أحكام الشريعة الإسلامية هل تستوعب فكرة المواطنة؟

تمهيداً لمناقشة هذا الأمر نقول إن لفط الأجنبي في الفقه الإسلامي لا يٌستخدم كمرادف لغير المسلم بصفة مطلقة وهذا يعني أنه ليس كل غير مسلم عن الدولة الإسلامية في نطر الفقه أجنبي.
ولبيان ذلك نشير إلى أن الفقه الإسلامي يرى غير المسلمين على أربع حالات
الأولى : الذميون :
وهم غير المسلمين الذين يقيمون بصفة دائمة في الدولة الإسلامية بناءً على عقد ذمة والراجح في الفقه الإسلامي أن هؤلاء من مواطني الدولة الإسلامية خلافاً للرأي القائل باعتبارهم أجانب عنها أو لهم رعوية الدولة الإسلامية وليسوا مواطنين بها.
المستأمنون :
وهم غير المسلمين الذين يدخلون الدولة الإسلامية بمقتضى عقد الأمان دون أن يكون لهم حق الإقامة الدائمة وهم ليسوا من أفراد شعب الدولة الإسلامية وإنما يعتبرون في مركز الأجانب بالنسبة لها.
المعاهدون:
وهم سكان دار العهد يدخلون مع دار الإسلام في عهد يلتزم فيه الطرفان بعدم الاعتداء واستمرار حالة السلم التي أوجدها العهد.
الحربيون:
والحربي في الفقه الإسلامي هو غير المسلم مم سكن دار الحرب وليس معنى كونه حربي أنه حلال الدم والمال فهو مجرد اصطلاح باعتبار توقع الحرب بين دار الإسلام ودار الحرب مع بقاء الأصل وهو السلم والأمن.

والمتفق عليه بين أغلب الفقه أن غير المسلمين جميعاً لا يتمتعون بجنسية الدولة الاسلامية إلا الذميين الذين يرتبطون مع الدولة الإسلامية بعقد أمان دائم أو ما يطلق عليه الفقه أهل الذمة.
نعود إلى جوهر ما طرحناه.. هل تسوعب أحكام الشريع الاسلامية المعنى المعاصر لمفهوم المواطنة؟

ونقول في شأن الإجابة على ذلك والتي تحمل رأينا الشخصي بطبيعة الحال على الأقل في جانب من جوانبها أن فكرة الجنسية كمعيار للتفرقة بين الوطني والأجنبي عرفتها الجماعة الإنسانية حديثاً، تقريباً منذ القرن الثامن عشر حيث استخدم اصطلاح الجنسية في معناه السياسي الحالي. وقد كان مقال الأستاذ مانشيني سنة 1851 أكبر الأثر في تدعيم هذه الفكرة التي أصبحت في الوقت الحاضر المعيار الوحيد بين الوطني الأجنبي.

ومن ثم فكل من يحمل جنسية دولة من الدول يعد مواطناً بالنسبة لها وأجنبياً بالنسبة لغيرها وذلك دون اعتبار للدين أو العقيدة في هذا الشأن.
ففي مصر على سبيل المثال يصبح الشعب مكون من مجموعة الافراد الذين يحملون الجنسية المصرية بصرف النظر عن ديانة صاحبها سواء كان مسلماً أو مسيحياً.

لكن لو عدنا إلى كتب الفقه سنرى أن الإجماع على أن هؤلاء المواطنون من غير المسلمين ما يزالوا يسمون أهل ذمة وأن عليهم الوفاء بمستحق مالي يطلق عليه الجزية مقابل حمايتهم ودخولهم ضمن أفراد الدولة الاسلامة.
بينما ينص الدستور على خلاف ذلك ،فينص على مبدأ المواطنة دون ذكر لمصطلح أهل الذمة أو مصطلح الجزية فهل هذا تناقض وهل هذا خروج على أحكام الشريعة الإسلامية التي تمثل بنص المادة الثانية من الدستور المصدر الرئيسي للتشريع؟

في الواقع يعد الأمر ظاهرياً متناقضاً لكن بشيء من التدقيق واتساع الأفق يتضح لنا أن فكرة المواطنة بمعناها الحديث لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية حتى مع النص على الزام غير المسلمين ممن يكتسبون صفة المواطنة بموجب عقد الذمة أو عقد الأمان الدائم بدفع الجزية عن يد وهم صاغرون ، إذ أن الاحكام تتغير حتى قطعي الدلالة منها بتغير الزمان والأحوال ،فقد انتهى الرق من الوجود الإنساني وأصبح مجرماً وكذلك لم يعد وجود للمألفة قلوبهم عند توزيع الزكاة ولا لملك اليمين عند الزواج رغم النصوص قطعية الدلالة التي تتحدث عن هذه الأحكام وغيرها.

وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا يستوعب الفقه الاسلامي فكرة المواطنة بكل ما تعنيه من معنى ولا يكون بعدها مجالاً لحديث عن أهل ذمة -رغم نبل المعنى في التراث العربي – أو الجزية مع وجود نظام المواطنة وكذلك نظام الضريبة العامة بأنواعها وهو ما يتحدث عن الدستور المدني في مواد كثيرة .
إن القول بذلك لا يمثل من وجهة نظرنا خروجاً عن أحكام الشريعة ،بل يمثل اتفاقاً مع روحها وهو ما يعطيها حيوية الاستمرار ومواءمة ومواجهة المستجد والمتغير من الأحداث.
وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك