ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟

ماذا تعرف عن الفيلسوف الألماني “كارل ياسبرز” ؟ – بقلم: عصام غصن عبود

كارل ياسبرز (يَسْپَرْز) Karl Jaspers عالم نفس وفيلسوف ألماني، والممثل الأكبر للوجودية[ر] الألمانية بعد مارتين هايدغر [ر]، وإن كان قد رفض هذه التسمية. ولد في أولدنبورغ Oldenburg لعائلة ثرية محافظة متأثرة بالثقافة السياسية التحررية لألمانيا الشمالية، صبغت أفكاره بطابع ديمقراطي تحرري وبنفحة دينية متشددة. تُوفي فِّي بال Basel(سويسرا). حظي برعاية خاصة من ذويه بسبب مرضه منذ الطفولة بالرئتين ثم بنقص التروية. وهذا أثّر بصورة مباشرة في توجهه الفكري نحو العلوم الإنسانية، فاهتم منذ الصغر بالفلسفة، وكان يرهب اتخاذها حرفة في الحياة، فتوجه إلى دراسة علم النفس وطب الأمراض العقلية psychiatry، وحاز الدكتوراه من جامعة هايدلبرغHeidelberg عام 1908، وعيّن أستاذاً لعلم النفس سنة 1916، ثم أستاذاً للفلسفة سنة 1921 في الجامعة نفسها إلى أن أقصته الحكومة النازية عن التدريس في الجامعة بدعوى أن زوجته يهودية، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد انتهاء الحرب سنة 1945.

 

لم يكن ياسبرز يهتم بالسياسة ولا الأحوال الاجتماعية، بل كان يركز كل تفكيره في البحث العلمي في ميدان العلوم النفسية والأمراض العقلية. وتفادت أعماله النقاشات السياسية، وركزت على الجوانب الفلسفية إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى 1914، فأدرك أهمية المشكلات السياسية والتاريخية والاجتماعية في حياة الإنسان. وأحس بمرارة ذلك ولاسيما بعد أن اشتد الخلاف بينه وبين هايدغر الذي أعلن صراحة دعمه للنازية ـ ثم جاء إيقافه عن التدريس في الجامعة بسبب زوجته ـ وارتباطه بسياسيين وفلاسفة تحرريين أمثال ماكس ڤيبر[ر] Max Weber، فكتب مؤلفه السياسي «الشرط الروحي للعصر» The Spiritual Condition of the Age ت(1931)، الذي نشره في السنوات الأخيرة لجمهورية ڤايمار[ر] Weimar، ينتقد فيه الديمقراطية البرلمانية، ويعزز انتماءه الفكري لماكس ڤيبر بغرض حفظ النظام السياسي في ألمانيا. ويعلن ـ خلافاً لهايدغرـ معارضته للاشتراكية الوطنية.

 

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 وانهيار النظام الاشتراكي الوطني (النازية) استعاد ياسبرز مجده، وأدى دوراً بنّاءاً في العملية السياسية الألمانية، فبرز ـ بوصفه فيلسوفاً وأستاذاً مربياً للأجيال ـ نصيراً قوياً لقضايا التربية الديمقراطية السياسية والمبادئ الأخلاقية المدنية (1945ـ1949)، ساعده على ذلك كتاباته وبرامجه الإذاعية والتلفزيونية ـ ولاسيما كتابه «مسألة إحساس الألمان بالذنب» The Question of German Guilt ت(1946)، عن اضطهاد اليهود ـ متمثلاً التجربة من خلال عذاب زوجته. كما سعى إلى إعادة بناء العملية التعليمية في جمهورية ألمانيا الاتحادية، فنادى بإصلاح الجامعة، وركز على ضرورة نشر الثقافة المدنية الديمقراطية في جميع أنحاء ألمانيا. وفي ذلك كتب مفهومه عن «فكرة الجامعة» The Idea of University ت(1946) رداً على إبعاده عن الجامعة، وفيما يبدو مناقضاً خطاب هايدغر عن دور الجامعة في عهد الرايخ، وموقفه الداعم للنازية الذي كان سبباً للخلافات بينهما.

 

وفي الخمسينيات دعم ياسبرز سياسة حكومة المحافظين التحررية بقيادة كونراد أدِناور Konrad Adenauer ت(1949ـ1963) مؤيداً تشكيل التحالف الغربي الذي يكفل حماية الثقافة الأوربية من هيمنة الاتحاد السوڤييتي بعد رفضه للتوتاليتارية (الشمولية) المتمثلة بالاشتراكية والشيوعية. ثم مالبث أن قدم بعض المفاهيم الخاصة بأسس المواطنة والحقوق الدستورية، لكنه في نهاية المطاف تخلى عن هويته الألمانية، ورحل إلى بال ليصبح مواطناً سويسرياً.

 

التف ياسبرز حول نخبة من علماء الاجتماع والسياسة، أمثال ماكس ڤيبر وغيورغ سيمِّل[ر] Simmel وإرنست بلوخ[ر] Ernst Bloch ولوكاتش[ر] Lukacs وغيرهم. وتأثرت أفكاره بتصوراتهم القومية التحررية وتأييدهم للديمقراطية. إضافة إلى تأثره بفلسفة الكانتية المحدثة neo-kantianism و«فينومينولوجية» هوسرل[ر] ووجودية هايدغر.

 

يعدّ ياسبرز من أغزر الفلاسفة الوجوديين المعاصرين إنتاجاً وأوضحهم تفكيراً وأوسعهم اهتماماً في العلوم الإنسانية. وتربو مؤلفاته على الثلاثين، وبعضها يزيد على ألف صفحة، وأهمها: «علم النفس المرضي العام» General Psycho-pathology ت(1913) و«سيكولوجية النظرات في العالم» Psychology of World Views ت(1919)، وهو الكتاب الذي ينتقل به ياسبرز من علم النفس إلى الفلسفة، ويصفه بأنه كتاب وجودي أصيل، أسّس ياسبرز فيه أنماطاً ونماذج للمواقف النفسية والعقلية شبيهة بنماذج ڤيبر المثالية في محاولة لتحليل جوهر الحياة العقلية الإنسانية أو وجهات النظر العالمية وبناء مذهب معرفي وجودي منظّم. وكتابه الضخم «الفلسفة» Philosophy في ثلاثة مجلدات (1932)، وهو أروع ما كتب أو تحفته، تأثر فيه بفلسفة هيغل[ر] في عملية المعرفة والإدراك والوعي الإنساني في محاولة لإعادة بناء المثالية الكانتية من منظور التجربة والحرية. و«العقل والوجود» Mind and Existence ت(1935) و«فلسفة الوجود» Philosophy of Existence ت(1938) و«المنطق الفلسفي» Philosophical Logic، نشر الجزء الأول منه بعنوان «في الحقيقة» (1947)، وهو بمنزلة تقصٍّ وجودي طرح فيه ياسبرز جملة من التساؤلات حول الفكر والوجود، و«المجال الدائم للفلسفة» (1948) و«أصل وهدف التاريخ» (1949) و«كبار الفلاسفة» Great Philosophers ت(1957) و«القنبلة الذرية ومستقبل الإنسانية» Atomic Bomb and the Future of Humanity ت(1961). والفكرة المركزية التي تدور حولها هذه المؤلفات هي مشكلة الاتصال الوجودي الإنساني، وفيها أولى ياسبرز أهمية كبرى للشروط الاجتماعية والأخلاقية لسلامة الإنسانية، موضحاً دور المجتمع والدولة في توفير الشروط الملائمة للتعارف المتبادل الذي يفترض ممارسة الحرية شرطاً للحوار.

 

يقوم منهج ياسبرز الفلسفي على الوصف الفينومينولوجي (الظاهراتي)phenomenological واكتساب الخبرات وتحليلها، ثم استخلاص التعميمات الفلسفية منها لكونها مصدر المعلومات الوحيد عن الواقع. فهو يقتفي أثر أستاذه كيركغارد[ر]Kierkegaard، فيقصر وصفه على الخبرات المباشرة، وهي معطيات حسية وتجارب من نوع آخر، كالحب والقلق والأمل واليأس، ويتوجه بتفلسفه نحو كشف معانيها الأنطولوجية. فيبدأ البحث في معاني الوجود، حيث يميز بين الوجود المتعين والمتناهي (الموضوعي): أي «الآنية» Dasein ـ الذي يتحقق على شكل وجود في العالم ـ وبين الوجود الماهوي (الذاتي) أو الوجود بالقوة Existenz بوصفه وجوداً ممكناً أن يتحقق، وهذا هو معنى الوجود الرديف للحرية.

 

ويرى ياسبرز أن بإمكان الإنسان اكتشاف طبيعة ذاته، وتعرّفها، وإمكانياتها التي تكشف له وجوده، وتقوده نحو الحقيقة الأصلية التي تنبع منها أفكار الإنسان وأفعاله، وهذه الحقيقة هي الوجود الماهوي أو الذاتي، فالوجود الذاتي تجربة الحرية الكاملة التي لا يتسم بها إلا الإنسان، وهو تجربة إمكانيات لا تنتهي. أما الوجود الموضوعي المتحقق العيني أو «الآنية» فهو بعده الزمني، وهو جانبه الذي يتصف بالسمات، ويمكن تأمله نظرياً.

ويؤكد ياسبرز أن الإنسان هو الحقيقة الأساسية التي يمكن إدراكها في العالم، فهو يتصف بالحضور والحياة. وبالإنسان وحده يصبح كل ممكن واقعاً. فالإنسان عقل ووجود ذاتي، والعقل دون الوجود حقيقة فارغة لا تؤدي في النهاية إلا إلى خواء عقلي ونزعة عدمية، في حين أن الوجود الذاتي دون العقل مجرد دافع غير معقول. لهذا فإن إهمال الوجود الإنساني أوإغفاله معناه الغرق في العدم. وعليه فإن البحث الحقيقي للإنسان عن ذاته هو المصدر الحقيقي لفهم الأمراض النفسية والعقلية خاصة حين يصطدم الفرد بالمجتمع، ويخفق في تحقيق نوع من التكيف معه. وتكمن مهمة الفلسفة ـ ضمن هذا السياق ـ في مساعدة الإنسان على التوغل داخل ذاته لسبر مكنوناتها وفهمها واستيعابها بوساطة فهم اللاعقلانية التي تسود العالم المعاصر، فالتفلسف الحقيقي لا يبدأ إلا باستبعاد العقل للمسائل الكونية الكبرى، وتقديم تصور متكامل لتجربة الإنسان ومواقفه التي تتبلور في تجربة الألم والخوف والميلاد والموت. وهي مواقف حدية نهائيةGrenzsituationen لايمكن للعقل أن يفهمها أو يفسرها، فهي مواقف مفروضة على الإنسان، ولا يملك منها فكاكاً، وهي تعدّ الحدود الجوهرية للحياة الروحية للإنسان ونشاطه العملي، وخلف هذه الحدود يكمن العدم، وهكذا فإنه في معاناة الإنسان المتمثلة بالعذاب والنضال والمخاطرة والشعور بالذنب والخوف والمرض تكمن المحاور الأساسية للوجود البشري. وفي مقابل هذه المواقف النهائية تقف الحرية التي يحقق الموجود بها إمكانيات وجوده الماهوي على هيئة الآنية. فينشأ «ديالكتيك» مستمر التوتر بين الموقف النهائي وبين الحرية صفة الوجود الماهوي، وفي هذا الصراع يقوم معنى الوجود. ويسمي ياسبرز عملية التحرر من المواقف النهائية هذه بعملية إيضاح الوجودExistenzerhellung الذي يتجه إلى تحقيق الموجود، وذلك بأن يخرق نطاق المواقف النهائية، فيعلو عليها، وهذا العلو Transcendenz يعني الخروج من حال الإمكان إلى حال التحقق الفعلي، وبهذا الخروج يتحقق معنى الحرية. فيصل الإنسان بذلك إلى حريته، ويستعيد وجوده الخاص، ويصبح في مواجهة الإله المتعالي من خلال حريته الحقيقية، فليس الوجود سوى حضور في العالم وشوق إلى المتعالي، ويتحول هذا الصراع في العالم إلى صراع بين العلم والدين. ومن هذه النقطة ينتقد ياسبرز الفلسفة العلمية التي لا يمكن أن تصل إلى شيء؛ لأن التفلسف يتوجه إلى العالم بوساطة النقد، ويتوجه نحو الذات لمعرفتها بوساطة إيضاح الوجود، ويتوجه نحو الميتافيزيقا بوساطة افتراض وجود المتعالي.

المصدر: الموسوعة العربية

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك