جان جاك روسو والاعترافات الفاضحة

جان جاك روسو والاعترافات الفاضحة – رواد منصور

“الناس الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيراً أما الذين يعرفون الكثير لا يتحدثون إلا قليلاً”

روسو

من منّا لم يسمع بالأديب و الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو صاحب كتاب العقد الاجتماعي, و واحد ممن كان لكتاباتهم الفضل الأكبر بقيام الثورة الفرنسية, و أحد أبرز مفكري ” عصر الأنوار “, العصر الذي أسس للحضارة الأوروبية الحديثة التي نراها اليوم, و التي اعتمدت بلا شك على نخبة من المفكرين و الفلاسفة أمثال هوبز, لوك, مونتسكيو, روسو, و فولتير و غيرهم, أولئك الكتاب الذين عانوا بحياتهم و خاضوا تجارب قاسية أثمرت نتاجاً فكرياً نفيساً لعصرهم و لكل جيل أتى بعدهم, لكن ما يغفل عنه القارئ هو تفاصيل واقعهم و ما عايشوه آنذاك, هذا الواقع الذي يسرده روسو في مذكراته التي حملت عنوان ” اعترافات جان جاك روسو ” تلك الاعترافات التي تغطي الثلاثة و خمسين سنة الأولى من حياته, و التي نشرت بعد وفاته بأربع سنوات, اعترافات تكشف تفاصيل حياة روسو و يومياته, و تعطي للقارئ بعداً جديداً يستطيع من خلاله تكوين رؤية جديدة بعيدة عن الدعاية المنظمة التي تسبق الكاتب و تصوره و كأنه ملاك لا ينتمي للبشر .

اعترافات جان جاك روسو, حياة شخصية تروي حقبة تاريخية بأكملها ارتبطت بجنيف و سويسرا و فرنسا, و أسفاره في مدن خاضعة لحكم الملوك و الأمراء آنذاك, و رحلته من كنف أبيه إلى أرض غريبة خاض فيها الحلو و المر, و عاش مع امرأتين أسمى الأولى ماما و الثانية عمته التي أنجب منها خمسة أطفال .

عاش جان جاك باحثاً عن موهبة تعطيه مكانة مرموقة في المجتمع, و تترك له أثراً في التاريخ البشري, فحاول في الموسيقى و النبات و الكيمياء و السحر و الأدب و الشعر و المسرح, حيث وجد ضالته أخيراً في الكتابة التي ختمها باعترافاته .

شاع ذكر روسو في بلاطات الملوك الذين كان يستجديهم و يستجدي زوجاتهم رغبةً في السلطة و المال حتى ملها و مل لقاءات الأسر و كذبها و ريائها و تملقها و حبها للمظاهر و القصور .

تخلى عنه جميع أصدقائه بعد أن كان خير صديق لهم و عاش وحيدا منعزلاً في آخر أيامه حتى وفاته, و يبدو للقارئ أن روسو عانى أزمات صحية ذات منشأ نفسي, إذ يبدو صاحب شخصية هستيرية تعاني الرهاب الاجتماعي, و يسعى دوماً لإرضاء نوازعه الجنسية التي عانى كبتها لسنين .
لم يكن روسو ذو شخصية فاضلة بل أظهر في اعترافاته حجم المعاناة و المأساة و الكذب الذي اعتمده للوصول لغاياته, بل إنه استغل النساء بغاية الكسب المادي الذي يقتات منه, إضافة إلى جرمه بإيداع أطفاله الخمسة لدار لقطاء حيث لم يحظوا بأب يربيهم و لا بأم تعطف عليهم, و كانت ولادتهم برأي روسو نتيجة إرضاء نزوات لا أكثر .

يبدو أن تسليط الضوء على مثل هذه الكتابات لكتاب مشهورين ممن تركوا أثراً في التراث الفكري العالمي أمثال روسو يعد ضرورة ملحة نقداً و تفنيداً في هذه لأيام, لأن كشف الجوانب المنسية لشخصياتهم و ميولهم و ظروف نشأتهم تعطي للقارئ فكرة شاملة موضوعية تبعده عن الانسياق الأعمى للنص, ذلك الانسياق المقترن بالضرورة بشهرة الكاتب و حساسية الفترة التي عاصرها, لكن هذه الكتابات تكاد تكون نادرة, لأن قلة قليلة يمتلكون جرأة روسو في فضح أخطائهم و أخطاءغيرهم و الاعتراف بها حتى ولو بعد وفاتهم .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة







تعليقات الفيسبوك