التجريبي والتكنولوجي والنظري .. أيهم هو العالم الحقيقي ؟

التجريبي والتكنولوجي والنظري .. أيهم هو العالم الحقيقي ؟ – بقلم: خيال بعيد

ثلاثة اشخاص يجب ان تفرق بينهم وهم (المجرب ) و (التقني ) و (النظري ) لأن هناك اشتباها بينهم في هذا العصر. وعدم فهم لمعنى وصف احدهم بكلمة (عالم ) ولا يمكن لأمة ان ترتقي وهي لم تفرق بعد بين هؤلاء الثلاثة وأيهم يستحق لقب عالم

أما المجرب

فهو شخص يقوم بتجارب في المعامل او خارجها لكي يدرك معارف تجريبية عن الاجسام المحسوسة. فهو يقوم بجمع بين اجسام في ظروف ما ثم يكرر عمله في ظروف اخرى وهكذا حتى يدرك في النهاية وجود تعاقب مطرد بين شيئين في ظروف مختلفة واحوال متباينة . ومثال ذلك ان يقوم بتعريض بعض المعادن لأشعة الضوء وينظر ماذا سوف يحدث ثم يكرر هذا العمل عدة مرات وفي كل مرة (في ظروف مختلفة واحوال متباينة ) حتى تحدث في عقله ضرورةَ معرفة تجريبية فحواها انه (اذا تعرض هذا المعدن للضوء فإنه يحدث كذا ) ومثال اّخر هو ان يحقن حيوان ما بمادة ما وينظر اثر هذه المادة عليه ثم يكرر ذلك في ظروف مختلفة واحوال متباينة فيحصل في عقله ضرورةَ معرفة تجريبية فحواها انه (اذا تم حقن حيوان ما بمادة ما فأنه يحصل له كذا ) . وهذا النوع من الاشخاض المجربين موجودين بالاّلاف في معامل اوربا وامريكا.

اما التقني

فهو عبارة عن شخص ادرك المعرفة التجريبية او تعلمها من (المجرب ) ولكنه لا يكتفي بادراكها او تعلمها بل هو يسأل نفسه (كيف يمكن ان استفيد من هذه المعرفة التجريبية عمليا ؟) وهم كافة المخترعين مثل اديسون الامريكي الذي اخترع المصباح الكهربي ولكن اديسون جمع بين وظيفة المجرب ووظيفة التقني لأنه كان يقوم بتجارب لمعرفة (اثر مرور تيار كهربي في اسلاك من مواد مختلفة ) فوجد بعد تجارب كثيرة ان (أن سلك التنجستين يضئ اذا مر فيه تيار كهربي ) وهنا يكون قد وصل الى المعرفة التجريبية .ثم تفكر بعدها من حيث هو (تقني ) لا من حيث هو (مجرب ) كيف يمكن ان يستفيد من هذه المعرفة التجريبية في اختراع المصباح الكهربي حتى توصل بالفعل الى اختراعه وهكذا الأمر مع كل المخترعين والمتخصصين في الاّلات والادوية والصناعات والحرف وكل ما يسمى (تكنولوجيا ) في العصر الحديث . وهناك اّلاف منهم في اوربا وامريكا وعليهم يقوم كل تطور نراه في عالم الصناعات والادوية والاجهزة والاّلات في العالم.

اما (النظري )

فهو عبارة عن شخص لا هو مجرب ولا هو تقني بل هو شخص يريد تفسير الظواهر التجريبية التي ادركها التجريبي. وهو لا يفسرها بتجارب ولا معارف تجريبية اخرى وانما بمعارف نظرية اي معارف ادركها بواسطة (النظر اي الفكر اي التأمل ) ولذلك فإن المعارف التجريبية لا تسمى (نظريات ) ومن اطلق عليها اسم نظريات فقد أخطأ بل النظريات هي عبارة عن معارف تم التوصل اليها بالنظر اي بالفكر وليس بالتجربة فهو يريد ان يعلم مثلا (لماذا يسقط الحجر الى اسفل اذا قذفناه الى اعلى ) فيقول مثلا في تفسير ذلك (لأن الارض تجذبه وان للارض قوة جاذبية ) بينما قد يقول اّخر ( بل الحجر يسقط الى اسفل لأن الاسفل هو مكانه الطبيعي الذي توجبه طبيعته ) ومثال اّخر هو تفسير التغيرات المحسوسة للاجسام بتغيرات حصلت على مستوى الذارات لأنهم يفسرون كل تغير ظاهر في الجسم بموجودات خفية اسمها ذرات والكترونات وبروتونان ونيترونات ويفترضون ان هناك تغير حصل على مستوى الذرة ادى الى تغير محسوس ظاهر في الاجسام . وهذا هو ما يسمى (فزياء نظرية ) وهي تختلف عن (الفزياء التجريبية ) لأن التجريبي ليس له غرض الا ان يدرك معرفة تجريبية فقط بينما النظري لا يريد ان يدرك معرفة تجريبية جديدة بل يريد ان يفسر ما تم ادراكه من معارف تجريبية.

من هو العالم من هؤلاء ؟

لقد اشتبه علينا مسمى لفظة (عالم ) في هذا العصر حتى تم اطلاقه على المجرب وعلى التقني بينما العالم الحقيقي هو (النظري ) اما المجرب فليس بعالم بل هو مجرد اّلة تسجيل يستوي فيها الذكي والغبي حتى ان الاطفال انفسهم يدركون معارف تجريبية بدون ان يتعلموا منهج علمي وكذلك عامة الناس ومن لم يدخل مدرسة ولا يعلم القراءة والكتابة هو يصل الى معارف تجريبية من خلال مشاهداته المتكررة لما حوله مثل ان يدرك ان (الشتاء يكون بارد ) وانه (اذا فعل هذا الفعل فإن الناس سوف يلومونه ويذمونه ) ومثل ان (الجزار قاسي القلب ) ومثل ان (الماء مزيل للعطش ) ومثل ان ( الجائع يستلذ العيش الحاف ) واّلاف من المعارف التجريبية التي يدركونها عن الاجسام من حولهم وعن الحيوانات التي يربونها وعن البشر. وكل ذلك بدون ان يدخلوا مدرسة او يتعلموا ( منهج علمي ) بل الطفل الرضيع ذاته لو انك اعطيته لعبة وكانت هذه اللعبة اذا القاها على الارض فإنها تصدر صوت فإنك سوف تجد الطفل ينتبه لذلك فيمسك باللعبة مرة ا خرى ويعيد القائها على الارض وكلما سمع نفس الصوت زاد اهتمامه بهذه الظاهرة فيعيد امساكها والقائها مرة اخرى ويكرر ذلك عدد من المرات ( وهل هناك فرق بين ما يفعله هذا الرضيع وبين ما يفعله التجريبي !!) – نعم انت ربما تعترض وتقول (ان التجارب الحديثة تحتاج الى امكانيات وترتيبات معقدة في المعامل ولا يمكن ان يعرف كيف يقوم بها العامة او الاطفال ) فأقول لك (نعم كلامك صحيح ولكن نحن نقاشنا فيما يسمى منهج علمي ومنهج تجريبي وان العوام والاطفال يطبقونه بلا تعلم ويستوي في ذلك الغبي والذكي . ولا يمكن للعلم الحقيقي ان يقدر عليه العوام والاطفال وبلا تعلم وان يستوي فيه الذكي والغبي – وكذلك هذه الامكانيات والترتيبات المعقدة في المعامل يمكن ان يتعلمها شخص عامي امي لم يدخل مدرسة او حتى صبي في خلال مدة وجيزة ثم يقوم بعدها باجراء التجارب !!

اما التقني

فهو ايضا ليس بعالم حقيقي ولكنه عالم في حرفته او صناعته ولا فرق بينه وبين النجار الذي تراه في حيك ومنطقتك وتنظر له باستعلاء وتعتبره من عامة الناس . فالتقني او التكنولوجي هو مجرد (صنايعي ) و (محترف ) مثله مثل النجار تماما ولا فرق بين متخصص في صناعة الكمبيوتر وبين متخصص في صناعة الكراسي والمناضد في أن كلاهما (صنايعي ) .. نعم انت ربما تعترض على ذلك وتقول (ان الكمبيوتر والتكنولوجيا الحديثة هي اعقد من صناعة الكراسي وتحتاج الى دراسة لتعلمها ) فأقول لك ( كل شئ يجهله الانسان فإنه يبدو له معقدا وصعبا وعسيرا. اما من يعلمه فإنه يبدو له شيئا عاديا .فأنت ترى الكمبيوتر معقد ويحتاج الى عبقرية وذكاء لأنك تجهل كيفية صناعته فقط اما من يعلم ذلك فهو لا يبدو له معقدا ولا صعبا بل صانع الكمبيوتر نفسه يرى الكرسي الذي صنعه النجار معقدا صعبا عسيرا وذلك لأنه يجهل كيفية صناعته فيتعجب من مقدرة النجار وعبقريته وقدرته !! واما بخصوص التعلم والدراسة فكل الصناعات تحتاج الى تعلم ودراسة حتى النجارة والنقاشة ولكن تعلم هذه الصناعات لا يحتاج الى ذكاء خارق ولا اعجار عقلي بل يكفي فيه مجرد الممارسة مع من يعلمه حتى تتعلمه وهذا مطرد مع النجار ومع صانع الكمبيوتر – وهذا يجعلنا نفهم اننا اذا اردنا صناعة كمبيوتر فلا تصدع رؤس الصبية بالالكترونات والذرات والبروتونات والنيترونات بل ابعث بهم للمصانع الموجودة في الغرب او الصين مباشرة ليتعلموا كيف يصنعون الكمبيوتر — نعم ربما انك تعترض اعتراض اّخر وتقول (ولكن اختراع الكمبيوتر لأول مرة هو عمل عبقري ومبدع ويحتاج الى ذكاء كبير ) فاقول لك ردا على هذا الاعتراض (كلامك صحيح وهذا ما يميز صنايعي عن صنايعي فإن من اخترع الكرسي لأول مرة هو ليس بنجار عادي بل به ذكاء امتاز به عن غيره من النجارين وليس كل نجار مبدع بل منهم مبدعون يخترعون اشياء لأول مرة ومنهم مقلدون لغيرهم فكذلك الامر مع صانع الكمبيوتر لأول مرة بلا اي فرق بينهما .

اما النظري

فهو العالم بالحقيقة وهو الذي يجب ان يكون له ذكاء فوق مستوى البشر. ولا يمكن ان يستوي البشر في تعلم العلم النظري بل هناك فئة قليلة جدا هي التي يمكن ان يكون لديها قابلية للعلم النظري والمقدرة الذهنية على فهمه. ولكن هنا اشكالية يجب ان نلفت الانظار اليها وهي ان المخترعات التي تبهركم مثل الكمبيوتر والصاروخ ليس لها اي علاقة بالعلم النظري بدليل ان النظريات التي تظهر في الغرب سرعان ما تسقط بعد مرور الزمان ورغم ذلك فإن التقدم التكنولوجي ثابت في سيره بلا اي تأثر بذلك. وذلك لأن العلم النظري يفسر التجارب فقط اما الصناعة فإنها تقوم على المعارف التجريبية فقط . فسواء علمنا التفسير الصحيح او اعتقدنا في تفسير خاطئ فإن ذلك لن يعيق التقدم التكنولوجي. وانظر لتاريخ الفزياء الحديثة لترى تلك الماّساة التراجيدية الاغريقية !! في تساقط النظريات الواحدة تلو الاخرى ورغم ذلك هناك خط متواصل من التقدم التكنولوجي ولذلك فليس بمستبعد ان يكون كل ما اسماه الغرب (فزياء نظرية ) هو مجرد هراء وليس بعلم حقيقي وانما انت تستبعد ذلك لأنك تستدل بالمخترعات على صدق علومهم لأنك تظن ان المخترعات تتوقف على المعارف النظرية وليس هذا بصحيح بل المخترعات والاّلات تتوقف على المعارف التجريبية فقط – وانما ماّساتنا الحقيقية اننا نصدع رؤس الصبية عندنا بنظريات الفزياء النظرية وعلم النفس وعلم الاجتماع ولا نوجههم لتعلم الحرف والصناعات مباشرة وذلك لأنهم خدعونا بأننا ( لايمكن ان نصل الى مستواهم التكنولوجي الا اذا استوعبنا هذا الهراء الذي ذكروه في الفزياء النظرية وعلم النفس وعلم الاجتماع والنقد الادبي والفني) بينما الصين انتبهت مبكرا لهذه الخدعة وعرفت انها لكي تصنع الكمبيوتر فيجب عليها ان تتعلم كيف تصنع الكمبيوتر مباشرة وبدون ان تصدع رؤس الصبية بالالكترونات والبروتونات !! فانظر الى الصين وكيف استطاعت ان تنافس الغرب تكنولوجيا وفقط في بضع سنوات !! و لم يدخلوا المتاهة مثلنا ولم يدمروا ذكاء الطلبة بتلك الهيروغليفيات والخنفشاريات.

خاتمة

المجرب ليس بعالم — اما التقني او التكنولوجي فهو عالم في حرفته وصنعته — واما النظري فهو العالم بالحقيقة ولكن لأن التكنولوجيا لا تتوقف على المعارف النظرية فلذلك يمكن لأي احد ان يخرج بالهراء ويطلق عليه اسم نظرية ثم ننخدع نحن في بلاد الشرق الموكوسة وننشغل بالسيريالية والفوتونات ونظرية الانفجار العظيم والتطور والالكترونات والنيترونات حتى نتقدم ونصنع الكمبيوتر !! وتحياتي الى جمهورية الصين الشعبية ؟؟؟!!!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة






تعليقات الفيسبوك