5 خطوات تساعدك في قراءة أي لوحة فنية.. تعرّف عليها – زهراء مجدي

الفنّ يستحضر الغموض الذي بدونه العالم لن يكون موجودًا. رينيه ماغريت

لا يوجد تعريف عالمي موحد للفن، ولكن هناك إجماعًا عامًا على أنه خلقٌ واعٍ لعملٍ جميل أو ذي مغزى باستخدام مهارة وحس وخيال، أو نقش شكل بسيط يعبِّر عن شيء، أو رمز، أو فكر، أو عاطفة دارت في عقل إنسان، وأراد أن يتقاسمها مع الآخرين، وينقل لهم بعضًا من خبرته الإنسانية ليمتدّ تأثيرها عبر العصور.

ولكون الفنّ عاملًا غير موضوعي، كإعادة ترتيب الطبيعة وفقًا لآرائنا الخاصة، فقد تغير تعريفه على مدار التاريخ والثقافات، وفي كل مرة ظهرت فيها حركة جديدة في الفن طُعن في تعريف الفن أو ما هو مقبول منه، ولذلك فاللوحات التي تباع اليوم بملايين الدولارات مات أصحابها دون أن يمرّ عليهم أحد يبدي إعجابه بعملهم أو يقول: مرحبًا.

قراءة لوحة مشابهة لقراءة كتاب، فمفاتيح اللوحة مثل أحرف وعلامات ترقيم نفهمها لنحدد معناها، ويتأثر رد فعل القارئ بالمعرفة السابقة له؛ إلا أنها تختلف في أن الكتاب يساعدنا لتخيّل مشهد، في حين أن اللوحة هي المشهد بالنسبة لنا. وأيضًا فللرسام إطار واحد يقابلنا من خلاله وهو إطار لوحته بخلاف الكتاب الذي تتحول حروفه السوداء إلى صور متعددة الألوان بلا حواجز. ولكن هل تناولت مرة كتابًا دون أن تقرأ عنوانه وتتعرف على مؤلفه؟

الصفحة الأولى في اللوحة

إذا كنت قد زرت متحفًا للفن في أيِّ وقتٍ مضى، ربما قد لاحظت الورقة الصغيرة التي تحتوي بعض الأسطر بالقرب من كل لوحة فنية؛ هذه الكلمات المفتاحية يمكنها أن تخبرنا الكثير عمّا نراه أمامنا؛ ولا ينبغي أن يفسر عنوان اللوحة ما نراه، فيمكن أن يضيء جانبًا منها أو زاوية خفية لا يمكن ملاحظتها بسهولة؛ وغالبًا ما تعرض المتاحف نفس الكلمات المفتاحية للوحاتها مع اسم اللوحة، والآن ستشرح لك ساسة بوست بعض ما قد تراه بالنص التعريفي

-جيمي وييث، اسم الرسام، ولد عام 1946، وإذا كان الفنان متوفى تلحق سنة وفاته بسنة ميلاده، وأحيانًا يكون معها جنسيته أو بلد النشأة.

-كالونا في فروج تاون، اسم اللوحة، وعام رسمها 1986.

– زيت على ألياف خشبية مضغوطة، وهما أداتا الرسم، ألوان زيتية، على لوح خشبي مضغوط

-أبعاد العمل الفني بالسنتيمتر، الطول والعرض والارتفاع أيضًا إذا كان منحوتًا، وتفيد الأبعاد إذا كنت تتأمل اللوحة عبر موقع إلكتروني أو كتاب.

– مؤسسة تيرا للفن الأمريكي، المالك الحالي للوحة، دانييل تيرا هو الرابط بين الرسام والمؤسسة والتي ربما أهداها لها أو باعها في مزاد، و1992 هو عام انضمام اللوحة للمؤسسة، و163 هو رقم اللوحة في سجلات المؤسسة بعام انضمامها لها.

ما الذي يجعلنا نحكم على لوحة بأنها جيدة أو سيئة؟

الفن يتيح لنا أن نجد أنفسنا ونفقد أنفسنا في نفس الوقت. *توماس ميرتون

لا توجد قواعد ثابتة وواضحة يمكن قياسها على اللوحة لتحديد إذا كانت جيدة أو سيئة، فاللوحة الجيدة لن يمكنك أن تحول عينك عنها، شعور قوي سيجتاح روحك ويضرب بالعاطفة في أعماق قلبك، شعور ينفتح له قلبك وعقلك، يملؤك بالجمال الواضح أو الرمزي، المفهوم أو الغامض. الفن العظيم يترك في المشاهد فكرة أو شعورًا، يتخطى استخدامه لأسلوب أو تقنية أو مهارة ليتسبب في إحداث قدر كبير من النشاط في عقل المشاهد وقلبه؛ فحتى لو كانت فكرة العمل الفني جيدة والمهارات المستخدمة لتنفيذه ممتازة، إلا أن الغرض كله من الفن هو توصيل فكرة أو شعور.

إنّ إثارة الفكر من الشروط الأساسية للجمال مع تكوين اللوحة وإيقاع الألوان بها وتناسقها، وسهولة حركة العين بين أرجاء اللوحة، ولكن يظلُّ بالأساس هذا الرابط الروحي بين الفنان والمشاهد هو المعيار. نحن لا نتخطَّى معيار الواقعية في اللوحة ولكن يتضافر معها البساطة، فأفضل الفنانين تبقى لوحاتهم بسيطة، تنقل فكرة واحدة بدون تعقيد، يتخطَّى فيها التفرد في التقنية لإقامة رابط قوي سهل الوصول للمشاهد.

الجمال في الفن لا يتماثل مع المعنى الطبيعي لكلمة الجمال، فلوحة الصرخة لإدفارد مونش تعبِّر عن كل مشاعر الخوف والفزع والإزعاج للنفس لكنها مثيرة للعقل ومحركة لكل المشاعر التي لا تستثار فينا بسهولة. الفنّ الجيد يدور حول الرسالة وليس الأسلوب، حول الرموز الخفية أكثر من التعبير الواقعي، ومدى براعة الفنان تكمن في أن يفهم المشاهد الرموز بنفس المعنى الذي قصده هو وألا يذهب جهده عبثًا.

ما غرض اللوحة؟

الغرض من الفن هو غسل غبار الحياة اليومية من على نفوسنا. * بابلو بيكاسو

اعطِ اللوحة فرصة لتخبركَ بغرضها، فبعض الأعمال تثير موضوعات بطرق خفية، وبمجرد أن تنظر للوحة بشمولية اسأل نفسك: ما موضوع هذه اللوحة؟ فقد يكون الموضوع مشهدًا أو شخصًا أو لقطة من أسطورة أو مدينة أو حيوانًا أو وعاءً من الفاكهة أو رفًّا من الكتب، وأحيانًا يكون المشهد خيالي وهكذا. وبعض اللوحات ربَّما لن يكون لها موضوع مثل الكثير من أعمال القرن العشرين التي اهتّمت باللعب على الشكل والألوان وحتى خامة الألوان بدلًا من تمثيل الواقع.

إذا عرفت موضوع اللوحة تكون قد اجتزت خطوة نحوها، وهذا لا يمنعك من التمتع باللوحة إذا لم تفهم ما المقصود منها، ولكن ابحث عن الغرض، ابحث عما يقوله العمل لك، ابحث عن الرموز، والرمز ببساطة هو شيء يعني شيئًا آخر؛ وفي كثيرٍ من الأحيان تتضمّن اللوحة رموزًا واضحة جدًا، مثل الجماجم البشرية التي تدرج في رسوم الأثرياء لتذكرنا بأن الثروة دنيوية فقط ولا معنى لها في نهاية المطاف، وأحيانًا تكون الرموز فريدة وخاصة بالفنان، ولهذا لا بد ألا ننشغل بمحاولة معرفة ما يقصده الفنان مثل ما تريد اللوحة أن تقوله لنا.

لماذا استخدم الفنان هذا اللون ولم يستخدم لونًا آخر؟

العين عضوٌ حسّاس له قدرة هائلة على التمييز، بحيث إنه يستطيع أن يميز تأثيرات أشد دقة من تأثير الهواء على الجلد. فالعين هي التي تربط بيننا وبين بيئتنا الحقيقية على أوسع نطاق، وهي التي تنذرنا بأسرع ما يمكن بما سنتلقاه من انطباعات. إنّ للّون وظيفة تنبؤية، ونحن لا نهتم به لذاته بقدر ما نهتم بما يوحي به من الأشياء التي ستلحقه.

واللون يقدم لنا سيكولوجيا ما هو غائب عمليًا؛ فتختلف قيم اللون اختلافًا بيّنًا، وهي تشبه في ذلك القيم المختلفة التي للإحساسات الأخرى. وكما أن الروائح الذكية والفائحة أو النغمات العالية أو المنخفضة تختلف فيما بينها بسبب اختلاف إثارتها للحواس، كذلك نجد أن اللون الأحمر يختلف عن اللون الأخضر، والأخضر عن البنفسجي. فلكلٍّ من هذه الألوان عملية عصبية خاصة بها، ومن ثمّ كان لكلٍّ منها قيمة خاصة. ولهذا فلا ينبغي أن نعجب إذا كانت درجة الذبذبة العليا التي تنتج صوتًا حادًا في الأذن تنطوي إلى حد ما على نفس الإحساس الذي تولده درجة عليا من الذبذبة التي تنتج للعين لونًا مثل اللون البنفسجي.

مع أنّ الكثيرين يعجزون عن إدراك هذه العلاقات، فإنّه ليس من المستحيل أن ننمِّي الإحساس بها سواءً عن طريق المصادفة أو التمرين. فمن آثار اللون ما يلذُّ له الجميع في حين أن بعضها الآخر يولد إحساسًا بالنشاز يكاد يشبه النشاز في الموسيقى.

تابع حركة عينيك

العين والرأس لا ينظران إلى الموضوعات من أعلى إلى أسفل بنفس السهولة التي ينظران بها من أحد الجانبين إلى الآخر، ولا يولد عدم التكافؤ بين الجزئين الأعلى والأسفل نفس النزعة إلى الحركة ونفس القلق الذي يولده عدم التكافؤ بين الجانبين الأيمن والأيسر من اللوحة. فالرّاحة والاقتصاد في الحركة اللذان ينتجان من التوازن العضلي في العين هما مصدر قيمة السيمترية «التناسق والتوازن».

فمثلًا إذا كان الشكل الرئيسي في اللوحة ميدانٌ عام على شكل دائري فإن العين ستسقط على مركزها بوصفه مركز الثقل الذي يجذب إليه جميع النقط، وفي هذا الوضع يكون الإحساس المتولد لدينا متجانسًا مهما كان الاتجاه الذي قد تدفع العين إلى النظر فيه، وقد يفسِّر ذلك لنا الطابع العاطفي للدائرة؛ والذي يختلف مع الخط المستقيم الذي يصعب على العين إدراكه إلا أنه قد يأتي مماسًا للنقط التي لها علاقات متماثلة.

حينما تستعرض العين لوحة فنية وتجد الموضوعات سواء كانت ألوانًا أو خطوطًا أو أشكالًا أو أشخاصًا موزعين على مسافات متساوية فحينئذ يطرأ على الذهن نوعٌ من التوقُّع يشبه توقع النغمة التي لا بد من حدوثها؛ فإذا لم يُشبع هذا التوقع أحسسنا بالصدمة. فإن كان ما يُحدث هذه الصدمة هو ظهور عنصر جديد يثير الاهتمام على نحو مؤكد فيكون الأثر المتولد في نفوسنا طريفًا، أما إذا لم يوجد ما يعوض هذه الصدمة، فحينئذ نحس بما في الموضوع من قبح ونقص وعيب.

المصدر: ساسة بوست

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك