كيف تبدأ حياتك الفكرية .. وماهي النهاية التي تنتظرك ؟

كيف تبدأ حياتك الفكرية .. وماهي النهاية التي تنتظرك ؟ – بقلم: خيال بعيد

الحياة تجارب

فكر بلا تجربة هو نار بلا وقود. فإن لم يجد الفكر تجارب يتأمل فيها فلابد وأن يحرقك لأنه سوف يتخذ من ذاتك موضوعا للتفكر والتأمل ، وقد عشت دهراَ بلا تجارب محبوس في سجن اختياري اسمه العزلة فانطلقت نيران الفكر تحرق كل ما تقابله من تجاربي القليلة حتى نفذت التجارب ولم يعد هناك إلا ذاتي وكان لابد لها وأن تحترق وكان لابد لي أن اختار بين أن اأحيا كرماد محترق أو أنطلق بحثا عن تجارب تلتهمها نيران الفكر وأحمي ذاتي من الاحتراق .

واقل درجة في التجارب هي الاحساسات المحضة مثل الجوع والعطش والحر والبرد او مطالعة الصور القبيحة والجميلة او الاستماع لنغمات الطبيعة وأصواتها وما توحيه من رهبة ورغبة وخوف وارتياح. أو اطالة النظر الى ذلك العالم الرهيب الذي يعلو رؤسنا ونحن في غفلة عنه . عالم السماء ونجومها اللامعة في ليلة بلا قمر عندما ترسل البصر الى مساحات شاسعة بلا نهاية من الظلمات تملؤها ينابيع الأنوار الصغيرة بكثرة يعجز البصر عن ملاحقتها ويعجز العقل عن حصرها واحصائها. فياله من جلال يستحوذ على قلبك فيقع بلا ارادة في بحر الخشوع ويغوص في اعماقه حتى الغرق بينما الناس غافلون وفي المخادع نائمون فإن كانوا يقظين فإنهم لا ينظرون .

هل جربت الاحساس بالعطش وانت في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء ولا أثر لحياة ولا مرافقة لإنسان . وإنما انت وحدك تواجه هذا الامتداد المترامي من الرمال والجبال واصوات الذئاب الرهيبة ، والشمس ترميك بحمم من النار تلفح بشرتك فتبدأ في الإسوداد ويفيض العرق بإنهمار وانت في أمس الحاجة لقطرة ماء، وأفكار الموت تتفجر في ذهنك كالبركان (هل يمكن ان تكون النهاية بعد لحظات) (هل يمكن ان تكون النهاية في هذا المكان) أي جحيم تشعر به عندما تفكر انك قد تموت بعد لحظات فما بالك لو فكرت انك حتما ستموت بعد لحظات وهل يبقى بعدها في الحياة لذة وهل هناك نعمة اكبر من جهلنا بساعة الاجل وبأي ارض نموت.
فهذه هي التجارب الحسية واذا ارتقينا قليلا خضنا في عالم التجارب النفسية مثل الحب والبغض والأمل واليأس والتشاؤم والتفاؤل والسعي وراء هدف وغاية او الصراع مع كائن بشري اّخر على مال او مكانة او امرأة او معاناة تجربة خداع وانخداع او ترقب لمكر الاخرين وكيدهم او خضوعك لشهوة من الشهوات وعبوديتك لرغبة من الرغبات مثل الشهرة او دخول التاريخ او أن تكون محبوبا من المجتمع ترضى عنك القلوب وتمدحك الألسنة او ربما كراهية شخص بعينه وخوفك من ان يعلوا عليك في مزية من المزايا فيجد الفرصة للتكبر عليك او ربما حرصك على وظيفة تتمناها ومنصب مرموق تود ان تتحلى به فيستحوذ على وعيك تماما ويجترك اجترارا الى النفاق..

ثم اذا ارتقينا قليلا خضنا في عالم التجارب الفكرية عندما تتخذ من تجاربك الحسية والنفسية موضوعا لأفكارك وتحاول ان تفهم اسرار هذه التجارب وحقائقها الباطنة وماهي الضرورات التي اوجبتها ولما كانت الأشياء على هذه الصورة ولم تكن بخلافها ؟ وما هي البواعث التي تحرك الانسان نحو فعل من الافعال؟ وهل سلوك الانسان يختلف بحسب اختلاف المواقف والظروف المحيطة ؟ وماذا يختفي وراء هذه الظواهر الحسية ؟ وما الحكمة من كل هذا العالم ؟وهل فعلا يمكن ان نعلم هذه الحكمة في هذه الحياة الدنيوية؟ وهكذا تجد نفسك في دوامة الفكر او قل تجد نفسك في اّتون الفكر الذي يحرق كل تجاربك الحسية والنفسية ويحولها الى ضوء شديد الإبهار ترى به البواطن والحقائق الخفية .

ثم اذا ارتقينا قليلا فإنك سوف تتخذ من افكارك موضوعا لأفكارك فتبحث في تحولاتها وتبدلاتها وكيف كنت ترى الاشياء في فترة من الفترات ولما تغيرت رؤيتك ؟ وماهي الأسباب التي حتمت هذه الرؤية ؟ وما الاسباب التي حتمت تغيرها؟ وهذه هي اعلى انواع التجارب واشدها صعوبة واثارة للحيرة والتمزقات وقل من يسلم فيها من التيه والضياع بل هي عودة لحالة احتراق الذات لأن الفكر لم يعد مرتكزا حول التجارب وانما حول فكرك في التجارب اي انه قد عاد مرة اخرى يتخذ من الذات وقودا لنيران الفكر. ولكن الحريق لن يكون محدودا كما كان في البداية بل سيزداد اشتعالا وتوهجا لأن الذات صارت متشبعة بالتجارب وكأنها قطعة قطن متشربة بالبنزين وحتما ستحترق ولكنك ستضئ لنفسك وربما للاّخرين وقد تكون هذه هي الحكمة الالهية من خلقك.


تعليقات الفيسبوك