كيف اكتسحت غوغل وفيسبوك وآبل وأمازون العالم بعلم النفس الاقتصادي ؟

كيف اكتسحت غوغل وفيسبوك وآبل وأمازون العالم بعلم النفس الاقتصادي ؟ – بقلم حمودة إسماعيلي.

لتحقيق نجاح اقتصادي قياسي في عالم اليوم، يجب عليك اعتماد أمور أكثر عمقا في علم الاقتصاد. وهذا ما قام به الفرسان الأربعة كما يدعوهم خبير التسويق الأمريكي سكوت غالواي، وهم غوغل وآبل وفيسبوك وأمازون، أربع شركات ترسم عالم اليوم.

فأن تأتي -باعتبارك أحد هؤلاء الفرسان- خلف شركات عملاقة لها تاريخ وقاعدة اقتصادية قوية، وتتجاوز أرباحك أرباحها في ظرف وجيز، مسببا لها التدهور نظرا لصعوبة اللحاق بك؛ فهذا دلالة على خرقك لقواعد الاقتصاد الكلاسيكي وقلبه باقتصاد رقمي يساير تكنولوجيا العصر السريعة، والأكثر أنه يعتمد على مبادئ أعمق : منها أن يحتاجك المستهلك أكثر مما تحتاجه أنت عارض المنتوج، نظرا لأنك صرت مصدرا لإشباع نزعة نفسية لديه، ولم تعد عارض سلع، يقوم بالغناء والرقص عليها (في الإعلانات) لتحبيب الزبون فيها ! لقد ولى هذا السيرك وهذه الاستراتيجية الرديئة بمعايير هذا الزمن. لإنجاح مشروع يدر المليارات، يلزمك اقتصاد يمس بالنزعات المتجذرة في الجنس البشري.

هذه هي الاستراتيجية الحديثة التي اعتمدها الفرسان الأربعة. سكوت غالوي في انتقاده لسياسة هؤلاء الفرسان المتهربين ضريبيا والمساهمين في تقليص فرص الشغل بتمددهم، والساعين لأوسع سيطرة اقتصادية ممكنة، كشف -في انتقاده كما ذكرنا- الأبعاد النفسية التي لمسوا لدى الناس خلال انتشارهم الاقتصادي :

– الإنسان كائن فضولي، يختلف عن الحيوانات بطرح سؤال والبحث عن جواب. شركة غوغل لعبت هذا الدور، وبالنسبة لسكوت فهي الديانة الوحيدة التي استطاعت توحيد الشعوب. مهما كانت ديانة الإنسان أو مرجعيته الثقافية فهو يعتمد على غوغل. أول من نقوم بسؤاله هو غوغل. غوغل قام بخلق علاقة ثقة وارتياح بينه وبين الناس، لأن الفرد يعرف مسبقا أن غوغل سيجيبه على أي سؤال ومهما كانت نسبة الإحراج فيه، الدور الذي يعصب حتى بين المقربين.

– خُلق الإنسان للحب، كائن يريد أن يحب الآخر ومن الآخر أن يبادله الحب. فيسبوك شغلت هذا الجانب، والدارج أن فيسبوك هو موقع للتواصل والتعارف وتبادل المعلومات، إلا أنه بالجوهر موقع يدخله الواحد بحثا عن الحب. سياسة فيسبوك هي أن تحب أمورا تخص الآخر (عبر تقنية اللايكات/قلوب) ليحب هو كذلك أمورا تخصك (منشورات)، وذلك بحسب مبدأ الأخذ/الرد، فأنت هنا تمنح الحب لأنك محتاج للحب. فالإعجاب بالمنشورات تتم ترجمته انفعاليا بين المستعملين بالإعجاب بذواتهم، طالما أن المستعملون يتماهون مع منشوراتهم، وصورك بالمجمل هي أنت.

– الإنسان كائن مستهلك، ويبتغي التنويع في الاستهلاك من خلال النزعة المرتبطة بالاحتياجات الطبيعية، كالأكل والملبس ووسائل الترفيه. بالنسبة لشركة أمازون أي شيء تريده سيصلك حتى باب بيتك، يكفي أن تأمر.. لو أردت بول الذئاب سيرسلونه لك (يستخدم في تخويف الحيوانات كي لا تقترب من المنزل عند رشه بالنواحي).

– الإنسان لديه قدرة على إجراء المقارنات، ويهدف ليكون أفضل ويتطور أكثر، به ميل نحو تفضيل ما هو سريع وقوي وذا كفاءة. شركة آبل تلعب على هذا الوتر، عبر إبراز الفروق بين أجهزتها والأجهزة المنافسة، هل تود أن تكون أفضل؟ تعال لدى آبل. صار هذا هو مضمون الخطة التسويقية لدى الشركة منذ رفع ستيف جوبز لشعار “فكر بشكل مختلف”، وإدخال تصاميم فنية على الأجهزة (جعلها أشبه بالألعاب) لإبعادها عن الجو الروتيني العملي (المنفر) وتقريبها من نفسية المستهلك.

هذه الشركات المعروفة اختصارا ب”غافا”، يتجاوز دخلها الإجمالي اقتصاد دول، فهذه الغافا هي سادس أهم اقتصاد في العالم مثلها مثل دولة الهند! وسياساتهم التسويقية يتم تدريسها بأبرز المدارس الاقتصادية في العالم.

يأتي تنبيه سكوت بضرورة رفع الوعي لدى الناس المستهلكين بشأن هذه الشركات التي تعكس البراءة والحيادية، من خلال أهدافها بالمساهمة في عالم أفضل وتواصل أكثر بين البشر، غير أن ما تهتم له بالأساس هي نسبة أرباح أكبر، وبأي وسيلة كانت. فلو ظهر مشروع شبيه بسياستهم -يمس بنزعة إنسانية- فسرعان ما يستهدفونه بعروضهم المالية الضخمة لشرائه، مهما طلبت ثمنا لمشروعك سيدفعون : لأنهم يعلمون أن التعويض سيتضاعف من خلال النزعة البشرية الكامنة في مشروعك. بالأخير تجدر الإشارة إلى سلطتهم الإعلامية القادرة على جذب الناس لخدمة أو الدفاع عن قضية أو جهة معينة.

جوهر الموضوع أن عالما أفضل هو دور الجميع، وليس فقط “غافا” كما تحاول أن تعكس.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك