لماذا من يحاربون العلمانية يعيشون أو يرغبون بالعيش في دولة أوروبية ؟! بقلم: حمودة إسماعيلي

هناك التباس كبير حول اعتبار العلمانية توجها معرفيا يهاجم الدين ويحاول القضاء عليه، لكن العكس هو الحاصل. وهذا ما يمنع رؤية الدور الكبير الذي لعبته وتلعبه العلمانية في خدمة الدين بمختلف أطيافه. فلولاها لانقرضت الأديان على حساب دين واحد.. هذا إن لم ينقرض البشر! وليس هذا دفاعا عنها بقدر ما هو توضيح ووضع نقاط على الحروف.

العلمانية بأبسط وأوضح تعبير، هي فصل الدين عن الدولة، يخضع الافراد باختلاف معتقداتهم لدستور حيادي، يتم تقييمهم على أساس الممارسات الاجتماعية -سلبية أو إيجابية- وليس بناء على الانتماءات الفكروية. من ذلك، حرية الاعتقاد بأي شيء وممارسة الطقوس كيفما كانت ما دامت لا تمس براحة الآخرين ماديا أو معنويا.. مثل إزعاجات الجوار على سبيل المثال.

الآن لنفترض أن مبدأ علمنة الدولة غير موجود سياسيا، ما يعني أن الحكم للدين أو أي أيديولوجيا شبيهة به. طبيعي أن يقوم الدين الذي يملك أقوى ترسانة حربية بفرض مبادئه بالقوة والقضاء على الخصوم، وبحسب التطور التكنولوجي الذي وصله البشر بالعصر الحاضر، فإن الأكثر قدرة عسكريا وعُدّة، سيبيد كل المخالفين، وبهذه الحالة لن يوجد على كوكب الأرض سوى المسيحيون.

إن الدين يتأسس على فكرة الصراع واقتراب نهاية العالم، فأول ما سيقدم عليه عندما يمتلك المقومات الحربية هي غزو الآخرين وقلب معتقداتهم أو إبادة كل المخالفين وتحقيق نبوءة معركة هرمجدون التي سينتصر فيها المؤمنون على كل الروحانيات الفاسدة. لكن الفكر العلماني هو الذي حصر الرؤى الدينية بزواياها الطبيعية لإنعاش الرؤى الإنسانية التي تخدم مصلحة الكل.. إن لم تكن كذلك، فليسأل المتدين نفسه لماذا يتزاحم المتدينون بباريس ولندن وبرلين بدل قندهار أو إسلام آباد.

عندما يجد المتدين أن دولته لا تحترم المواطن، يفر للدول العلمانية، ليبدأ بشتم العلمانيين والمتعلمنين والملحدين (وسذاجة الموقف أنه يربط هذه الأطراف بالصهيونية رغم أن هذه الأخيرة منطلق ديني!!)… وسخرية المشهد أن هذه الفئة الصهيو-علمانية هي من تظل تدافع في دولته -التي فر منها بجبنه وطمعه ونفاقه- على تثبيت القيم التي ستصعد بها لمصاف الدول التي يختبأ فيها المتدين المنافق الجبان، الذي يناظر في الأخلاق وشتائمه تفضح زيفه، ويحض على الجهاد وهو نفسه غير قادر على شيء غير الثرثرة والاحتماء بالعلمانية التي ضمنت له حق التعبير والعيش الحر عند من كان سيسبيهم لو انقلب الموقف، لكنه في موقف الضعف يراهم أهل الكتاب الطيبين أبناء العمومة.

قمة التخلف، تجدها عند المتدينين الذين يصيحون من الدول العلمانية بالشتائم على أبناء جلدتهم لأنهم يريدون علمنة مسقط رؤوسهم والتخلي عن مبادئ الدين في الحكم والتسيير.. أنت بالأصل تتغذى من/وفي بيئة علمانية “اختشي على روحك” كما يقول المصريون.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك