لماذا يخاف العرب من الجنس ؟!

ربما يبدو السؤال غريباً، فوفقا لبعض الإحصائيات، فإن العرب من أكثر الشعوب اهتماماً بموضوع الجنس، بل إن الصورة الذهنية المأخوذة عن الرجل العربي، هي تلك الصورة التي رسمها الغرب عن العرب والمسلمين منذ القرون الوسطى، صورة الرجل المحاط بالنساء والجواري من كل جانب، فلا همّ له سوى الأكل وممارسة الجنس. السؤال ليس غريباً، لكن الواقع على الأرض يقول ذلك، ما أن تفتح موضوع الجنس، حتى تُرمى بآلاف الحجارة اللسانية من كل حدب وصوب، وكأن موضوع الجنس ليس مهماً أو أنه لا يشغل البال، أو أن ثمة خوفاً دفيناً من الحديث عنه بصراحة.

في البداية نود أن نطرح سؤالاً هاماً: هل الحديث عن الجنس ممنوع دينياً؟ إذا كانت شعوبنا تحتفي بالدين أكثر من غيرها، فإن المفترض أن يكون الدين محورياً في مباحها وممنوعها، لكن ليس هناك نص ديني يحرّم الحديث في الجنس، بل إن بعض الفقهاء الكبار من أمثال جلال الدين السيوطي ألّف كتاباً عن الجِماع وفنون ممارسة الجنس، ولم ينتقص هذا من قدره كأحد علامات التراث الإسلامي. ونجد أن القرآن نفسه لم يحرّم الحديث عن الجنس، فطالما لم يرد نص بتحريم، فالأصل في الأمور الإباحة.

فإذا كان الدين لم يحرّم ذلك، والعلماء لم يتحرجوا من الحديث فيه، بل والكتابة عنه منذ قرون، فنحن أمام حالة تراجع في الوعي العام. وكأن القدماء كانوا أكثر انفتاحاً منا، وكانوا أكثر وعياً بأهمية الجنس وضرورة الحديث عنه، فهو أصل الحياة، وبدونه لن تستمر. ربما يرد علينا البعض قائلاً: إن الأمر بسيط وليس بحاجة إلى تعقيد أو توضيح، فنحن نتزوج ونمارس الجنس بالغريزة، والحيوانات ذاتها تتكاثر ولم يتهدد أي نوع منها بعدم وعيه بهذا الأمر. لكن حقيقة الأمر أن الموضوع ليس فقط مسألة غريزة وممارسة بهذا الشكل الحيواني، ولكن الإنسان مختلف عن غيره، حتى وإن كان التكاثر أحد أهم أسبابه، إلا أنه ليس الهدف الوحيد، وبالتالي لابد أن يكون على وعي بتفاصيل هذا الأمر. ولو كنا صادقين مع أنفسنا، سنجد أن الجهل بهذا الأمر أبرز مشاكل الأسر العربية، ولكن بحكم ثقافة الخوف والاستحياء نربط هذه المشكلات بأمور مختلقة.

هذا الخوف العربي من الحديث في موضوع الجنس، يرجع إلى حالة التردي العام، والتي جعلتهم لا يضعون الأمور في نصابها، فيخافون من المباح، ويحرّمون ما لم يحرمه الله، ومع مرور الوقت يتحول الخوف والجهل إلى قانون حاكم، وهذا الجهل يناقض الطبع الإنساني، فالإنسان بحكم تكوينه يميل للجنس، ومع حالة التحريم المختلقة في ظل فترات التراجع العام يدخل الإنسان في دائرة الازدواجية، فيصرّح بضرورة عدم الحديث، وهو الوقت عينه يبحث عن الجنس بكافة الطرق، سواء عبر وسائل الاتصال الحديثة، أو عبر التحرش الصريح أو الضمني في الواقع.

فليست المشكلة مشكلة جنس أو غيره، ولكنها مشكلة وعي، فالمنع المتكرر يولّد رغبة مبالغ فيها في المعرفة، وهذا ما تنطبق عليه مقولة “الممنوع مرغوب”. ولك أن تتابع حركة مبيعات كتاب تم منعه، سوف تجد أنه الأكثر مبيعاً. نفس الأمر بالنسبة لموضوع الجنس، فحالات الحصار لمجرد الكلام عنه، تخلق حالة من الرغبة المضاعفة للبحث عن هذا الممنوع. لكن أعتقد لو تم طرح الموضوع بشكل طبيعي، وقراءة أي شيء يتعلق بالجنس دون تشنج، فإننا بذلك سوف نحوّل الأمر من حالة الهوس بالتفكير في الجنس، إلى وضعه الطبيعي في خانة الاحتياجات الإنسانية كغيره من الاحتياجات، فلو مُنع الكلام عن الطعام، لبحث الناس عنه سراً، وتحدثوا فيه أكثر من الطبيعي، لأنه كما قلنا الممنوع مرغوب.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك