لماذا أجلى عمر بن الخطاب اليهود والنصارى من المدينة؟ – بقلم: سامح عبد الله

” وأصر عمر بن الخطاب ألا يترك بجزيرة العرب دين وقد أصبح للعرب في شبة الجزيرة العربية كلها دين واحد ارتضوه في عهد رسول الله ”

فهل كان في ذلك شىء من عنصرية؟!

اتسعت رقعة الجزيرة العربية وأصبحت تخضع لعاصمة موحدة مقرها المدينة ولحاكم واحد هو عمر بن الخطاب..
اتحدت رقعة البلاد من شمال شبه الجزيرة إلي جنوبها وأصبحت لها عقيدتها وسياستها.. فأما الأولى فكانت الإسلام وأما الثانية فكانت من عمر وما صنعه من أدوات حكم امتدت إلى كافة شئون الدولة العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
لكن شىء هام يبدو جلياً فوق السطح ويطرح نفسه بإلحاح ألا وهو حقوق الأقليات..!

دعونا نتكلم عن واقع.. كان الإسلام قد تجاوز حدود الانتشار في هذه البقعة ولم يدخل فيه إلا هؤلاء ممن يصدق عليهم وصف الأقلية.
ولا حرج أبدًا في استعمال هذا الوصف الذي يجد له سنداً مما هو قائما الآن في العصر الحديث ، أوربا مثلا ورغم أن كافة دساتيرها تؤكد علي حقوق المواطنة ماتزال تري أن وصف الأقليات هو الوصف المناسب لبعض التجمعات العرقية والدينية ، وهكذا كان الحال بعد أن توحدت شبه الجزيرة العربية كما أشرنا وأقيمت بالإسلام
ولم يبق سوي يهود المدينة ونصاري نجران فقد اختاروا أن يظلون علي دينهم رغم هذا المد الإسلامي الذي أشرنا إليه.

ما الذي كان متوقعاً من رجل دولة مثل عمر إزاء هذا الأمر هل يظل بشبه العربية أكثر من دين أم ماذا يصنع وهل تقوم سياسته الداخلية علي مبدأ المواطنة كما هو اليوم في العصر الحديث أم أن لدولته شكل آخر وهل تقوم الهوية علي التعدد كما هو قائم اليوم أم أن لهوية دولته صورة أخرى هل كان يقبل عمر تعدد ثقافي أو حضاري أو عرقي إلي آخر هذه المصطلحات التى ولدت مع العصور الحديثة أم أن العقيدة الدينية المتمثلة في الإسلام ستختزل كل هذا في الإسلام ذاته؟!

في الحقيقة لو تخيلت إجابة بسيطة وللوهلة الأولي ستكون بنعم… نعم عمر يقبل كل هذا وأكثر.
صحيح أن هذه المصطلحات لم يكن لها وجود في حينه لكن شخصية عمر وأسلوب إدارته يعطيان للمتأمل في تلك التساؤلات هذه الإجابة.
فلم يذكر في تاريخ دولته أنه فرق بين مسلم وغير مسلم بشأن الأمور المدنية التى تدار بها دولته. كان الخطاب عاما كما هو خطاب المواطنة اليوم عند الأمم المتحضرة بل كان أعظم وسنرى لاحقاً كيف أقام الدنيا علي حاكم مصر عمرو بن العاص وابنه عندما أهان الأخير قبطياً استناداً إلى سلطان أبيه وكيف أنه أمر برد السبايا من أهل الردة إلي عشائرهم وكيف أنه عزل قائد مثل خالد بن الوليد لأنه رأى أنه خرج في عدة مواضع عن أصول دولته وسياسته والأمثلة على ذلك كثيرة..!

لكن الإجابة رغم ذلك قد تكون صادمة على الأقل عند الوهلة الأولى!
فعمر يأمر باجلاء نصارى نجران عن شبه الجزيرة العربية وهم الجمع الذي كان يمكن أو يوصف بالأقليات في وقته.
كان النبي صل الله عليه وسلم قد عاهدهم علي العيش بسلام بشبه الجزيرة كل علي دينه وكان خليفة رسول الله أبو بكر قد عاهدهم علي ذلك أيضا.
فما الذي حدث مع عمر وهل أراد أن يخرج بسباسته عن هذه السياسة أم أنه لم يقبل هذا التعايش بين دينين أو هويتين..أم ماذا؟!

تقريبا لم يؤخذ علي عمر موقفاً من المستشرقين أكثر من موقفه بإجلاء نصارى نجران وأيضاً من بقي من يهود المدينة إلى بقعة أخري غير بقعة شبة الجزيرة العربية التى سادها الإسلام، والحقيقة أن ظاهر هذا الأجراء يبدو واضحاً لاسيما أمام بعض المستشرقين بأن به شىء من “عنصرية ” نري أنها أبعد ما تكون عن حاكم مثل عمر..!

فما الذي حدث إذن وكيف لرجل طبق الإشتراكية بمفهوم أكثر سعة وطبق والليبرالية بمفهوم أكثر تحضراً وطبق العسكرية بمفهوم أكثر انسانية وطبق العدل بمفهوم أعظم شأنا وطبق العدالة الاجتماعية بمفهوم أنبل..كيف لمثله أن ينزلق لمثل هذا الوصف؟!
وما الضرر في أن يبقيدى بالجزيرة العربية من لم يدخل في الإسلام.. وما هو الخطر في بقاء أقلية وسط مجتمع الأغلبية..
أوليست حرية العقيدة من دستور الإسلام بل أننا يمكن أن نقول وبلغة معاصرة أليست هذه الحرية من القيم فوق الدستورية التي لا يمكن أن تكون محلاً لمراجعة أو قيد؟!

والرأي عندنا أن الذي حدث كان بعيد كل البعد عن هذا الوصف البغيض “العنصرية”
ولم يكن مبعثه أبداً خوف من دين أو من ثقافة أو من هوية غير إسلامية ولسنا لدينا مانؤيد به رأينا سوي دولة عمر نفسها وسياسته لا غيرها.

ظل يهود المدينة علي ديانتهم.. وظل نصارى نجران على سياستهم رغم اقليتهم.
وسنري عند الحديث عن فتح مصر أن أقباط مصر ظلوا على ديانتهم وظلت كنائسهم وأديرتهم باقية حتى اليوم لم تمس ولو كان عمر قد أراد أن يقضي علي ثمة دين غير الإسلام لكان قد فعل. ولو كان قد دخل في حرب مع مختلفي أو الهوية ما أبقى على أحد منهم وكان قد ارتكب ما فعلته أمم حديثة جاءت بعده مما سُمى تطهيرا عرقيا..!

ربما كان هذا الرأى الذي يتفق وقناعتنا فعمر أراد ألا يفتن هؤلاء عن دينهم إذا بقيوا كأقلية بين ربوع دولة بلغت حدودها في عهده مناطق غير عربية وورثت امبراطوريتين عظميين هما فارس والروم.

يقول الدكتور محمد حسين هيكل في الجزء الأول من مؤلفه الفاروق عمر.. “وتصرف عمر في هذا الأمر خليق بالحمد ، غير خليق بالتحامل ولا باللوم فقد كان أول ما أوصى به ألا يفتن نصارى نجران عن دينهم وأن يدع لهم الحرية كاملة في البقاء عليه أو التحول عنه إلي الإسلام وأن يعطيهم أرضاً كأرضهم خارج شبه الجزيرة. بذلك لا يظلمون ولا يصنع معهم إلا ما تصنعه الدول المتحضرة اليوم، إذ تنقل أهل جنس من الأجناس إلي حيث تقيم كثرة من بنى جنسهم وحيث يأملون أن يضرهم الاختلاف في الجنس مع جيرانهم أشد مما يضر الكثرة الضخمة القائمة من حولهم”

فلم يكن إذن (على ما نرى) أنه ابعاداً قسرياً أو تهجيراً خوفاً من عقيدة أو اعتقاد فلم يكن عمر من هؤلاء الذين يرون في التعدد ما يبعث على الخوف والاضطهاد بل أن التاريخ يقول لنا أن هذا الرجل قد أدرك بسبق زمني قيمة هذا التعدد الثقافى وهذا التنوع العقائدى وكان دوماً رؤيته للنصوص حتى القطعى منها رؤية تخترق الحاجز وتتعدى عصور حتى أننا اليوم لا نكف عندما يأتى الحديث عن عام الرمادة وعن تعطيل حد السرقة وعن المؤلفة قلوبهم وحجب الزكاة عنهم أن نقول هكذا فعل عمر وكأنه كتب دستوراً صالح لزمن لم يشهده ولأمكنه لم يطأها.

هذه هي وجهة النظر بكل موضوعية ونهجنا دائماً هنا عندما نتحدث عن عمر وكما قلنا مراراً لا نتحدث هن نبي أو رسول أو قديس إنما نتحدث عن عمر القائد الذي بلغت الدولة الإسلامية في عهده ذروتها من حيث تأثيرها وقوتها وسلامة بنيانها ، والأمر في النهاية ليس به خطوط حمراء يجب ألا نقترب منها فنحن نناقش عمل بشري يحتمل الصواب والخطأ وعمر كسائر البشر يصيب ويخطئ ولا نجزم برأي به جدل ولا نصل إلي مرتبة اليقين في شىء غير عقائدي إنما نتيح للبحث القدر الرحب الذي تنطلق فيه الفكرة بلا حدود كطائر حر طليق له حرية الاختيار في أن يحدد أين يتجه دون بوصلة تحدد له اتجاهه سوى قناعته هو!
وللحديث بقية..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك