كيف تنبأ «بن لادن» بظهور «داعش» وماذا قال لها ؟

كيف تنبأ «بن لادن» بظهور «داعش» وماذا قال لها ؟ – صلاح الحسيني

قبل الخوض في مضامين رسالة زعيم القاعدة الراحل أسامة بن لادنالتي وجهها عام 2007 إلى تنظيم الدولة الإسلامية تحت عنوان “رسالة إلى أهلنا في العراق”، لا بد عزيزي القارئ من استعراض معطيين أساسيين:

  • ظهور نموذج “دولة للخلاف” ة مرحلة من المراحل الطبيعية لتطور ما يسمى الجهاد العالمي وهو أمر منصوص عليه في أفكار المنظرين الجهاديين

  • دولة العراق الإسلامية، التي تطورت إلى ما يعرف بالدولة الإسلامية الآن ظهرت قبل مقتل “بن لادن” بسنوات.

ليميل المتاعبن للظاهرة “الجهادية” إلى تأكيد أن منظري الظاهرة البارزين مثل عبد الله عزام، أبو مصعب السوري، أيمن الظواهري، أنور العولقي وغيرهم حاولوا إيجاد توافق بين النصوص الشرعية، خصوصًا الأحاديث النبوية المرتبطة بأحوال آخر الزمن، بالمعطيات الجيوسياسية التي يفرضها والواقع، ومن ذلك يتم  تقسيم التنظيمات الإسلامية المسلحة السنية تطور الجهاد إلى ست مراحل، ذكرها بالتفصيل أبو مصعب السوري، أحد أبرز القادة والمنظرين الجهاديينا، في كتابه دعوة المقاومة الإسلامية العالمية:

1- مرحلة الهجرة: وهي أولى المراحل، وتعني الهجرة الجغرافية والروحية للمجاهدين نحو أماكن الاشتباك، وتخص بالخصوص المراحلة الأولى لما يعرف اليوم باسم الجهاد الأفغاني، انتهت في بداية ثمانينيات القرن الماضي.

2- مرحلة الجماعة: وتخص تنظيم المتطوعين للجهاد في جماعات تساعد على تنظيم وتطوير العمل المسلح إضافة إلى نشر فكر ومبادئ العمل التنظيمي لدى المتشددين، وحسب منظري القاعدة فقد امتدت منذ منتصف الثمانينيات إلى منتصف التسعينات.

3- مرحلة زعزعة الطاغوت: وتخص مهاجمة الجماعات الجهادية مراكز قوة ما تسميه الطاغوت (الولايات المتحدة خصوصًا إضافة إلى الأنظمة العربية)، من أجل استدراج عدوهم إلى معركة مفتوحة معهم، وقد تنبأ أبو مصعب السوري بكون نهاية القرن العشرين هو الحيز الزمني لهذه المرحلة، وهو ما تحقق بهجمات عنيفة للقاعدة لا سيما على سفارات الولايات المتحدة بكينيا وتنزانيا سنة 1998، وهجوم المدمرة الأمريكية بخليج عدن عام 2000، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

4- مرحلة التمكين: وهي مرحلة تتسم بمواجهة أولى مباشرة مع العدو، قصد إعطاء الزخم للظاهرة الجهادية وتوسيع نشاطاتها وإمكاناتها، وهي المرحلة التي تنبأ منظرو القاعدة بكونها ستشهد اضطرابات شعبية واسعة في العالم الإسلامي، وهو ما تحقق جزئيًّا خصوصًا في العراق وسوريا.

5: مرحلة الخلافة: طبقًا لنفس التحليل، فإن الزخم الذي ستكتسبه الحركة الجهادية سيمكنها من الوصول إلى توحيد أكبر قدر من المسلمين قصد إحياء الخلافة (موافقة للوعد النبوي بعودة الخلافة بكونها من علامات آخر الزمن الوسطى)، وباختصار، الدولة المنشودة في الفكر الجهادي هي كيان قائم الذات يشكل قاعدة لاحتضان وتطوير العمل المسلح بشكل أكبر من الجماعات، وذلك قصد تجهيز جيش ديني لخوض المعارك المذكورة في الأحاديث النبوية، كمعركتي دمشق ودابق.

يشار بأن حلول هذه المرحلة هي مركز الخلاف الفكري الرئيسي بين القاعدة وحلفائها (كطالبان)، وداعش وأنصارها، إذ يرى الفريق الأول أن الخلافة لا يمكن أن تعلن إلا بتحقق شرط توحيد الأمة الإسلامية، حيث عبر عن هذا بوضوح عدد من قادة الجهاديين كالظواهري وأبو محمد المقدسي، فيما يرى الثاني أن السياق الجيوسياسي في الشرق الأوسط مناسب لإعلانها، وهو ما تم قبل أكثر من سنة.

6- مرحلة الانتصار النهائي: وهي المرحلة التي تشهد فيها الأمة ملاحم آخر الزمان، والتي ذكرت في عدة أحاديث نبوية مشهورة، كمعركة دابق، ودمشق، والقسطنطينية، وروما التي وعد رسول الإسلام أمته بفتحها قبل قيام الساعة حسب المعتقد الإسلامي،

ولأنها مرحلة مبنية فقط على مصادر شرعية فلم يقم أي منظر جهادي باقتراح نطاق زمني له.

هذا وقد كان ظهور النواة الأولى لما يسمى “الدولة الإسلامية” في العراق سنة 2006 تحت مسمى “دولة العراق الإسلامية”، وهي تجمع لعدد كبير من الجماعات المسلحة أبرزها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وتنظيم مجلس شورى المجاهدين، والتي بايعت أبا عمر البغدادي أميرًا له كما أعلنت بعقوبة عاصمة لها، غير أنها لم تحظ بالاهتمام الإعلامي على كيانها بقدر ما تم التركيز إعلاميًّا على هجماتها سواء على القوات الأمريكية أو العراقيين، كحادثة كنيسة سيدة النجاة وهجوم البنك المركزي العراقي سنة 2009.

هذا وتولى أبو بكر البغدادي قيادة دولة العراق الإسلامية سنة 2011 عقب مقتل أبي عمر البغدادي في غارة أمريكية، قبل سنتين من دخول التنظيم للمشهد السوري وإعلان قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام التي ما لبثت أن تحولت إلى ما شكلها الحالي أي خلافة الدولة الإسلامية.

جدير بالذكر أن جزءًا لا يستهان به من الخبرات تلقاها كوادر التنظيم في مرحلة دولة العراق الإسلامية، لا سيما في القدرات الإدارية، والمالية، والإعلامية.

لذلك يستنتج أن مشروع الدولة الإسلامية قد تم تحضيره وتدشينه في العراق في حياة مؤسس القاعدة، وأن تنظيمه كان من الفاعلين الأساسيين عند بداياته.

سياق رسالة «بن لادن»

إخواني المجاهدين في العراق، فكما أنكم أهل للثناء والمدح، فلسعة صدوركم وحسن تواضعكم فأنتم أهل للعتاب والنصح.

وجه أسامة بن لادن رسالة صوتية تحت مسمى رسالة إلى أهلنا في العراق في أكتوبر من عام 2007، أي بعد سنة من تأسيس الدولة الإسلامية في العراق، يتقدم فيها بمجموعة من المعاتبات والنصائح للمقاتلين في العراق، دون تسمية المشاكل الكثيرة التي وقعوا فيها، غير أنه فهم من رسالته أن الجزء الأساسي منها كان موجهًا لتنظيم دولة العراق الإسلامية.

فبعد سنة من تأسيسها، ظهرت مشاكل جمة على الساحة العراقية، كان أبرزها تراجع العمليات العسكرية في مقابل تصاعد وثيرة الهجمات ضد المدنيين، إضافة إلى انطلاق صدامات قوية بين الجماعات المشكلة لدولة العراق الإسلامية والعشائر السنية وبعض قوى المقاومة العراقية، إذ إنها رفضت الاعتراف بتلك الدولة كما رفضت الخضوع لقوانينها ونمطها التي حاولت فرضه على الجميع.

وكان من أبرز نتائج هذه الحوادث انسحاب عدد كبير من المقاتلين من جماعات تنظيم الدولة نصرة لعشائرهم، زيادة على تنامي العداء لظاهرة المقاتلين الأجانب، فضلًا عن اهتزاز الأداء العسكري سواء للجماعات الجهادية أو للمقاومة العراقية نتيجة لاستنزافها في معارك جانبية.

مضمون الرسالة

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا   وإذا افترقن تكسرت آحادًا.

رسالة “بن لادن” الطويلة حملت الكثير من المضامين ذات الدلالات الهامة المتصلة فيما يخص العراق من أحداث، إلى أنه يمكن تلخيصها في 4 نقاط أساسية:

1- الثناء على «الاختيار الجهادي» واستنكار التعصب للجماعات والزعماء

استهل أسامة بن لادن بثناء طويل للاختيار الجهادي بأن وصف المجاهدين في العراق بالأسود الميامين وأثنى بشدة على العمليات “الاستشهادية” وفقا لوقفه وأثرها، لا سيما على القوات الأمريكية والإعلام، ودعا إلى مواصلة قتال القوات الأجنبية وكل الأنظمة الإسلامية حتى إزالة الحدود وإقامة الدولة الإسلامية الكبرى، مؤكدًا على ضرورة عدم الدخول في مساومات أو في حلول وسط مهما كلفت النتيجة.

أولى معاتبات “بن لادن” لدولة العراق الإسلامية كان انتشار تعظيم الجماعات والقيادات لدى الكثير من مقاتليها، وهو الأمر المستمر إلى غاية اليوم، حتى أنه شبه هذا النوع من السلوك بالتعصب الجاهلي الذي نهي عنه بشدة في جملة من الأحاديث النبوية.

ودعا “بن لادن” المقاتلين إلى عدم التعصب للأوامر والتوجيهات، وإبداء المرونة اتجاه التنظيمات المخالفة، مشددًا أنه لا عصمة لأمير أو بطل كيفما كان وأن كل الأمور قابلة للرد. كما دعا المقاتلين إلى تذكر أن الأهم هو عدم الحياد عن النهج النبوي كما سماه، مستدلًا بذلك قول ابن كثير عن أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان.

2- نبذ الاشتباك المسلح بين الجماعات والدعوة لتنصيب قضاء شرعي

استنكر زعيم القاعدة نشوب نزاعات مسلحة بين الجماعات بشكل مبطن، ودعا أمراء الجماعات وشيوخ العشائر وعلماء الدين إلى التدخل بين الفرق المتحاربة وفك الخلافات بناء على ما ورد في المصادر الشرعية، كما ناشد الجماعات بقبول والوساطات وعدم الجنوح إلى السلاح عند كل نزاع.

وفي نفس السياق، وجه “بن لادن” مناشدة إلى العشائر السنية يدعوهم فيها إلى تناسي المشاكل التي حدثت والعودة إلى الصف الجهادي نظرًا لخطورة الموقف في العراق، مذكرًا بأهمية ما قامت به والدور الكبير التي قد تلعبه في دحر المحتلين والعملاء كما سماهم أخطر مطلوب في العالم آنذاك، محذرًا في الوقت نفسه من الانضمام للجانب الآخر ومعاداة المقاتلين.

فيا عشائرنا الحبيبة المهيبة – وأخص بالذكر في هذه الأيام أهلنا في ديالى الذين يتصدون لحملة الكفر والعمالة- إن الوقوف تحت ظلال السيوف، رغم ما فيه من حتوف، ذخر عظيم اليوم، ينفعكم يوم الحساب غدًا، وذلك مقتضى التقى والورع، وشرف الدنيا لذلك تبع، فاعملوا لذلك اليوم، ومن صبر ظفر، وإن الحذر لا يدفع القدر، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في النحر أكرم من الطعن في الظهر.

3- تقديم مصلحة الأمة على مصلحة الدولة

كانت إحدى أكثر فقرات رسالة “بن لادن” وضوحًا تلك التي قال فيها: “فأخوة الإيمان هي الرابطة بين المسلمين، وليس الانتساب إلى القبيلة أو الوطن أو التنظيم، فمصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد. ومصلحة الدولة المسلمة مقدمة على مصلحة الجماعة. ومصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الدولة. فيجب أن تكون هذه المعاني واقعًا عمليًّا في حياتنا”.

ذلك أنه يدعو دون لبس الجماعات لعدم الركون لمصالحها وتقديم تنازلات من شأنها خدمة مشروع الدولة الإسلامية في العراق، كما دعا الدولة إلى اتباع النهج نفسه بأن تعطي الأولية لمصالح الأمة الإسلامية على مصالحها الذاتية.

وذلك في إشارة واضحة لانزعاجه من إعطاء بعض الجماعات الأولية لأهدافها الخاصة عوض الانخراط الكامل في مشروع دولة العراق الإسلامية، إضافة إلى انشغال قادة الدولة بمصالحها أكثر من مصالح الأمة عامة، وهو ما تجلى فعليًّا في بعض الأحداث حين لعب الانتماء العشائري والجغرافي دورًا حاسمًا في اختيار قادة الدولة وهيكلها الإداري، إضافة إلى التركيز على توسيع نفوذ الدولة ومحاربة العشائر المحيطة بها عوض محاربة القوات الأمريكية أو العراقية.

4- الحث على الاتحاد بين الجماعات

ختم “بن لادن” رسالته بدعوة للمقاتلين في العراق بتوحيد الجماعات في تنظيم واحد (ويقصد الانضمام لمشروع الدولة الذي يضم فرع القاعدة في العراق)، داعيًا الأمراء وقادة العشائر إلى بذل كل الجهود التي قد تساعد في الوصول إلى الهدف، مناشدًا المقاتلين بإعطاء المسلمين “عام جماعة” جديدًا في إشارة إلى أحد أهم الحوادث في التاريخ الإسلامي المبكر وهو عام توحد المسلمين عقب فض النزاع بين معاوية بن أبي سفيان، والحسن بن علي بن أبي طالب.

إخواني أمراء الجماعات المجاهدة، إن المسلمين ينتظرونكم أن تجتمعوا جميعًا تحت راية واحدة، لإحقاق الحق، وعند قيامكم بهذه الطاعة ستنعم الأمة بعام الجماعة، وكم هي مشتاقة لهذا العام فعسى أن يكون قريبًا على أيديكم….

ماذا بقي من تلك الرسالة اليوم؟

رغم مرور 8 سنوات عليها، تبقى رسالة “بن لادن” صالحة لوصف الكثير من الأمور التي تعرض لها تنظيم الدولة الإسلامية باسم الجهاد، فالتعصب للرجال والجماعات ازداد بقوة لا سيما بعد حصول أبي بكر البغدادي على صفة “الخليفة”، حتى أن بعض إصدارات دابق لم تتردد في الهجوم على قيادات جهادية ذات رمزية كبيرة رفضت مبايعة الخليفة المعلن، كأيمن الظواهري وأبي محمد المقدسي، ومؤخرًا الملا أختر منصور زعيم طالبان الجديد لقبوله الإمارة وتجاهله مبايعة تنظيم الدولة.

كما زادت وثيرة التكفير بين الجماعات، لا سيما بين تنظيم الدولة وباقي التنظيمات الإسلامية المسلحة في سوريا، فعلى سبيل المثال لم تتردد داعش في وصف جبهة النصرة وجيش الإسلام علانية بالضالين، فيما تطلق التنظيمات السورية المسلحة لفظ الخوارج على مقاتلي تنظيم الدولة، في ظل تعصب كبير للقيادات كالبغدادي والعدناني وغيرهما من قادة داعش الميدانيين من جهة، والجولاني وعلوش وقادة التنظيمات الصغرى من جهة أخرى.

كما ظهرت على الساحة حركات مسلحة مبنية على أساس عرقي وترفض الانضمام للتنظيمات المتواجدة، رغم أنها تقاتل في سوريا، كحركة شام الإسلام المكونة أساسًا من مقاتلين منحدرين من شمال المغرب، وجماعة أنصار الإسلام الكردية.

في نفس الوقت، ازدادت وتيرة العنف بين الجماعات الإسلامية المتنافسة، في سوريا خاصة، إذ تطور الأمر من معارك جانبية إلى معارك ضخمة وحروب مناطق، كمواجهات حلب بين تنظيم الدولة وجبهة النصرة، إضافة إلى مواجهات ريف دمشق بين تنظيم الدولة أيضًا، وتنظيم جيش الإسلام.

وعرفت المواجهة بين التنظيمين انزلاقًا خطيرًا حينما أقدم مقاتلو داعش على أسر وإعدام مقاتلين ينتمون إلى جيش الإسلام وتصويره (كما يحدث مع الرهائن الأجانب) في تسجيل بث في يونيو الماضي بعنوان (توبوا قبل أن نقدر عليكم)، وصف فيه مقاتلو تنظيم جيش الإسلام بالمرتدين. قبل أن ترد هذه الأخيرة بتصوير إعدام 18 عنصرًا من داعش تحت عنوان (قصاص المظلومين من الخوارج المارقين).

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك