متلازمة براءة المتحرش.. من يدافع عن براءة متهم شهير وكأنه من قام بتربيته – بقلم: حمودة إسماعيلي

بعد توالي شهادات الاتهام والاعتراف بالتعرض والتحرش والاعتداء الجنسي والتي أطاحت بالعديد من المشاهير من مختلف الميادين من الفن إلى السياسة ومن السينما إلى الموضة وبل حتى من الدين! انبثقت “ظاهرة” مصاحبة لهذه الحملة التي اتسعت وشملت الاعترافات من الجنسين على حد سواء، ولم تقتصر فقط على الجنس اللطيف.

هذه الظاهرة أُطلقُ عليها “متلازمة براءة المتحرش”، وهي حين ينتفض المدافعون عن متهم معين والتصريح دون تردد بأنه بريء وبأنه مستهدف بمؤامرة لتشويه السمعة وتبخيس القيمة.. والغريب أنك تجد الواحد منهم لا يعرف الشخص، بل لم يسبق له لقائه أو حتى رؤيته من بعيد!

كيف نحكم على شخص بهذه الثقة والجرأة دون أدنى معرفة بشخصيته؟ فلا المدافع بطبيبه النفسي؛ ولا هو بأمه؛ ولا هو بصديق عمره؟ فكيف ذلك؟؟

ترتبط هذه الظاهرة بمخيلتي بتلك الصور حينما تقع جريمة أو اتهام بالإرهاب أو أي قضية تستنفر أجهزة الأمن بالمدينة، فيكون بطلها أحد قاطني الحي، لتنطلق موجة الاستغراب والاندهاش والمفاجأة عندما يجد الجيران بل وحتى أهل المعني أنهم لم يكونوا ليتخيلوا أو يتوقعوا أن يُقدم ذلك الشخص على هذا الفعل.

ولا تتوقف الدهشة عندهم بل تنتقل بالتحفيز عبرهم على غرار : هل توقعت يا حمودة أن يكون عبدو الطيب هو من قام بكل ذلك؟!

و هم أنفسهم ستجد فيهم من يقفز ببراءة المتهم بالتحرش الجنسي، مع أنه للتو لم يتوقع أن جاره داعشي أو مغتصب أطفال وما سواه من تٌهم يتقبلها بعد تلاشي هول المفاجأة. لكنه متأكد من براءة متحرش يبعد عنه بمحيط وجزر ومدن، وكأنه يعرف أسراره وأكلته المفضلة واسم المحل الذي وضع فيه أول وشم!

يمكن تفسير هذه الظاهرة بنوع من “الإسقاط”، فمن المرجح أن يشعر الواحد بأنه مستهدف في بيئته الصغيرة، سواء بمكان الإقامة أو العمل أو مساره الفني/العملي، أي هناك من يودون رؤيته فاشلا أو خاسرا أو مطرودا، وربما حتى يحيكون له مؤامرات أو تلاعبات لإحباطه.

فعندما يجد أن مثاله أو الرمز الفني/السياسي المعجب به يطاله اتهام بالتحرش، فإنه مباشرة يُسقط المسألة على نفسه كحالة من التماهي، فيدافع عن نفسه في ذلك الرمز/الفنان/الشخص-الشهير. فلا يُعقل هنا أن يكون النموذج متهما، إنما مثلي -يقول الشخص- يسعون للإيقاع به!

المثير للسخرية أن النماذج التي طالها الاتهام لا تصل شهرة “ميسي” وليس لها تأثير “كارل ماركس”! أي هناك شخصيات أكثر نجاحا وشهرة فلِما لم تطلها حملة بنفس الصيغة؟!

هناك جانب آخر، وهم من يقحمون مؤامرة الدولة، على أساس أن أجهزة الدولة -افتراضا لقيامها بهكذا عملية- بالغباء الذي يجعلها تتخذ سيناريوهات واضحة ورائجة -حتى عند الأطفال- للإيقاع بالمعارضين.

أليس بالأحرى أن تلجأ لترتيب أفضل وأسلم ودون إشراك أعراض ناس أو حتى ضجة تزيد (وتفيد) من شعبية المعني بدل محوها. غير أن كل هذا يسهل فهمه تحت مبدأ: شيطنة الدولة.

في حديثه عن صدور الجزء الرابع من كتاب تاريخ الجنسانية لميشال فوكو، يرفع الكاتب الفرنسي ستيفان لوكغون، من اعترافات النساء المتعرضات للتحرش، إلى مستوى القول الصريح -بدرس فوكو- أي ذلك المعني “الذي يجازف بقول الحقيقة” حتى لو جلبت عليه الوصم والقطيعة.

وعلى قياس درس “شجاعة الحقيقة” عند فوكو، تلتحق شجاعة المرأة -المضطهَدة- بالقول أمام المجتمع، بشجاعة قول أفلاطون أمام دينيس طاغية سيراكوز، وشجاعة قول ديوجين أمام الإسكندر حاكم مقدونيا. شجاعة الحد من الهيمنة والشطط السلطوي.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك