوضع هنا.

ولكنك تعيش هنا! أنا متأكد من أنه كان بإمكانك أن تعيش في أي مكان تحب.

هذا لأنني يمكن أن أكون مجهولًا هنا. كما هو الحال في نيويورك. لا أحد يتعرف علي. يمكن أن أذهب إلى أي مكان. ويمكنني أن استقل القطار ولا أحد يزعجني. لدي منزل في بلدة صغيرة في ضواحي طوكيو، والجميع يعرفني هناك. كان يُتعرف علي في كل مرة كنت أذهب فيها للمشي. وهذا مزعج في بعض الأحيان.

أشرت إلى ريو موراكامي في وقت سابق، يبدو أن لديه أجندة مختلفة جدًا ككاتب.

أسلوبي ما بعد حداثي إلى حد ما، في حين أنَّ أسلوبه هو الأسلوب الشائع. ولكني صُدمت عندما قرأت عملة خزانة الأطفال (Coin Locker Babies) لأول مرة، قررت بأنني أود أن أكتب ذلك النوع من الروايات القوية. ثم بدأت بكتابة مطاردة الخراف البرية. فهو إذن نوع من التنافس.

هل أنتم أصدقاء؟

علاقتنا جيدة. على الأقل لسنا أعداء. لديه موهبة فطرية قوية جدًا. يبدو وكأن لديه بئر نفط تحت السطح. ولكن في حالتي، كان نفطي عميقًا جدًا بحيث اضطررت الى الحفر والحفر والحفر. كان علي الكدح الحقيقي. واستغرق الأمر بعض الوقت للوصول إلى هناك. ولكن عندما وصلت، كنت قويًا وواثقًا. فحياتي نُظّمت. كان أمرًا جيدًا أني حفرت على طول الطريق.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.


تعليقات الفيسبوك