أخطر فيلسوف في العالم.. ماذا تعرف عن «دماغ بوتين»؟

في الفترة الأخيرة برز اسم ألكساندر دوجين، أستاذ العلوم السياسية الروسي المعروف باسم «راسبوتين بوتين» أو «دماغ بوتين»، والذي يعمل أيضًا أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة موسكو المرموقة، فضلًا عن عمله مستشارًا لعدد من الشخصيات السياسية والعسكرية البارزة، وهو كاتب غزير الإنتاج، ويعد اللسان المفوَّه للفلسفة القومية التي يتبناها الكرملين.

أدى الكشف عن التورط الروسي في اختراق حواسيب مسؤولي الحزب الديمقراطي، بغرض ترجيح كفة ترامب على كلينتون، إلى صب مزيد من الزيت على الدورة الانتخابية المرهقة والمشتعلة بالفعل، وأثار هذا الأمر تساؤلات عن الأسباب التي قد تدفع روسيا لفعل شيء كهذا، خصوصًا بعد الكشف عن أنَّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، من المرجح أنه من كان يقود هذه العملية بنفسه. من أجل فهم هذا السلوك، قام موقع بيج ثينك، بعمل تقرير عن أكثر المفكرين الروس المعاصرين إثارة للجدل، وتأثيرًا على السياسة الروسية.

وبحسب الموقع، فإنَّ دوجين قد وُضِعَ على قائمة عقوبات الولايات المتحدة بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم، ولا يعني هذا أنَّ دوجين مسؤول شخصيًا عن عمليات الاختراق تلك، والتي تفسر حاليًا على أنها انتقام شخصي من بوتين ضد كلينتون. لكنَّ فلسفة دوجين الشخصية تتماشى جيدًا مع ما يبدو أنه قد حدث، وتقدم لنا تلك الفلسفة نافذة نستطيع الإطلال من خلالها على مستقبل الصراعات مع روسيا. ذلك أنَّ من المرجح أنَّ ثمة دوافع أعمق وراء التصرفات الروسية.

ألكساندر دوجين عالم اجتماع، ومؤرخ، وفيلسوف في آن واحد. بإمكانك أن تجد الكثير من محاضراته على يوتيوب، بالروسية. وقد عبر دوجين عن عدد كبير من الآراء المثيرة للجدل، من بينها آراء ضد العلم، حين دعا إلى حظر الكيمياء والفيزياء. بالإضافة إلى دعوته للتخلص من الإنترنت، وهي وجهة نظر معادية للتكنولوجيا تنبع من رغبته في قلب العالم بصيغته الحالية.

يقترح دوجين أنَّ هناك ثلاث نظريات سياسية رائدة تركت أثرها على العالم في الماضي الحديث نسبيًا، هي الرأسمالية الليبرالية أو «الليبرالية»، والشيوعية، والفاشية. ويعتقد دوجين أنَّ الولايات المتحدة هي زعيمة الليبرالية العالمية، وقوامها الحرية الفردية، والمنهج العقلاني والسوق.

ويعتقد دوجين أنه على الرغم من أنَّ الليبرالية هي الأيديولوجيا المتغلبة، حتى الآن، بعد انتصارها على الفاشية عام 1945، والشيوعية عام 1991 (عندما تفكك الاتحاد السوفيتي)، إلا أنها تواجه أزمة طاحنة. ويعتقد دوجين أنَّ الليبراليين أنفسهم سوف يكونون أول معترف بتلك الحقيقة. ويرى أنَّ الليبرالية تواجه طريقًا مسدودًا وأنها غارقة، حاليًا، في «مرحلة عدمية ما بعد الحداثة» لأنها تحاول تحرير نفسها من الفكر العقلاني وقهر العقل، الذي هو بالنسبة إلى شخص ليبرالي «شيء فاشي بحد ذاته». ويأخذ دوجين تلك الفكرة إلى مرحلة أعلى، واصفًا الليبرالية أنها تحاول الآن تخليص أعضاء الجسد من سيطرة العقل، مشيرًا بذلك إلى السماح بوجود مجتمع المثليين والمتحولين جنسيًا وثنائيي الجنس.

ونقل الموقع عن دوجين قوله، شارحًا وجهة نظره:

«تصر الليبرالية على الحرية والتحرر من أي شكل من أشكال الهوية الجمعية. هذا هو جوهر الليبرالية. لقد حرر الليبراليون الإنسان من الهوية القومية، والهوية الدينية وهلم جرًا. إنَّ الجنس (الجندر) هو آخر ما تبقى من الهوية الجمعية، وها قد جاء وقت إلغائه وجعله مسألة اعتباطية واختيارية».

ويقترح دوجين «نظرية سياسية رابعة» بدلًا من الأيديولوجيات الثلاث التي يراها ميتة. هذه الأيديولوجيا سوف تخلق نموذجًا سياسيًا بديلًا بالكامل، في مواجهة «التقدم» في تاريخ العالم بوضعه الحالي. لن تكون تلك الأيديولوجيا مبنية على الفردانية أو العرق أو القومية. يرى دوجين هذه النظرية مستمدة، جزئيًا، من أعمال الفيلسوف الوجودي الألماني، مارتين هايدغر، المثير للجدل لارتباطه بالنازية. وتدعو فلسفته إلى إنقاذ جذر وعي الإنسان بذاته (يسميه هايدغر الدازاين أو الكينونة)، بعد أن ذاب هذا الوعي في الفضاء المعاصر ويرجع ذلك، بشكل أساسي، إلى التكنولوجيا التي جردت الإنسان من إنسانيته.

وأضاف التقرير أنه لما كان هذا الجذر من الكينونة يختلف من شخص لآخر، ومن ثقافة لأخرى، فإنَّ العالم ينبغي أن يشهد تقسيمًا متعدد الأقطاب للقوة، بدلًا من وجود قوة عظمى واحدة متمثلة في الولايات المتحدة. وبحسب دوجين، فإنَّ إيجاد وسيلة لتطبيق هذه الطريقة للنظر إلى العالم، سوف يتطلب عودة الإحساس بالهوية إلى البشر الذين فقدوا هذا الإحساس في كل أنحاء العالم.

ويقارن دوجين نظرية العالم متعدد الأقطاب تلك بما يراه هو (ومعه المؤمنون بنظرية المؤامرة في كل العالم) حركة تتجه ناحية خلق «حكومة للعالم» تقودها «النخب المتعولمة» المخادعة التي تهدف إلى حرمان الناس من الشعور بالهوية وإخضاعهم إلى احتياجات شركات هذه النخب.

لكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء أفكار دوجين: في هذا العالم الذي يحظى بعدد من القوى الإقليمية، أي دور سوف تضطلع به روسيا؟ يرى دوجين روسيا الأمة الرائدة في الاتحاد الأورو-آسيوي، وقد أنشأ دوجين حركة أوارسيا الدولية لتحقيق ذلك الغرض.

ما هي أوراسيا؟ هي أراضي الاتحاد السوفييتي السابق، بشكل أساسي. يعتقد دوجين أنَّ الاتحاد السوفييتي قد استولى على حدود اتحاد تاريخي من الشعوب والعرقيات ذات الثقافة والمصير المميزين، وأنَّ المهمة تقتضي خلق مركز قوة له عناصر من كل من أوروبا وآسيا، وهما القارتان اللتان تمتد فيهما روسيا الفسيحة.

ونقل التقرير عن دوجين قوله: «لا يعلم الغرب شيئًا، أو لا يعلم شيئًا ذا بال، عن التاريخ الحقيقي لروسيا. أحيانًا يعتقدون أنَّ الاتحاد السوفييتي كان مجرد اختلاق سوفييتي، وأنَّ دولًا مثل أوكرانيا، وكازاخستان، وأذربيجان كانت دولًا مستقلة قبل الاتحاد السوفييتي، وأنهم إنما احتلهم البلاشفة أو أجبروا على الدخول في الدولة السوفييتية. ولكنَّ الحقيقة أنَّ هذه الدول لم توجد أبدًا كدول مستقلة ذات تمثيل، وإنما باعتبارها أحياءً إدارية دون أي معنى سياسي أو تاريخي داخل الإمبراطورية الروسية، والاتحاد السوفييتي على حد سواء. لقد اصطُنعت هذه الدول، بحدودها الحالية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فحسب، نتيجة لهذا الانهيار».

ومن ثمَّ تكون الغاية الأساسية من إنشاء الاتحاد الأوراسي تصحيح خطأ تاريخي، وإعادة جمع إمبراطورية ناجحة قد وجدت حتى قبل الاتحاد السوفييتي. وبهذا يصبح استيلاء روسيا الأخير على شبه جزيرة القرم، وخططها حول أوكرانيا، جزءًا منطقيًا من تلك الخطة.

وبحسب التقرير، فإنَّ التحليل التاريخي المثير للجدل لدوجين لا يتوقف عند هذا الحد، وإنما يذهب أبعد من ذلك، إلى حد الزعم أنَّ الخصم الحالي لأوراسيا ليس الولايات المتحدة، وإنما الأطلسية، أي محور التعاون بين أوروبا والولايات المتحدة وكندا، والذي يعبر المحيط الأطلسي. هذه الأمم البحرية الليبرالية التي تقدر الفردانية وقوة السوق.

لكنَّ أوراسيا، من جهة أخرى، تمثل الفلسفة المحافظة الخاصة بالقارية غير الساحلية، والتي من قيمها، بحسب الأوراسيين، التراتبية الهرمية، والقانون والنظام، والتقاليد، والدين.

وكذا يمكن وضع أطلنطا في مقابل أوراسيا. في الحقيقة، يزعم دوجين أنَّ التاريخ برمته يمكن رؤيته صراعًا بين الأمم الساحلية والأمم البرية.

أما عن رأي دوجين في انتصار ترامب، فإنَّ أقل ما يمكن قوله، بحسب التقرير، إنَّ دوجين كان شديد الحماسة حول ترامب خلال العملية الانتخابية برمتها، فقال عنه، محاولًا شرح الأسباب التي من أجلها شغل ترامب الناس ولماذا يستطيع الوقوف بوجه النخب المتعولمة.

فقد نقل التقرير عن دوجين قوله: «دونالد ترامب شديد، وعنيف، ويقول ما يعتقد، ووقح وانفعالي، وهو، على ما يبدو، صريح. إنَّ حقيقة كونه مليارديرًا لا تهم. فالرجل مختلف. إنه أمريكي عادي ناجح للغاية».

يعتقد دوجين أنَّ انتصار ترامب ضربة هائلة ضد «المتعولمين»، الذين كانت هيلاري كلينتون مرشحتهم، وهي اللغة ذاتها التي يمكنك بسهولة أن تجدها متناثرة في مواقع المحافظين الأمريكيين مثل بريتبارت نيوز، ودردج ريبورت، وعند ملك نظرية المؤامرة، أليكس جونز (وهو أحد المفضلين لدوجين). يعتقد دوجين أنَّ انتصار ترامب كان نوعًا من «الثورة» قام بها الشعب الأمريكي، وأنَّ من شأنها أن تؤدي إلى هزائم عالمية لأجندة المتعولمين، وتجفف منابع «المستنقع» الذي يغرق العالم فيه.

ومع ذلك، لا يتوقف دوجين عند هذا الحد، فتذهب آراؤه حول ما يعنيه فوز ترامب، إلى أنه من معالم نهاية العالم، وتغيير وجه الحضارة.

فقد قال دوجين: «نحتاج أن نعود إلى الكينونة، إلى اللوغوس، إلى الأنطولوجية الأساسية (لهايدغر)، إلى المقدس، إلى العصور الوسطى الجديدة، ومن ثم نعود إلى الإمبراطورية، والدين، ومؤسسات المجتمع التقليدي (الهرمية، الملة، وهيمنة الروح على المادة، وهلم جرًّا). إنَّ محتوى الحداثة برمته شيطاني ومنحط. لا شيء ذو قيمة، لا بد من التطهر من كل ذلك. إن الحداثة مخطئة بشكل مطلق ـ العلوم، والقيم والفلسفة، والفن، والمجتمع، والصيحات، والأنماط والـ«حقائق»، وفهم الكينونة، والزمن والمكان. كل ذلك قد مات مع الحداثة، ومن ثم ينبغي إنهاؤها. وسوف نكون من ينهيها».

قطعًا، لن تكون تلك المرة الأولى في التاريخ الحديث التي يعتقد فيها روسي أنَّ كل شيء خطأ وأنَّ العالم يحتاج إلى اقتلاع جذوره بشكل كلي. ونحن نعلم كيف انتهى ذلك الأمر. وربما تجعل العناصر الغامضة لبعض ما يتفوه به دوجين، إلى جانب اللحية ـ يبدو شبيهًا براسبوتين. لكن هل يعتقد دوجين بضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة من أجل تحقيق رؤيته للعالم؟

من المثير للاهتمام، بحسب التقرير، أنه قبل فوز ترامب، حذرت منافذ إعلامية أمريكية محافظة، مثل ناشونال ريفيو، من النوايا الروسية، وخصوصًا التهديد المتمثل في أيديولوجيا دوجين، داعين الأوراسية بأنها «دين شيطاني». الآن، بعد فوز ترامب وتورط روسيا في التدخل في الانتخابات، لم تعد هذه المنافذ الإعلامية ميالة لإعادة فتح هذا الموضوع.

لكن هل يستمع بوتين حقًا لدوجين؟ بحسب التقرير، فإن الباحثين والمعلقين يقولون إنَّ أفكار الأخير تؤخذ بجدية من قبل ناس في دوائر بوتين، وأنَّ ازدياد شعبية آرائه يتماشى مع السلطوية الناشئة لبوتين، ومع أفعاله. ومن الجدير بالذكر أنَّ دوجين صرح عام 2008 بدعمه لاستيلاء القوات الروسية على جورجيا، وحرَّض، بحماس شديد، على النزاع الروسي الأوكراني عام 2014، داعيًا إلى ذبح الأوكرانيين وضم الأراضي الأوكرانية التي كانت سابقًا جزءًا من الإمبراطورية الروسية.

لكي ترى ما الذي يمكن لدوجين الترويج له تحديدًا؟ يلقي التقرير نظرة على كتاب دوجين الذي كان واحدًا من أكثر الكتب مبيعًا، والمعنون «قواعد الجغرافيا السياسية»، والذي يعود تاريخه إلى عام 1997، ولاقى رواجًا بين الجيش الروسي. وبحسب مجلة فورين بوليسي، (وكلمات دوجين نفسه) فإنًّ كتابه هذا يدرس في الجامعات العسكرية الروسية.

يحدد الكتاب، بحسب التقرير، رؤية لروسيا في القرن الحادي والعشرين من شأنها أن تؤدي إلى تكوين أوراسيا، لكنه يشتمل أيضًا على إستراتيجيات محددة لهزيمة أو تحييد الولايات المتحدة. تشمل هذه الإستراتيجيات زعزعة الاستقرار وحملات التضليل باستخدام القوات الروسية الخاصة، والحرب غير المتكافئة، وشطر التحالفات بين الولايات المتحدة ودول مثل ألمانيا وفرنسا، إلى جانب زرع بذور الشقاق داخل أمريكا ذاتها، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات بين الأعراق. يشرح دوجين ذلك، في الصفحة رقم 367 من النسخة الأولى من الكتاب إذ يقول:

«من المهم، على وجه الخصوص، إدخال الاضطراب الجيوسياسي إلى النشاط الأمريكي الداخلي، عن طريق تشجيع كل أنواع الانفصالية والنزاعات العرقية والاجتماعية والعنصرية، والدعم الفعال لكل الحركات المنشقة ــ أي الجماعات المتطرفة، والعنصرية، والطائفية، وبهذا نزعزع استقرار العمليات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. وسوف يكون من المنطقي أيضًا أن ندعم، في الوقت ذاته، النزعات الانعزالية في السياسة الأمريكية…».

واختتم التقرير بالقول إنَّ من الصعب ألا نتعامل مع أفكار دوجين بجدية، خصوصًا بعد الانتخابات الأمريكية الأخيرة، والتحقيقات المدهشة حول التدخل الروسي في أهم المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، وهو ما يجعل الكوارث الموصوفة بالأعلى أمرًا ممكن الحدوث.

وبحسب التقرير فقد تراجع دوجين، إلى حد ما، بعد فوز ترامب، عن وصم الولايات المتحدة بأنها العدو الأول. كما قيل أيضًا إنَّ العلاقة بين دوجين وبوتين ربما تكون قد فترت مؤخرًا، بعد انتقاد دوجين لبوتين لأنه «بطيء جدًا» في تطبيق رؤيته للعالم. لكن بالنظر إلى الوقائع على الأرض، فإنَّ من الممكن لنا، والكلام ما زال لكاتب التقرير، أن نخلص إلى أنَّ بوتين ربما ما زال يلعب لعبة أوراسيا، طويلة الأمد، والتي لن تنتهي فقط بتسريبات رسائل البريد الإلكتروني المحرجة. خصوصًا في ضوء حقيقة أنَّ الولايات المتحدة الآن تجد نفسها في موقف ضعف، باحثة عن فلسفة موحدة وطريق تمضي فيه قدمًا.

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك