الميتافيزيقيا بين الألم والإيمان – بقلم: عبد العزيز ولي

تزداد حاجة الإنسان إلى الحلول «الميتافيزيقية»؛ باستمرار ضغط الرغبات، بالتزامن مع ازدياد «الْعَجْزِ الفكري» في إشباع «دَوَافع اللاوعي»، وهذه أقرب ماتكون إلى خُدَعَة «الحُلْم» التي يُمَارِسَها العقل؛ للتخفيف من ضغط الرغبات المكبوتة.

كُلَّما ازدادت المَعْرفة الإنسانيَّة بأصل فعل شُرُوري ما، مع عدم امتلاك آليَّة لمنعه؛ تزداد المأساة. وبِما أنَّ «الحاجة الغريزيَّة» للإنسان تدفع باللاوعي إلى مَنْع تَكْرار واستمرار المعاناة؛ يؤدي بالعقل الواعي إلى أنْ يبحث في الأسباب، محاولاً إيجاد تْرِياق ينقذ الإنسان من براثن الألم. إلَّا أنَّ هذا الأمر بذاته؛ يؤدي بصِدامه مع فَيالِق فكرية أكبر، والَّتي بدورها تَفتح أبواباً أكثر، وتَنْفَلَقُ منها تساؤلات أعقد وأعمق.
رُبَّما في الكثير من الأحيان يُعَدُّ هذا الأمر شاقٌّ جداً، كارثة مهولة، مصدراً لليأسِ والهَلَع! عكس ما يتمناه الإنسان؛ لذا، يحاول أنْ ينسف هذا العَجْز الفكري، ويعوِّضه بالإيمان في الحلول الميتافيزيقية، على أقَلِّ تَقْدير، في طَّوْرِ الانتفاخ الرهيب لنطاق التساؤلات، وتَرَاشَقُها كالسكاكين في كهفه الذهنيّ.

فِكرة الإيمان بالحلول الميتافيزيقية وأخذها ثُقْباً للنجاة، يجب أن تُقتلع وتُباد؛ لأنَّها، تؤدي إلى اعتماد «السَّعَادَة» كحالة أصل، وخلق تَفَاؤُل وهميّ؛ الَّذي يسبب تكاثراً أكبر للمعاناة عِند اصطدامه مع الواقع. هذا الإيمان يمنع التَصَالح مع الواقِع، ويحضُّ على التَقَوْقُع في عالم الخيال، والاِنفصال عن الواقع؛ بالإضافة لتشجيع العقل على الركود، الكسل الفكري والهروب من المَعْرِفة، وصولاً لإغلاق كُلّ السُبُل أمام الحلول الواقعيَّة الممكِنة…الَّتي تؤدي إلى السَّعادة الفعليَّة بشكل ما.

لَعلَّ نيتشه كان حكيماً معتَّقاً، عندما قال: «تريد ألماً أقلّ؟ اِنْكَمِش إذاً وكُن جزءاً من القطيع».
ذلك لأنَّ لاشيء مثل «الألم»؛ يؤدي إلى اللامُبالاة، ثمَّ، «اللاتَّبَعِيَّة»، الَّتي تبدأ من تحرُّر الإنسان من كُلِّ القيود، وسحق عظام كُلّ «الديناصورات الفكرية»، الَّتي تتربَّع على عَرْشِ «التَّفَكير النَّقْدي» وتُقيِّد حركته. ولأنَّ لاشيء يُطَهّرُ الإنسان من القذارات، مثل الألم؛ حَتَّى يغدو كالزجاجة، بمقدور أي شعاع باهِت الوُلوج إليه، وفي الآن نفسه، تتمكَّن إنسانيته من التمرُّد، لِتَتَمدَّد وتصل إلى الأَعماق، ثمَّ، تُحَلِّق كالشبح، وتلتقط «الشُّعُور» في أماكِن وآفاق أبعد من الإنسان ذاته. وهذا(التَّفْكير النَّقْدي، الاِسْتِشْعَار عن بُعد بالأَرْوَاح) أعْظَم ما قَدْ تهبها الطبيعة للإنسان، لإِنْتاج المَعْرفة الثاقِبة والرَصينة! مادامت إرادة الحياة قائمة.

ألف صَّلاةٍ مقدَّسة وألف دُّعاءٍ نقيّ، لَن ينجب تغيُّراً في الواقع ولايُنْقذ الإنسان من مخالبها، كما يقول دستويفسكي: «مائة أرنب لاتصنع حصاناً، ومائة شُّبْهة لاتصنع برهاناً!».
كُلُّ ما في الأمر أنَّها مخدِّرات مُؤَقَّتة وأَدْوِية وهميَّة!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك