أحمد خالد توفيق – بقلم: أحمد حلمي

“البقاء لله … اللهم أغفر له وارحمه!” هذا أول ما تبادر إلى ذهني أن اكتبه عندما تأكدت من الخبر المحزن. لكني توقفت لحظة، وسألت نفسي، هل مقدار هذا الرجل (مقداره الموضوعي، ومقداره الشخصي) تكفيه هذه الجملة. كانت الإجابة بالطبع لا، وعلى مدار الثمانية عشر ساعة التالية اخذت تنهال على ذهني عبرات ومواقف الرثاء التي أستطيع قولها في ذلك الرجل. متزامنة مع سيل من التعازي والمواقف والشهادات والرثائيات المنهالة في حقه.

أحمد خالد توفيق، الكاتب الأكثر شهرة في بلده، الأكثر مبيعا، العراب، المعلم. أحمد خالد توفيق الكاتب الاستهلاكي، الكاتب الشعبي، الـ”ليس” أديب، كاتب المراهقين، …. . كل هذه الألقاب والصفات تلاحق الرجل طوال حياته. في هذه اللحظة – وفي غيرها كثيرا – لست معنيا بكل هذه الألقاب والأماكن الموضوعي فيها الرجل. ما يعنيني الآن هو مكانته الحقيقية لدي.

أحمد خالد توفيق أراه اليوم علامة فارقة ونقطة تحول في مسار عدة أجيال متلاحقة. مواليد الثمانينات والتسعينات وبداية الألفينات. كان سوق الكتابة ويتبعه القراءة يمر بكساد رهيب. لا أحد يقرأ. كانت هذه المقولة حقيقة شبه مطلقة وقتها. الآن أصبحت مقولة غاية في النسبية ومبتدأ ينقصه خبر متمم وشارح. لكن وقتها كانت جملة خبرية مكتملة الأركان. بدء الأمر بسلاسل أدب للشباب – يجب ملاحظة هذا التعريف  والتقف عنده وتأمله طويلا – كان لها عدة نجوم أختفى أغلبهم حاليا وانطلقوا في سبل آخرى داخل المجال الكتابي وخارجه. ولم يبقى من فرسان هذا المضمار غير إثنين. فارسنا النبيل هو أحدهم وأفضلهم.

ماذا فعلت هذه السلاسل في الشباب. مع العلم أن تعريف الشباب هو التعريف الأكثر اختلالا في بلادنا. فسن الشباب، أو تعريف الشباب يطلق على جزافا بدء من سن الخامسة عشر حتى الخمسين. لذا وطبقا للواقع يمكن تحديد الشباب المستهدفين في هذه السلاسل من سن الحادية عشر حتى واحد وعشرين عاما. فماذا فعلت هذه السلاسل بهم. أول الأمر علمتهم فعل القراءة. وهو أمر في بلادنا لا يعلم لا في مدرسة ولا في منزل ولا دار عبادة. أتحدث هنا عن الأغلبية العظمى. قرأوا وتوحدوا مع أبطالهم الخارقين بمقاييس عالمهم. حتى جاء الفارس النبيل الحزين على حماره الأعرج وحطم أسطورة البطل الخارق كامل الأوصاف. ليقدم لنا ابطال عاديين للغاية. يتعرضون لأهوال ومصاعب وينجون بمنطق أو ينجون بمحض الصدفة المفتعلة. لم يهمنا كثيرا في ذلك الوقت. المهم هو نجاتهم. ومتعتنا في القراءة. والمهم الآن ما تسرب في ذهننا من معلومات في هوامش تمتلئ بها تلك الكتيبات طوال الوقت. هذه المعلومات شكلت الدفعة الأولى لشغف المعرفة لدى هذا الجيل. اعطتنى فكرة ان العالم أوسع مما نراه في البيت والمدرسة وذلك الصندوق السحري المليئ بخيوط العنكبوت المسمى بالتلفزيون (هذا قبل دخول الكمبيوتر والانترنت كل منزل وغرفة).

الآن وقد انتقل الرجل إلى عالم آخر، والحقيقة قبل انتقاله أيضًا يتهم بالسذاجة والاستسهال. هذه حقيقة، كتابات الرجل سهلة، وبسيطة، لكنها ممتعة. لكن هل هي فارغة. لا تحمل فكرة أو مضمون أو رؤية. كل من ينكر ذلك أستطيع وبكل أريحية أن اخرج له … مسدسي وألوح به ليصمت حتى أرحل من أمامه. أؤكد مرة ثانية أن حديثي يدور حول مدى أهمية توافق هذه الكتابات مع فئتها المستهدفة. ومدى نجاحها في صناعية وعي كل تلك الأجيال، ومساهمها مع غيرها من العوامل في إحداث الفارق الكبير لدى هذه الأجيال عن سابقتها. وما ترجمت إليه من أفعال قام بها هذا الجيل كانت نقطة تحول في مسارات تاريخية وسياسية لا نزال نعيش في خضمها في الوقت.

سأنتقل إلى نقطة تخص هذا الرجل وكتاباته قد تثبت مدى أثره علينا كجيل كامل. لا أحد ينكر مدى سوداوية وإكتئاب هذا الجيل بعد ما تعرض له من خيبات إحباطات عدة. وبالنظر لهذا الرجل كطبيعته الشخصية طبيعة كتاباته. نجد توافق كبير بين هذه النظرة التشاؤمية لدى الأجيال الحديثة، وبين كتابات أحمد خالد توفيق المليئة بالسخرية السوداء، والنظرة التشاؤمية والإحساس بالدونية وجلد الذات لدى كل أبطاله. كل هذه السمات الموثقة في أدب أحمد خالد توفيق تحولت إلى ثقافة عامة لدى الأجيال المذكورة بشكل لا يخفى على أحد. هذا في جانب من جوانب أثر الرجل علينا. مما يؤكد بالغ أثره علينا في الكثير من الجوانب. أختم حديثي عن أهمية الرجل وما يمثله بمقولة عامة كنت قلتها في جمع من الأصدقاء ولم نتوقف عندها في تلك الجلسة، حيث كان الحديث يدور حول الأدب الشعبي والأدب الحقيقي. فتسألت لماذا لا نتوقف أمام هذا الأدب الشبعي ونتأمله وندرسه بما أنه الأكثر قراءة فهو بالطبع الأكثر تأثيرا على الوعي. وأظن ان هذا التسأول قد يفتح مجال كبيرا للتغير والنقد في كافة مجالات الفنون لو أخذ بعين الاعتبار وعلى محمل الجد.

نعود للفقيد العزيز، في آخر لقاء تلفزيوني له أعترف الرجل بأن له مريدين ودروايش (بتعبيره الشخصي) وهؤلاء يقبلون منه كل شيء ويضعون كل ما يقول أو يفعل خانة العظمة. وهو نفسه ينكر تلك العظمة عن نفسه. لكن عندما سألت نفسي عن سر عظمة الرجل الحقيقية، تبين لي أنها لا تكمن في أدبه، بل في أفكاره. هو عاشق للكتابة والأدب وقارئ نهم ومثقف حقيقي. وعندما توقفت عن قراءة سلاسل أدب الشباب التي يكتبها، لأم أتوقف عن قراءة مقالاته وروايته الأخرى، سوى بدافع الحد من كمية التشاؤم السوداوية التي أتعرض لها في حياتي، في محاولة للنجاة من وحش الإكتئاب شبه المزمن. لكن كل فترة وأخرى احن إلى صوت ذلك الرجل الهادئ المرتعش المليئ بالشجن. احن إلى كلمات اتماس معها في مخاوفي أحزاني ونظرتي العدمية الهزلية للعالم والحياة.

هذا هو أحمد خالد توفيق يا سادة. رجل حزين مهموم مثلنا. غير واثق في نفسه بالحد الكافي. متشكك في ذاته قبل أن يتشكك في العالم. يبحث عن الراحة طوال الوقت ولا يجدها. هكذا كان وهكذا نحن. بالقطع رجل مثل هذا يجب أن نحبه، ونستمتع بما يقص علينا من كلمات حتى إن كان هناك من هو أفضل منه في صناعة وقص الحكايات. هو فارس نبيل رغم ما كل يصدره لنا من صور ضعفه الإنساني والنفسي. يكفيني بشكل شخصي هو وفائه لمبدائه طوال الوقت. فمواقف الرجل معروفة في كل ما مر من أحداث. موقف آخر يزيدني إعجابا بهذا الرجل وثوريته الفكرية. في أحدى أحداثيه التلفزيونية عن الكتابة والأدب كان تصريحه حول بدايته وصعوده ككاتب أنه لم يرغب في السير في الطريق المعروفة المرسومة للكتاب والتي على حد قوله تبدء من الحديقة الخلفية لأتيله القاهرة. وأنه سلك طريق آخر بديل، متصورا أنه سيكون أحد المهمشين. لتنقلب ألآية ويصبح هو ملئ السمع والبصر والآخرون هم من يتباكون طوال الوقت باعتبارهم من المهمشين، سواء من الاهتمام الاعلامي، أو دور النشر، أو حتى القراء. فاختياره للطريق البديل والتعامل المباشر مع الجمهور كان احكم وأهم اختيار في حياته، صنعه هذا الأختيار وصنع جيلا يمتلك وعيا أكبر وفتح بابًا للتغير الأوضاع الراهنة المزرية.

من سوء حظي أني لم أراه رأي العين سوى مرة واحدة في حفلة توقيع له. وكنت أقف على بعد عدة أمتار قليلة منه. ومنعني ألم ساقي وظهري من الأنتظار حتى نهاية الحفل وإلتقاط صورة أو بضع كلمات معه. كانت هذه أكثر مرة أقتربت فيها من الرجل النبيل. إلا أن الجميع يشهد له بالخلق الرائع والجمال الإنساني الفائق، ولا أجد أي مدعاة للشك في ذلك. فمن يكتب بهذه الطريقة الحزينة الهشة الساخرة لا بد من أنه يمتلك قلبا رقيقا ضعيفا، وانسانا يعاني للبقاء على قيد انسانيته.

الأن بعد أن طال رثائي للرجل، حان وقت ان اذكر أكثر مواقفي معه حميمية. ففي ابريل 2011، نفس توقيت نجاته من الموت للمرة الاولى. والتي يتندر بها حاليا بعض المتنطعين ممن لا يعجبهم حزن الناس عليه،  ومحبتهم له. في ذلك التوقيت بينما هو يرقد طريحا للفراش والمرض في المستشفى على بعد عدة كيلومترات قليلة من منزلي – ولم أكن اعلم وقتها ما يحدث  له – كنت أنا اتعرض لواحدة من أعنف ازماتي النفسية والعاطفية التي احتاجت إلى سنوات للشفاء والتجاوز. كنت قبل هذا التاريخ بعدة أشهر قد قرأت له مقال قصصي بعنوان “برعم الوردة” يتحدث فيه عن فقدان الحب، وكيف أنك إن فقدت حبك الحقيقي مرة واحدة لكن يغنينك عنه أي شيء آخر حتى نهاية حياتك. وفي ليلة الأزمة -الساعة الثالثة فجرا- وجدتني ابحث عن هذه الكلمات الحزينة وأنا ابكي. اقرأها واعيد قرأتها مرات ومرات وابكي أكثر في حضن مقاطعها التي أعرف أنها تمثلني وستشكل مصيري وطريقة حياتي لعدة سنوات قادمة ومنها:

“عندنا في العامية المصرية نقول: “اللي ما شبعش على طبلية أبوه عمره ما يشبع”.. وهو يفسر حالة الجوع النهم لدى كل هؤلاء المليارديرات الذين يملأون المجتمع المصري اليوم ولا يشبعون من النهب أبدًا .. السبب ببساطة أنهم لم يشبعوا في طفولتهم
ينطبق الكلام على المال
ينطبق على الحنان
ينطبق على الحب”

وأتوحد تماما مع خاتمتها العبقرية القاتلة:

“لماذا يتذكر هذا الآن ؟.. منذ ذلك الحين كف عن كتابة الشعر .. اكتسب هذا الاكتئاب الساخر مع تلك اللمسة المتعبة التي يعرفها كل من قابله .. إنه يتذكر .. كان هناك حب حقيقي حريف في حياته وقد اكتملت عناصره، لكنه ضاع للأبد … ربما يشعر بدنو النهاية .. ربما يهمس وهو يرى عباءة الموت تظلل عينيه: برعم الوردة .. روزباد … عندها لا تتساءلوا كثيرًا يا سادة

مهما حقق صاحبنا من نجاح أو انتصار .. مهما شاب شعره … مهما اكتسب من حكمة .. فهو لم يتذوق الوجبة الوحيدة التي اشتهاها حقًا”

وأخيرا، لا استطيع منع نفسي من نعيك بطريقتك الساخرة السوداء التي تعلمتها منك فأصبحت جزء من تركيبتي الكلامية. فاستعين بمقولة فؤاد المهندس بتصرف وأقول ” الله يرحمه، كان مُحزِن وهي عايش، و مُحزِن جدًا وهو ميت”.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك