كيف ناجى “بيتهوفن” الله فى السيمفونية التاسعة؟! – بقلم: سامح عبد الله

يروى أحد أصدقاء بيتهوفن أنه فى صباح صيف ١٨٠٢ استرعى التفات صديقه إلى راع فى الغابة يعزف على ناى من قصب ألحاناً شجية فأبدى بيتهوفن جهداً شاقاً لكى يسمع شيئاً لكنه لم يستطع ورفق به صاحبه فتظاهر أنه لا يسمع هو الآخر وأن صوت الراع بعيد للغاية لكن بيتهوفن عرف الحقيقة..عرف أسوأ حقيقة يمكن أن يصاب بها موسيقى مثله.

لقد عرف أنه أُصيب بالصمم فدخل فى حزن عميق.

ربما كان قد أحس بأنه مقبل على هذا المرض لكنه الآن يُواجه به الأن كأقسى ما يمكن أن يواجه شخص مثله.
فى الواقع كان الراع يعزف وكان صديقه يستمع أما هذا الشخص الذى يعد أروع من الف موسيقى كان وحده الذى لا يسمع!..
بعد هذه الفاجعة قال بيتهوفن: ” ومثل هذه الحوادث كانت تلقى بى على أعتاب اليأس وكادت تغرينى بأن أضع حداً لأ يامى!..ولكنه الفن وحده هو الذى أبقى على حياتى..إنه ليشق علىَّ ترك هذا العالم قبل أن أعطى كل ما أحس داخل نفسى من مخلوقات لم تزل بعدُ فى طور التكوين!..آه أيتها القدرة الإلهية!..إنك لترين من عليائك ذلك القاع السحيق فى أعماق قلبى!..إنك لتعرفين أنه عامر بحب الإنسانية والرغبة فى عمل الخير”!..

ثم تابع..” الفضيلة هى التى كانت سندى فى محنتى واليها وإلى فنى يرجع كل الفضل فى أنى لم ألجأ إلى الانتحار”

عاش بيتهوفن إذن فى ظلام السكون لكنه قدم رغم ذلك للعالم معجزته الموسيقية “السيمفونية التاسعة”
لقد تكلم بيتهوفن إلى العالم..خاطب الناس أجمعين لكن ليس كخطاب الفاشست المتاجرين بالدين والسياسة وبسزاجة المغيبين بل لقد غيَّب الشر فى نفوس الناس عندما ارتفع بهم بموسيقاه فوق المادة.
اكتفى الرجل بنعمة البصر واستبدل البصيرة بالصمم.

لقد عُثر على أوراق كان كتبها عند تأليف سمفونيته الخالدة وكأنه استوحى الموسيقى من الكلمات يقول فيها ” ياربى القدير على كل شىء، إنى أحس البركات فى هذه الغابات، هنا كل شجرة من هذه الأشجار تسمعنى صوتك!..يالها من روعة أيها المولى العظيم!..هذه الأحراش وهذه الوديان تفوح برائحة الهدوء والسلام!..هذا السلام الذى لا بد لنا منه لتستطيع أن نتفانى فى خدمتك!..

أما المؤلم حقا فهو عندما يقول:” لقد حاولت أن أتجاهل أحياناً ما نزل بى ولكن التجربة المؤلمة كانت تذكرنى دائماً بأنى فقدت السمع ومع ذلك فإنى لم أستطع أن أتجرأ مرة وأقول للناس:تكلموا بصوت عال!..صيحوا..إنى أصم !..كيف أعترف بهذا وأعلن للناس ضعف حاسة كان ينبغى أن تكون عندى أقوى مما عند جميع الناس!..حاسة كنت أملكها فيما مضى على أكمل وجه وأدق تركيب وأرهف شعور مما لم يتيسر مثله إلا لقليل غيرى من الموسيقيين!..

أما الكلمات المصاحبة لهذه السيمفونية فتقول:

قفوا متعانقين!..
أيها الملايين من البشر!..
أيها الاخوة!..
إن فوق النجوم رباً!..
حبيباً إلى القلوب!..

يقول توفيق الحكيم في وصف السيمفونية التاسعة عندما أستمع إليها وإلى الكورال المصاحب لها فى مسرح “شاتليه” فى ثلاثينات القرن الماضى :

“فكأنما أستار السماء قد انفرجت ليصل إلى آذاننا غناء الحور والملائكة مجتمعين فى جنة الخلود يلقون نشيد الفرح،ذلك القبس الإلهى، فرح الأنفس التى تعيش فى “الله”

فى خريف العام الماضى ذهبت إلى فيينا أنا وصديق وقلنا ما دمنا هنا فى بلد الموسيقى فلا يصح أن نبرح هذه المدينة دون أن نذهب إلى الأوبرا، ويالا الروعة عندما تجلس مشدوهاً وأنت تستمع لذات السيمفونية والكورال المصاحب لها وأنت لا تعلم ما إذا كان الزمن قد عاد بك إلى قرن مضى أم أنه يسبح بك فى فضاء غير متناهى ليلقيك وسط غفوة لا تسيقظ منها إلا عندما يلهبك تصفيق الحضور.

لم نجد مكاناً غير “لوج” مشترك مع رجل خطى به العمر مبلغاً وزوجته التى ما تزال تتشبث ببريق إمرأة جميلة ورأينا كيف كانا وهما يستمعان إلى هذا السحر القادم من عالم آخر وكأنهما ولدا حبيبين إلى الأبد!..

هكذا تفعل موسيقى بتهوفن..إنها تتفاعل مع مشاعرنا فتحيلنا إلى كائنات غير ما نعلمه عن أنفسنا، ولما لا وقد ناجى صاحبها ربه عند كتابتها..ولما لا وقد استحضر كل الجمال بداخله فخرجت هكذا يسمعها العالم كله فى إشارة إلى عدالة الله!.. لقد استمع العالم كله سمفونية هذا القلب العظيم عوضاً عن صممه ويالها من عدالة!..

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك