كيف التقت المسيحية بالقانون الروماني؟ بقلم: سامح عبد الله

لا يمكن إنكار ما أحدثته المسيحية من آثار وتطورات وتحولات في النظم القانونية القديمة والحديثة ومن ببنها أحد أعظم القوانين الوضعية في تلك الحقبة الزمنية وأقصد القانون الروماني.

والحقيقة إن دراسة الالتقاء بين القانون الديني والقانون الوضعي من الدراسات الهامة من زاوية علوم قانونية متعددة…من زاوية علم القانون المقارن،ومن زاوية علم الاجتماع القانوني ،ومن زاوية الدراسات التاريخية للقانون والتاريخ الاجتماعي للقانون.
وهذا الالتقاء بين القانون الديني والقانون الوضعي ظاهرة اجتماعية وقانونية على السواء لها نتائج كببرة في نشأة وتكوين النظم القانونية وتطورها.

ونحاول أن نعالج هذا الموضوع من خلال مطلبين : نتحدث في أولهما عن فلسفة المسيحية في التنظيم الاجتماعي.
ونتحدث في ثانيهما عن مظاهر أثر المسيحية في أحكام القانون الروماني.

أولاً : فلسفة المسيحية في التنظيم الاجتماعي

الديانة المسيحية بحكم طبيعتها ديانة تحتوي على قدر هائل من التعاليم الأخلاقية والروحية التي تركت أثراً واصخاً على فقه السياسة والقانون معاً، وهذا ما يبدو جلياً في إحداثها تقارب بين القانون واللاهوت وتقديم صورة جديدة لفكرة الدولة ومركزها تجاه الكنيسة.

فقد أوجدت المسيحية تغيرات جوهرية في القانون السائد عند ظهورها وركزت على الاتجاه نحو الإنسانية والعدالة كما أوجدت تقارباً بين القانون والطبيعة الإنسانية وأصبح القانون أساسه ومنتهاه الإنسان ذلك الموجود الالهي كما صورته العقيدة المسيحية وعلى عكس ما كان سائداً في القانون الروماني حيث كان القانون ناتجاً من طبيعة الأشياء.

وفي هذا يقول الأستاذ العقاد ” لقد كان هَم السيد المسيح في الإصلاح النفسي تغيير البواعث لا تغيبر المقادير. كان همه أن ينقل الآداب من محور إلى محور. كانت الأشياء مقدمة على النفس الإنسانية، فوجب أن تكون النفس الإنسانية مقدمة على الأشياء،وجب أن يكون ربح النفس الإنسانية هو القيمة الكبرى ،لأن من ربحها فلا جناح عليه أن يخسر العالم”

وكان من أثر ذلك أن تطورت وتعدلت نظم كثيرة مثل ظهور مبدأ سلطان الإرادة وانحسار الشكلية التي غرقت بها الأنظمة القانونية الرومانية والإعتداد بمبدأ حسن النية وتهذيب العقوبات وتحسين المركز الفانوني للرقيق ،وبوجه عام صُبغ القانون بصبغة انسانية جردته من ماديته الرومانية.

أما فيما يتعلق بأثر المسيحية على فكر الدولة فالمسيحية نادت بالسلام والسكينة ولم تناد بالصدام بين الفرد والدولة وإنما دعت الفرد إلى احترام الدولة طالما لم تهرج عن تعاليم الكنيسة مما يمكن أن نقول معه أن الدولة ذاتها أصبحت وسيلة لتحقيق الأهداف الدينية.

في المقابل أدخلت المسيحية بُعداً جديداً في العلوم والأفكار السياسية،فبينما كان اليونانيون يرون أن الدولة أسمى من الإنسان، لأنها أسمى تجمع للحياة المنظمة ،وأتم صورة للجماعة العامة ،نجد أنه في عهد المسيحية تم الاعتراف للإنسان بشخصية ذات قيمة أرفع من جميع الأغراض الدنيوية،فقيمة الإنسان الذي خلقه الله أعظم من أى قيمة حتى أن المسيح ذاته يسمى”ابن الانسان”

“مرحلة صدام”

لقد كان من الواجب وقد،صار الفرد لا يدين بالطاعة للدولة ( فيما يتعلق بالقيم الروحية) وإنما يدين بها لله ويؤدي التزام الطاعة لله وحده. ذلك أدى إلى الاعتراف بوجود منطقة خارجة عن نفوذ الدولة وهى منطقة الحاجات والشئون الدينية التي يسهر عليها رجال الكنيسة بوصفها الوسيط الذي يقوم بإحداث تواصل بين السماء والأرض وهذا لأن المسيحية (كما فهمها أنصارها) لا تقيم علاقة مباشرة بين الإنسان وخالقه وإنما ادعت الكنيسة أنها وحدها الموكول إليها هذا الاتصال بين السماء بالأرض ولا يمكن لكل فرد مؤمن أن يتصل بعالم السماء إلا عن طريقها حتى أن سلطة البابا في هذه الوقت كانت تفوق سلطة الإمبراطور إذ أن سلطة هذا الأخير تُستمد من الأرض بينما سلطة البابا تُستمد من السماء!

ولقد أحدث هذا التصوير السابق للعلاقة ببن الفرد والله والذي استمر خلال ما يعرف بالعصور الوسطى حراكاً عنيفاً يمكن أن نوصفه بالصراع بين قوى مدنية وليدة وبين سلطان الكنيسة وهو ما أبرز على سبيل المثال ظهور حركات مناوئة لهذا النهج مثل حركة الإصلاح الديني الذي قاده (مارتن لوثر)
وقد ظل هذا الصراع قائماً حتى بدايات عصر النهضة فكان بزوغ تحرر الفكر في كل المجالات.

ولم تتناول المسيحية الأمور الدنيوية التنظيمية بل عملت على نشر مبادئ الفضيلة والأخلاق ولعل السبب في أن المسيحية لم تهتم بالمسائل القانونية الدنيوية يرجع إلى سببين أولهما:
أن المسيحية نشأت في الشرق حيث كانت تسوده الديانة اليهودية وهى ديانة نظمت أمور الدين والدولة والقانون.
ثانيهما: وجود القانون الروماني الذي كان في قمة مجده من حيث الشكل والمضمون بينما كان العالم في هذا الوقت في احتياج إلى مبادئ الأخلاق والضمير أكثر من أى شىء.

كيف كانت إذن العلاقة بين المسيحية والقانون الروماني؟

يجب أن نميز بين مرحلتين في هذا الصدد وهما كالتالي:

مرحلة عدم الإعتراف بالمسيحية،فلم يعترف الرومان بالمسيحية حتى عام 313 م وحتى هذا التاريخ عاش المسيحيون في عذاب واضطهاد دائمين إذ أُعتبرت الديانة المسيحية محظورة ومحرمة وليس لها أية صفة شريعة داخل حدود الإمبراطورية وكل من يعتنقها كان يُعد مرتكباً جربمة عظمى ولعل هذا الاضطهاد يرجع إلى عدة أسباب أهمها :

1-القيود التي فرضها القانون الروماني لممارسة الديانة الأجنبية بصفة رسمية داخل حدود الإمبراطورية الرومانية والقيود التي وضعها القانون الروماني على حق الناس في التجمع.

2-تعارض الديانة المسيحية مع المعتقدات الدينية الوثنية حيث كان الرومان وثنيين وكان من الطبيعي أن تُوضع القيود على المسيحية التي هى ضد الوثنية.

أما المرحلة الثانية فهى مرحلة الاعتراف بالمسيحية،فلم تفلح الهجمات الشرسة والجرائم البشعة التى ارتكبها الرومان في حق المسيحية أن تحجب ضوء هذه الديانة عن العالم وتم الاعتراف بها بالتدريج حتى أصدر الإمبراطور “جالير ” منشوراً يعترف بالمسيحية بشرط “ألا تعكر صفو النظام العام” ورغم أن الإمبراطور ” ماكسيمان” رفض تطبيق هدا المنشور لإدارة روما ومنها مصر وسوريا إلا أن الإمبراطور قسطنطين قرر الاعتراف بالمسيحية وأباح للناس اعتناقها وأعطى لهم حرية ممارسة الشعائر واتخذ الصليب شعاراً في حروبه.

وفي سنة 380 م أصدر الإمبراطور “تيدوز” منشوراً حرم بمقتضاه الوثنية التي كانت سائدة في الإمبراطورية الرومانية وأعلن المسيحية ديناً رسمياً للدولة والشعب معاً وقد استتبع ذلك تحريم الأعياد والمناسبات الوثنية وهدم المعابد التي كانت تُقام فيها.
ومع الاعتراف بالمسيحية بدأت مبادىء المسيحية تندمج في المجتمع ومن دلائل ذلك نشأ ما يسمى “بالقانون الكنسي” Canon law “والقضاء الكنسي” ويتكون القانون الكنسي من مجموعة القواعد القانونية التي وضعتها الكنيسة الكاثوليكية لكي تطبق على طائفة المسحيين التابعين لها ومصادر هذا القانون تنبع من الكتاب المقدس والعرف وقواعد القانون الروماني بعد تعديلها وتهذيبها بما يجعلها تتوافق مع القيم المسيحية. أما بشأن القضاء الكنسي فقد حاول المسيحيون إيجاد قضاء مستمد من بعض تعاليم السيد المسيح عليه السلام.

والحقيقة أنه فيما يتعلق بهذا القضاء فقد كان محل شك فيما لو علمنا أن المسيح نفسه قد قال أنه لم يُرسل قاضياً على الناس.

ثانياً: مظاهر أثر المسيحية في أحكام القانون الروماني

لم يتأثر القانون الروماني في “العصر العلمي” بالمسيحية نظراً لأنها كانت موضع اضطهاد كما ذكرنا إلا إنه منذ الاعتراف بها على يد الإمبراطور قسطنطين بمقتضى منشور ميلانو عام 313 والذي اعترف بها كديانة رسمية بدأت المسيحية في تأثيرها في النسيج القانوني الروماني ولعل تأثيرها الأبرز كان بطبيعة الحال في أحكام الأحوال الشخصية وهو ما نعرض له كالتالي.

مظاهر تأثير المسيحية في أحكام الأحوال الشخصية:

لقد أثرت المسيحية بالرغم من أنها ديانة اخلاقية في نشأة وتطوير وتهذيب بعض نظم الأحوال الشخصية بعد اعتبارها الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية ويتجلى تأثير المسيحية في مجال الأحوال الشخصية في التالي:

أ- استحداث موانع جديدة للزواج: مثل تحريم الزواج بين المسيحين واليهود وتحريم الزواج بين الفتاة والرجل الذي يعمدها.

ب- التشجيع على الرهبنة: وذلك بعد أن كان القانون الروماني يشجع على الزواج ولكن تحت تأثير المسيحية تم إلغاء هذه القوانين وأصبح باب الرهبنة مفتوحاً اتفاقاً مع المبادئ المسيحية.

ج- حظر الطلاق: فقد كان الطلاق منتشراً في الإمبراطورية الرومانية مما كان يبشر بفوضى اجتماعية بينما جاءت المسيحية ضد فكرة الطلاق إلا لأسباب محددة وفي نطاق ضيق للغاية.

د-في مجال السلطة الأبوية: غيرت المسيحية أساس حق السلطة الأبوية فلم تعد سلطة مطلقة وإنما أصبحت واجباً على الأب لحماية أبنائه ولم يعد مسموحاً نبذ الأبناء أو بيعهم كمان كان في السابق كما تقررت لهم حقوق في تركة الآباء أو ما عُرف بالتركة القانونية.

أما فيما يتعلق بتأثير المسيحية على قانون الأموال والالتزامات فقد خففت المسيحية من حدة الشكلية الرومانية التي كانت تحيط بالتصرفات العقدية وتَقرر للمرة الأولى تحت تأثيرها الاعتداد بالإرادة ونا يشوبها من عيوب كما نادت المسيحية باحترام العهود واحترام الإرادة والاعتراف لها بالقدرة على ابرام التصرفات وكذلك ربط الثمن بالقيمة واعتبرت الغبن سبباً لإبطال العقد وهو ما لم يكن مؤثراً على صحة التصرفات القانونية من قبل.

وأما بشأن الفوائد فقد كان القانون الروماني يعترف بالفوائد وكان سعر الفائدة يصل أحياناً إلى100%من أصل الدين وهو ما نبذته المسيحية وإن لم تستطع تحريم الربا كلية.

وأما بشأن أثر المسيحية في نظام الجرائم والعقوبات والنظام القضائي فقد تهذبت كثيراً النظم القديمة تحت تأثير المسيحية مثلما حدث مع جريمة الزنا الذي نتعرض له بشىء من التفصيل.

فقد كانت جريمة الزنا من الجرائم العامة،وكان قانون جوليا يعاقب عليها بالإبعاد والمصادرة. وعقوبة المصادرة كانت تختلف باختلاف ظروف المذنب ،فكان مقدارها يتحدد بنصف الأموال، إذا كان المذنب غير متزوج وكان مقدارها ثلث الأموال ونصف أموال الزوجة إذا كان المذنب امرأة متزوجة ويحرم الزوج المذنب من حقوقه في الدوطة ومن الهبات الصادرة إليه بسبب الزواج.

ويضاف إلى ذلك عقوبة الجلد إذا كان أحد المذنبين من الطبقات الدنيا من المجتمع.

وبعد وصول الإمبراطور “أغسطس” إلى حكم روما جعل عقوبة ارتكاب الزنا الإعدام ثم خفف “جوستنيان” العقوبة إلى السجن المؤبد نتيجة ما يراه أن يتوافق مع الديانة المسيحية التي تطالب بالعفة في العلاقات بين الجنسين.

وفي المقابل قامت المسيحية بتجريم بعض الأفعال مثل الكفر والإلحاد وغيرها. ولم يعد استعمال القتل دفاعاً عن المال جائز واقتصر هذا الحق على حق الدفاع عن النفس فحسب.

كما أثرت المسيحية في التنظيم القضائي عن طريق ما عُرف بالقانون الكنسي وهو القانون الذي وضعته الكنيسة ويطبق على رعاياها وترجع مصادره إلى القانون الطبيعي وقواعد العدالة والمبادئ الأساسية الواردة في الإنجيل.

ونستطيع أن نقول من كل هذا أن التقاء المسيحية بالقانون الروماني هو مثال واضح للالتقاء بين القانون الديني والقانون الوضعي وكيفية تأثير الأول على الثاني فالديانة المسيحية بلا شك كان لها تأثير كبير على القانون الروماني خاصة في مجال الأحوال الشخصية بما حملته المسيحية من أسس للأخلاق وقيم روحية مما كانت تفتقدها الشريعة القائمة آنذاك وهى اليهودية والقانون الأعظم في هذا الوقت وهو القانون الروماني. وصحيح أن الصدام بين الدين الذي كان يمثله الكنيسة والدولة قد حدث وكان الغلبة للكنيسة حقبة طويلة من الزمن حتى عصر ما سُمى بعصر النهضة الإ أن الأثر الذي تركته المسيحية من أثر التقائها بالقانون الروماني ظل باقياً راسخاً حتى ما ظهور تيار جديد اجتاح العالم فيما عُرف بالعلمانية.

لكن تبقى ظاهرة التقاء القانون الديني بالقانون المدني حقيقة مؤكدة.

بعد خمسمائة سنة تقريباً من هذا الالتقاء حدث التقاء آخر في حيز آخر من هذا العالم بين شريعة منزَّلة وأعراف قبلية تمتد عبر ربوع صحراء شاسعة يحتويها عصر سُمى ربما بشىء تنقصه الدقة “بالعصر الجاهلى”. وربما كان هذا هو الالتقاء الأكبر عبر التاريخ.

وللحديث بقية.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك