كيف انتقد المثقفون العرب الأمة العربية؟

كيف انتقد المثقفون العرب الأمة العربية؟

كثيرة هي الانتقادات التي وجهها الغربيون للعرب. لكن النقد يستدعي التفكير في حالنا أكثر حين يأتي على لسان العرب أنفسهم. هناك أمثلة كثيرة اقترب فيها مفكرون وشعراء عرب من هجاء الثقافة العربية.

قديماً قال المتنبّي: “هل غاية الدين أن تحفوا شواربكم… يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”. وفي هذا الموضوع، نقدّم 10 مقاطع بارزة ذم بها مثقفون عرب قومهم.

توحش العرب

ربما لم ينتقد العرب أحد من بني جنسهم كما فعل ابن خلدون في مقدمته الشهيرة. فخصص الفصل الخامس والعشرين للحديث عن “أن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط” وعلل ذلك بأنهم: “بطبيعة التوحش الذي فيهم أهل انتهاب وعبث وينتهبون ما قدروا عليه من غير مغالبة”، وهنا وصمهم بالتوحش والهمجية والنهب.

وفي الفصل السادس والعشرين والمعنون “في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب”، كتب: “والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلة”، لم يكتف بما سبق فوصمهم بالبداوة والسذاجة والجهل والغلظة، وقلة الهمة والفساد والفشل.

تكاسل العرب

“العربي بدوي في عقله الباطن، مسلم في عقله الظاهر”، مقولة لعالم الاجتماع والمؤرخ العراقي علي الوردي، الذي طالما اشتهر واتهم بالعنصرية ضد العرب. إذ وصف العرب دائماً بالبداوة والتأخر عن الحضارة الحديثة في كتاب “وعاظ السلاطين”.

الوردي، رغم الاتهامات الموجهة إليه بتحقير الجنس العربي، خصوصاً العراقي ونعته بأبشع الأوصاف، من تخلف وبداوة وتأخر وتكاسل، فقد رد على نقّاده معتبراً أن ما يقوم به هو من قبيل نقد الذات، الذي يهدف للإصلاح، وتمنى أن تنكشف براءته قبيل وفاته.

ومن أقسى ما قال الوردي عن العرب في الكتاب نفسه: “الفقير إذا غمز لامرأة في الطريق أقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها، أما إذا اشترى الغني الجواري وأشبعهن غمزاً ولمزاً كان ذلك عليه حلالاً طيباً، وإذا خرج طاغية عن تعاليم الدين قالوا عنه إنه مجتهد، ومن أخطأ في اجتهاده فله حسنة، أما إذا جاء الفقير برأي جديد، فقالوا عنه: إنه زنديق وأمروا بصلبه على جذوع النخل!”.

وعن التعليم في بلاد العرب، يقول الوردي في كتابه “خوارق اللاشعور”: “نجد مدارسنا تدرس القصائد التي تمدح الطغاة وتتغنى بقصورهم وجواريهم، وبانحرافاتهم الجنسية أيضاً”. كما ذكر فيه: “عيب العرب الأكبر أنهم مولعون بالحذلقات اللغوية والتعبيرية، في زمن نحن أحوج الناس فيه إلى ما ينير لنا سبيل الحياة، ويشجع النبوغ والإبداع، وغريب أمر هذه الأمة. فالفرد فيها مزدوج الشخصية، والمجتمع منشق الضمير”.

كما نسبت له مقولة “من حسن حظ غاندي أنه لم يولد بين العرب فلو كان هذا الرجل القميء الذي يُشبه القرد يعيش بيننا لأشبعناه لوماً وتقريعاً. دأبنا أن نهاب المترفين ونحترم الجلاوزة الضخام وسوف لن نحصل في دنيانا على غير هؤلاء ما لم نغير هذه العادة الخبيثة”.

مأساة العرب

في روايته “حديقة النبي”، يقول جبران خليل جبران على لسان المصطفى، بطل روايته وراويها، عن تلك الأرض التي ولد وعاش بداية حياته فيها: “ما أولاكم أن ترثوا لأمة زاخرة النفوس بالمعتقدات خاويتها من الإيمان. وما أولاكم أن ترثوا لأمة تلبس أردية لا تنسجها. وتأكل خبزاً لا تحصده. وما أولاكم أن ترثوا لأمة تهتف للباغي هتافها للبطل ويبهرها الغازي فتعده الوهاب الجواد. وما أولاكم أن ترثوا لأمة لا ترفع صوتها إلا عندما تشيع ميتاً، ولا تتفاخر إلا بأطلالها، ولا تثور إلا عندما ترى رقابها بين السيف والنطع. وما أولاكم أن ترثوا لأمة وليها ثعلب ماكر، وحكيمها مشعوذ، وفنها بني على الترقيع والمحاكاة. وما أولاكم أن ترثوا لأمة تستقبل حاكمها الجديد بالطبل والزمر، وتشيعه بالنكير والصفير. وما أولاكم أن ترثوا لأمة عقدت السنون ألسنة حكمائها. ثم ما أولاكم أن ترثوا لأمة تفرقت أحزاباً وظن كل حزب أنه وحده أمة!

ربما لن نجد ما يلخص مأساة العرب وأوضاعهم، بعدما قاله جبران، إنه حتى أشد ملائمة لحالهم الآن أكثر من ذي قبل، وكأن جبران استبق الأوان وأراد أن يلخص مأساتنا. ورغم أنه لم يعش ببلاد العرب سوى 12 عاماً، فقد ذاق فيها مرارة وبؤس الأوضاع، وعانى الفقر والحاجة والظلم، وكل هذا سيطر على كتاباته الأدبية فيما بعد.

عرب الكلام

المفكر السعودي عبد الله القصيمي، قال في مؤلفه الشهير “العرب ظاهرة صوتية”: “إن العرب ظلوا يتحدثون بضجيج عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى حسبوا أن ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبق شيء عظيم لم يفعلوه لكي يفعلوه”.

ومن عنوان المؤلف يتضح لنا مضمونه من الهجوم والانتقاد اللاذع للعرب، فلم يكتف بوصم الحاضر بل ذم ماضيهم كذلك، قائلاً: “كان العرب في كل تاريخهم مصوتين فقط”، واصفاً الشعب العربي بـ”الشعب العبودي”، وانتقد التعليم في الدول العربية، واعتبره “هتكاً للبكارة بأسلوب غير شرعي أو صحي”، واعترض على قوله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس”…

يمكننا القول شمولاً واختصاراً، إن القصيمي كان ثائراً في كتابه على العرب، وأمجاد السلف، والأوطان، وحتى الإله.

تخلف العرب

في كتابه “الكتاب الخطاب الحجاب” الصادر عن دار الآداب، يقول الشاعر السوري أدونيس: “هل التخلف في العالم العربي عائد إلى أن العرب لم يستطيعوا على مدى تاريخهم أن يبنوا دولة”. هكذا وصف العرب بالتخلف والتشرد، وعدم القدرة على بناء دولة مكتملة الأركان، فهم دائماً، برأيه، يعمدون للتبعية لا الحرية، والاستتباع والخضوع وليس التعدد والديموقراطية.

وفي قصيدته “الجثة” قال: “في مقلب القمامة، رأيت جثة لها ملامح الأعراب، تجمعت من حولها النسور والذئاب، وفوقها علامة تقول هذه الجثة كانت تسمى كرامة”. ويقصد بذلك ضياع كرامة العرب وهيبتهم بين الأمم.

وعن الحرية في بلاد العرب، قال: “لقد شيعت فاتنة تسمى في بلاد العرب تخريباً وإرهاباً وطعناً في القوانين الإلهية ولكن اسمها… والله… لكن اسمها في الأصل حرية!”.

ولا ننسى قصيدة “آسف لأني عربي” وما جاء بها من نقد لاذع لأوضاع العرب.

تخاذل العرب

لا يمكن الحديث عن هجاء العرب من دون أن نذكر قصيدة “القدس عروس عروبتكم” للشاعر العراقي مظفر النواب، والتي منع على إثرها من دخول الدول العربية، بعد أن تمادى في سب حكام العرب لتخاذلهم عن نصرة القضية الفلسطينية.

قال النواب في قصيدته: “القدس عروس عروبتكم فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها وصرختم فيها أن تصمت صوناً للعرض… فما أشرفكم أولاد القحبة لا أستثني منكم أحداً… الآن أعريكم ما أوسخنا ما أوسخنا ما أوسخنا”.

لم تكن تلك القصيدة الوحيدة التي هجا بها النواب العرب أو حكامهم، فقصائد “قمم”، “نعم مولاي تراب”، “الخوازيق” و”يا جهيمان”، انتقد فيها الحكام العرب، وتحدث عن معاناة الشعوب العربية.

جبن العرب

“إياك أن تقرأ حرفاً من كتابات العرب… فحربهم إشاعة وسيفهم خشب وعشقهم خيانة ووعدهم كذب…”. هكذا وصف نزار قباني، الشاعر السوري الكبير، العرب في قصيدته “السمفونية الجنوبية الخامسة” التي أطلقها عام 1996، بعد الهجمات الإسرائيلية التي أطلق عليها اسم عناقيد الغضب وعرفها الجنوب باسم حرب نيسان.

نزار قباني في قصيدته هذه، تمادى في الهجوم على العرب، ووصفهم بـ”القبائل الجبانة، الأمة المفككة، الدجاج – كناية عن الجبن” في حين واصل مدح قرى الجنوب اللبناني لصمودها وقتالها الإسرائيليين.

ولقباني تاريخ طويل من القصائد الغاضبة ونقد الذات، فقصائد مثل “متى يعلنون وفاة العرب”، “هوامش على دفتر النكسة”، “خبز وحشيش وقمر”، “المهرولون”، و”بلقيس”، كلها زخرت بهجاء العرب والسخرية منهم.

همجية العرب

“لم أستطع تدريب إنسان عربي واحد على صعود الباص من الخلف والنزول من الأمام، فكيف تدربهم على الثورة!”، عبارة شهيرة للشاعر والأديب السوري محمد الماغوط، في كتابه “سأخون وطني”، الذي تضمن عدة مقالات سياسية بأسلوب ساخر لكن محزن ومبكٍ في الوقت نفسه.

الماغوط تحدث في مؤلفه بلسان مواطن عربي جريح وليس أديب، تناول أزمات وطنه وضعف قادته أمام إسرائيل، ووصل إلى أقصى مدى في جلد الذات. فتناول الواقع المرير الذي لا نزال نعيشه.

ومن أقواله أيضاً في الكتاب نفسه: يا إلهي كل الأوطان تنام وتنام، وفي اللحظة الحاسمة تستيقظ، إلا الوطن العربي فيستيقظ ويستيقظ، وفي اللحظة الحاسمة ينام!”، “العرب كطائرة الهليكوبتر ضجيجها أكثر من سرعتها”. وتمادى في ذم العرب حتى قال: “ما من جريمة كاملة في هذا العصر سوى أن يولد الإنسان عربياً”.

متى يصير العرب شعباً؟

اعتبر الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش أن الأمة العربية ليست قائمة بعد لافتقار أساسيات قيام الأمة. فهو يوضح بكلمات رشيقة وسلسة الهوة الكبيرة بيننا وبين الأمم الحقيقية.

في أبيات من قصيدة “إن أردنا” من ديوان “أثر الفراشة”، الصادر عن دار “رياض الريس” في بيروت عام 2008، يلخص مشكلات العرب في تقبل الآخر، والاعتراف بالخطأ، والديموقراطية، وعدم الاهتمام بالمواطن البسيط. يقول:

سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدس، كلما وجد الفقير عشاءه

سنصير شعباً حين نشتم حاجب السلطان والسلطان دون محاكمة

سنصير شعباً حين ننسى ما تقول لنا القبيلة، حين يعلي الفرد من شأن التفاصيل الصغيرة

سنصير شعباً حين ينظر كاتب نحو النجوم، ولا يقول: بلادنا أعلى وأجمل

سنصير شعباً إن أردنا، حين نعلم أننا لسنا ملائكة، وأن الشر ليس من اختصاص الآخرين

سنصير شعباً حين نحترم الصواب، وحين نحترم الغلط

سنصير شعباً إن أردنا!

فرقة العرب

“ولأن العرب يؤمنون بالقسمة، وضعتهم أميركا في جدول الضرب”، وردت العبارة على لسان جلال عامر، الكاتب المصري الساخر، في كتابه “قصر الكلام”، الذي تضمن عدة مقالات سياسية ساخرة تناولت الوضع المتدهور في مصر وانتقدت النظام بأسلوب سهل، ولم تخلُ من انتقاد العرب وسلبيتهم وتخاذلهم.

وقد اعتاد عامر أن يلخص الأوضاع والمآسي في عبارات بسيطة: “واتفق العرب… عبارة مقتبسة من إحدى قصص الخيال العلمي”، هكذا لخص جلال عامر حال العرب من فرقة ونزاع. وقال: “الجامعة العربية، للإنصاف لها، لديها موقف كبير… يتسع لأكثر من مائة سيارة أمام المبنى”، وبالطبع لا نحتاج إلى التعليق.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يُعْتبر نشر المكتبة العامة له نوعاً من الموافقة على مضمونه.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك