الشمس بلا قمر لا تُقيم الحياة في فيلم MR. Church

الشمس بلا قمر لا تُقيم الحياة في فيلم MR. Church

كانت تشارلي تقول طوال الفيلم ما قالته أمها “يبدو أن إرث عائلة بروكس؛ هي إنجاب الأطفال خارج إطار الزواج”، لتعرف في النهاية “أن الإرث والمعجزة الحقيقية لعائلة بروكس كان مستر تشرش”

فيلم عظيم من إنتاج 2016 للمخرج الإسترالي الكبير بروس بِريسفورد، يبدأ فيلم Mr. Church بعبارة “أنه مستوحي من قصة صداقة حقيقية”، بينما تُشير الكتابات عن الفيلم بأن قصة الفيلم حدثت بالفعل بين كاتبة السيناريو سوزان ماكمارتين وبين طباخها الذي ألهمها في حياتها، بينما أظن أن الفيلم يُعد لوحة فنية بديعة في مديح النظام الأسري، وأنه لا يمكن لحياة سوية لعائلة بلا أب، فإن مستر تشرش لم يكن مجرد طباخ، ولكنه كان الأب، أو المنقذ لهذه العائلة كما قالت تشارلي.

تدور أحداث الفيلم حول: الفتاة تشارلي (تؤدي الشخصية طفلة/نتالي كولين، وشابة/بريت روبرتسون) التي تعيش مع أمها ماري/ناتاشا ماكلهون، تستيقظ الطفلة من النوم فتجد مستر تشرش/إيدي ميرفي يعمل لديهم كـ طباخ، لمدة ستة أشهر (فترة إحتضار ماري المصابة بالسرطان)، وترفض البنت الصغيرة وجود طباخ في المنزل، ومع الوقت تتغير علاقتها بالطباخ ونظرتها لأمها وتتوالي الأحداث.

  • الحب والألم

تقول ماري “ستتذكر الحب مستر تشرش، وليس الألم” ويجيبها تشرش بأن تشارلي فعلاً ستتذكر الحب.
تشارلي التي تدخل كل يوم إلي غرفة أمها وتراقبها من بعيد، هل لازالت أمها تتنفس وعلي قيد الحياة أم ماتت؟، فمن الصعب علي فتاة أن تعيش وهي تعلم أن أمها ستموت بسرطان الثدي في خلال ستة أشهر، وتمضي الشهور والسنين وتشارلي لا تزال تراقب أمها وهي تحتضر، فهي تحب أمها، ولكنها لا تستطيع تحمل فكرة أن الأم ستفارق، لذا تراقبها من بعيد ولكنها لا تحتمل أن تقترب منها، لتقول تشارلي “أنه شعور فظيع أن تحب شخص كثيراً، لدرجة الكراهية لأنه سيتركك، حتي قبل أن يتركك”، وتقول أيضاً “أمي كانت كالشمس بالنسبة لي، أستدفئ بدفئها، اتذكر رغبتي للإستيقاظ مبكراً فقط لأراها، لكن الآن هذه الشمس أصبحت حارقة، إذا اقتربت منها ستحرقني، لكن مستر تشرش بمقدوره السير عبر لهيبها  دون أن تحرقه، إنه مثل القمر، رائق وهادئ وموجود دائماً، لذا تعلمت الابتعاد عن الشمس، والنظر للقمر”

رغم أن الأطباء قالوا أن الأم لن تصمد لأكثر من ستة أشهر، ولكن الأم استطاعت أن تصمد في مواجهة المرض اللعين لأكثر من ستة سنوات، لم يكن معها زاد إلا الحب، تلك الطاقة التي تولدت بداخلها حين أحست بأول حركة لتشارلي في رحمها، قاومت من أجل إبنتها، تلك المقاومة التي لم تدركها الأبنة في حينها، فكيف لطفلة أو مراهقة أن تدرك شعور أم تعرف أنها ستموت وتترك فتاتها الوحيدة في مواجهة هذا العالم بمفردها؟

  • مستر تشرش والأمان المفقود

هنري جوزيف تشرش، ومن أسم العائلة يتضح الخلفية الدينية للعائلة، والده أراد أن يكبر هنري في بيئة معينة بداخل الكنيسة، ولكن هذا الطفل كان متمرد دائماً، فهو يحب الموسيقي والرسم والطبخ والقراءة، فأصبح البيت بالنسبة له كالسجن، مكان للتعذيب، وهذا الشعور ترك في نفسه وحشه وخواء فظيع، فهو كان يبحث عن الأسرة والأمان، مثلما كانت تتمني ماري منقذ لهذه العائلة (منقذ لتشارلي)، كانت صفقة دخول مستر تشرش لبيت ماري مربحة له، حيث طلب منه ريتشارد –عشيق ماري السابق- أن يرعي ماري وأبنتها في فترة الستة أشهر المتبقية في حياتها والمقابل هو مرتب ثابت له مدي الحياة، وكانت هذه هي الوصية الأخيرة والتدبير الأخير لريتشارد قبل وفاته، فقد تعهد بأن يرعي ماري طوال حياته وحتي بعد وفاته، علي الرغم من أنها قطعت علاقتها به عندما علمت بأنه متزوج، ولكن مستر تشرش وجد أن الأم لم تمت بعد الستة أشهر، وهو لم يكن يريدها أن تموت، هو وجد فيها وفي بنتها الأسرة والأمان الذي حُرم منه صغيراً، مثلما وجدوا فيه المنقذ، الذي تولي مصاريف البيت وعلاج الأم لأكثر من ستة سنوات، وكذلك مصاريف الجامعة لتشارلي، هو شعر بأنه مسؤول عن هذه العائلة مسؤولية الأب والزوج تجاه عائلته.

  • الخصوصية

دائماً ما نميل للخصوصية في مجتمع ينتهك خصوصيتنا بشكل دائم، فالحرص الشديد والتأكيد الشديد علي الحفاظ علي الخصوصية إنما يتولد من هذا المجتمع المتسلط، فهو كان يعيش في عائلة يضرب فيها من الأب لكي يصبح كما يريد الأب، وهكذا صار طوال حياته، يحافظ علي خصوصيته بشكل قوي، تجاه كل محاولات الفضول من الطفلة أو المراهقة تشارلي، حتي تنازل عنها في اللحظة الأخيرة، وكأنه يريد أن يموت في دفئ العائلة التي افتقدها صغيراً.

  • العناية الإلهية
  • تبينت فكرة الإيمان بالعناية الإلهية والتدبير الإلهي عند صُناع الفيلم في أكثر من مشهد وعلاقة بالفيلم، وخاصةً في العلاقة الرئيسية في الفيلم بين مستر تشرش وتشارلي وأمها، فهما وجدا في مستر تشرش المنقذ والأب لهذه العائلة البائسة، وهو وجد فيهما الدفئ والأمان المفقود في أسرته، وكانت الفكرة واضحة في الرسالة الأخيرة لمستر تشرش لتشارلي، والتي تركها مصحوبة بصورتهم كعائلة واحدة، تلك الصورة التي تركت في نفس مستر تشرش عظيم الأثر والمحبة والمسؤولية تجاه عائلته الجديدة.
  • أما شخصية لارسون/كرستيان مادسون، فهي لتأكيد هذه الفكرة، فكرة العناية الإلهية والتدبير الإلهي، وهو ما بينه الحوار الذي جمع لارسون وتشارلي في الحفل، فقال لها “أمر لم أخبرك به بخصوص هذا اليوم، فقد جمعت مالاً لأشتري زجاجة ويسكي وبعض المخدرات، وكنت سأذهب إلي البيت وأنهي حياتي للأبد، وعندها وقعتي، دائماً تقولين أنني أنقذت حياتك أنتي وإليزابيث، ولكن الحقيقة أنتما من أنقذا حياتي”، فكانت هذه الشخصية لتأكيد الفكرة التي أجملت في علاقة مستر تشرش بعائلته الجديدة، وأظن أن حذفها لن يضر الفيلم ومجري الفيلم مطلقاً، ولكنها للإنصاف لم تكن مملة أيضاً.
  • النظام الأسري

رغم أن هذا الفيلم لم يمدح النظام الأسري بشكل واضح ولو بجملة حوارية واحدة، إلا أن هذه الفكرة هي المحصلة النهائية التي ستدركها في النهاية، الإحتياج البشري للرعاية في فترات الضعف والمرض، وهذا ما يوفره النظام الأسري، يرعانا الأباء صغاراً وتتبدل الأدوار ونرعي الأباء في شيخوختهم، إلا أن صُناع الفيلم لكي يقولوا بأن هذا النظام الأسري ليس النظام الوحيد، استحضر شخصية بوبي (طفلة ماديسون وولف، وشابة لوسي فري) هذه الفتاة التي سرق والداها وسُجنا، فتولت الدولة رعايتها وتعليمها، فالدولة دائماً بديل في الرعاية لهذا النظام الأسري، ولكن في المقابل بينت الأحداث هذا التباين بين كلتا الشخصيتين تشارلي وبوبي، تلك التي تربت علي محبة العائلة والأخري التي تربت علي رعاية الدولة.

  • وأخيراً بدأ الفيلم بتحديد زماني ومكاني “لوس انجلوس 1971” وإشارة الطفلة تشارلي لأكثر من مرة بأن عندهم طباخ “أسود” في كلامها، يُشير بأن أمريكا في تلك الفترة لم تكن تخلصت من النظرة العنصرية بشكل كامل.
  • موسيقي الجاز ودورها في الفيلم، فهي كانت المتنفس الحقيقي لمستر تشرش، يعلن بها تمرده علي الحياة، وكذلك تُشير هذه الموسيقي إلي حالة الحنين، فكما بدأ الجاز بتعبيره عن حنين العبيد الأفارقة إلي الوطن أفريقيا، كانت الجاز كتعبير لمستر تشرش عن حالة الحنين لدفئ العائلة المفقود.

وقد عبر عن هذا الإيقاع الدافئ للفيلم الموسيقي مارك إشام، وكذلك تميز الفيلم بديكورات وملابس متميزة ومعبرة عن تلك الحقبة.

 

 

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك