الأدائية: “بعد” ما بعد الحداثة، فرانكشتاين في بغداد إنموذجاً – بقلم: رنا فرمان محمد

الأدائية: “بعد” ما بعد الحداثة، فرانكشتاين في بغداد إنموذجاً

مقدمة

لطالما تأتي الدراسات متأخرة تزامناً مع تأخر وصول مفاهيم التيارات الفكرية ، فلا زلنا مقبلين على كتابات ودراسات فكر بعد الحداثة لنجد دراسات تنبئ بنهاياته ، بل توجه نقدها صوبه ، إلاَّ أنَّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ؛ ترى ما هي النقود التي يتلقّاها هذا الفكر الذي يُشظِّي المفاهيم ويعبث باليقينيات الفكرية والآيديولوجية ويخترقها وينادي بنسبية الحقائق وزيف المطلقات ، فإنَّ بعد الحداثة في ( رفضها الشمولي للشمولية والمستبد للإستبداد )( ) نجدها تضع نفسها في الزاوية الحرجة ذاتها لما جاءت ثائرة عليه وهي الآيديولوجيات الحداثية ، فهي في ذلك تطلق أيضاً أحكامها الصارمة في رفض الشمولية والسرديات الكبرى لتحل بذلك بديلاً لمطلقات ويقينيات الآيديولوجيا . إذ يبدو أنَّ ما بعد الحداثة لن تفلت من المصير الذي أوصلت إليه سابقتها الحداثة ، ويبدو أن عدوى الموت الذي أصبح أشبه بالترنيمة لمنظّري ما بعد الحداثة قد انتقل إليها وها نحن نلحظ اليوم المشهد الثقافي الغربي قد أوشك على أن يهجر متبنياتها بشكل كبير إن لم يكن كلّياً .

وعبر التقصّي لمفاهيم الفكر بعد ما بعد الحداثي ، نجد من الممكن أن نسم ظهور طلائع هذا الفكر في أواخر التسعينيات بأنَّه ظهورٌ متروّي بمفاهيمه ، بعيداً عن فورة بعد الحداثة على سابقتها ، تلك الفورة التي جعلت منها أكثر إطلاقاً وصرامةً ويقينيةً من يقينيات الحداثة . نجد بحسب الناقدة أماني أبو رحمة أن النموذج الفكري الغربي أخذ بمغادرة ما بعد الحداثة منذ تسعينيات القرن الماضي فضلاً عن إنّهُ هجر تقنياتها وتطبيقاتها التي أصبحت مُستنفَدة ومتوقّعة بحسب دراساتهم الحديثة ، إلى الحد الذي أصبح من الممكن الحديث عن نهاية ما بعد الحداثة بوصفها حالة ثقافية ملكت حضوراً فاعلاً في الساحة الغربية ، فلا غرابة إذن من سماع صرخات منظّري ما بعد الحداثة “كأيهاب حسن ، وليندا هيتشيون ، ووليم غاس ، المفعمة بالضجر : دعونا نقول فقط انتهى”( ) والمقصود ما بعد الحداثة .

وقد ظهر فكر بعد ما بعد الحداثة / البديل باتجاهات ومصطلحات متعددة منها مصطلح ” الأدائية ” الذي وقع الاختيار عليه موضوعاً للبحث تباعاً لما حظي به من إهتمام أكاديمي عربي ضئيل جداً في الآونة الأخيرة ، ومصطلح الأدائية performatism نحته ” راؤول ايشلمان ” في عام 2000 إذ عبَّر من خلاله عن رؤى تتقاطع مع ما بعد الحداثة جمالياً فضلاً عن جملة من ” المختلفات ” الفلسفية والثقافية بينهما خصوصاً فيما يتعلق بالاحتفاء ” بالجمالي والمنتظم ” وكذلك الخلاف حول المساحة الغيبية التي عبر عنها ايشلمان بالانتقال من التشاؤمية الميتافيزيقية إلى التفاؤلية الميتافيزيقية ( ) واحدة من أهم المقتنيات التي سنحصل عليها بوصفها نتيجة للتضاد بين الأدائية فكراً بعد ما بعد حداثياً وما بعد الحداثة . أي الانتقال من عدمية بعد الحداثة ورؤاها حول الموت ، والفراغ ، والغياب ، وعجز الذات ، تلك المفاهيم التي أفرغتها بعد الحداثة من طابعها الغيبي إلى طابع اللاوجود والعدم ، ومن ثمَّ إنكار أي رؤية غيبية أو ما ورائية عامة ، إلى مرحلة إعادة هذه المفاهيم لأضدادها أي إرجاعها ضمن إطارها الميتافيزيقي المتسامي مثل ؛ البعث ، والنشور ، والعبور إلى النيرفانا ، والتطهير ، وطقوس الملأ ، والتأليه والعبادة عبر التأكيد على الفاعلية الإيجابية لتلك المفاهيم . فضلاً عن ذلك فقد عبر من خلالها أيضاً عن الرغبة في التركيز على الجانب الجمالي والتخلص جزئياً من الرغبة ما بعد الحداثية بمد سلطة الابستمولوجيا على كل مساحات الوجود الإنساني فيجعلنا النص الأدائي نعود إلى الشغف القديم بالجماليات بعيداً عن صرامة الرغبة ما بعد الحداثية بهدم اليقينيات وتأكيد الفوضى والعبث .

وهنا يمكن أن نلمس ما نعنيه بسمة التروي التي ذكرناها سابقاً لمرحلة بعد ما بعد الحداثة ، متمثلةً بعودتها غير المندفعة للميتافيزيقيا التي أنكرتها سابقاً باندفاع رؤى تيار الفكر بعد الحداثي ، عودةً مرحلية قادتنا للبحث عن انعكاساتها في أدب المرحلة الذي أوصلني إلى رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) الحائزة على جائزة البوكر العربية للعام 2014 ، للروائي العراقي أحمد سعداوي ، رواية تحدّث فيها عن أزمة المجتمع العراقي في المرحلة الأكثر دموية في تاريخ ذلك المجتمع ، رواية أخذتني بتقنياتها وإشاراتها صوب مفاهيم وتقنيات نصوص الأدائية .

المبحث الأول

الأدائيـــة / تعريفاً

يمكننا الحديث عن مصلح الأدائية على وفق صعيدين ، فهي على الصعيد التاريخي تمثل المرحلة التالية لمرحلة تيار الفكر بعد الحداثي ، إذ يحدد ايشلمان المدة المحددة بين عام 1997 وعام 1999 بعدَّها المرحلة الانتقالية بين جماليات ما بعد الحداثة وبين ما يسميه جماليات الأدائية وهذا يشير إلى جدة المصطلح وحداثته على مستوى الساحة الثقافية العربية ، أما على الصعيد الفلسفي ؛ فهي نظرية لها أبعاد فكرية مغايرة عن سابقتها على مستوى السمات ، والمواصفات ، والمرجعيات الفلسفية ، وقد دخلت هذه النظرية إلى الساحة النقدية الفنية وهي محملة بتقانات أو جماليات فكرية تظهر فنياً في النصوص الأدبية ، أما المقصود بجماليات الأدائية فهي التي تتمثَّل بما يمكن أن نراه النقيض من جماليات فكر ما بعد الحداثة على صعيد النص ، حيث ؛ الواحديَّة ، والغلق ، والسمو ، والتفاؤل الميتافيزيقي ، والتماهي القسري مع الشخصية المركزية ، فضلاً عن السلطة التأليفية مصدراً جامعاً للمعنى والأطر الداخلية والخارجية ( ) ، التي سنتحدث عنها لاحقاً .

ربما يقودنا مصطلح الأدائية نحو مصطلح ” الأداء ” في ثنائية ( الكفاية والأداء ) لعالم اللسانيات نعوم تشومسكي ذلك في معرض حديثه عن النظرية التوليدية في اللغة ، تلك النظرية التي تختص باكتشاف الحقيقة الكامنة وراء السلوك ، إذ ميَّز تشومسكي بين ثنائيتين هما : الكفاية اللغوية والأداء على مستوى اللغة ، والأخرى هي البنية العميقة والبنية السطحية على مستوى الجمل ، وإذا كانت “الكفاية” هي معرفة الإنسان الضمنية بقواعد اللغة التي تقود عملية التكلّم بها ، فأنَّ “الأداء” بحسب تشومسكي هو الإستعمال الآني للغة ضمن سياق معين أو الانعكاس المباشر للكفاية اللغوية ، أي أنَّ الأداء هو الكلام ، أو الجمل المنتجة تراكيباً جُمَليَّةً خاضعةً للقواعد والقوانين اللغوية الكامنة *. من هنا يمكن أن نقول إذا كان الأداء/ الكلام هو انعكاس لمعرفة بالقوانين الكامنة في اللغة فإننا يمكن أن نعلل اقتران أدائية ايشلمان مع أداء تشومسكي بوصف الأدائية هي انعكاس لمعرفة ضمنية للإنسان تتمثَّل باتفاقات كامنة ما وراء السلوك ، فتكون قائمة على أساس وجود اتفاقات ضمنية بين البشر ، وهذه الضمنيات هي من يعلل سمات الأدائية قبل أن تكون جمالياتها ، متمثلة بالواحدية ، والتفاؤلية الميتافيزيقية ، فضلاً عن أنه المعنى الذي تتفق به مع نظرية “الإشارية ” لـ ( إيرك غانس ) التي سنتحدث عنها لاحقاً .

يمكن أن نعد ما سبق هو تعريفاً بمصطلح الأدائية من الجانب اللغوي ، أما من الجانب الاصطلاحي فقد ورد تعريف الأدائية بحسب ايشلمان بأنَّها ( الحقبة التي ابتدأ فيها التنافس المباشر ، أو الإزاحة ، بين المفهوم الموحد للعلامة واستراتيجيات الغلق من ناحية ، والمفهوم المتشظي للعلامة واستراتيجيات انتهاك الحدود المميز لما بعد الحداثة من ناحية أخرى )( ) ومن هذا التعريف يمكن أن نلحظ أن التركيز كلّه لهذه الانتقالة الفكرية هو التصدي لآلية التشظي التي تُفعِّلها أفكار ما بعد الحداثة ، ومن ثمَّ التصدّي لما تتركه هذه الآلية من خلخلة للبنى المفاهيمية التي ربَّما لن تقود المجتمعات نحو تحقيق مستوى أفضل ممَّا حققتهُ الحداثة بكلِّ ما تنطوي عليه من يقينيات ومسلَّمات وحلول جاهزة ، لقد أعادت الأدائية للواجهة النصوص التي تعنى بالشكل التقليدي والنظام والترتيب ، عوضاً عن اللانظام والفوضى والتشويش على عمليات التلقي التي تُوظَّف في أدب ما بعد الحداثة ، فضلاً عن الترابط المنطقي للسرد ، وكذلك تتمثل الأدائية إعادة الاعتبار للشخصية بوصفها ( ذاتاً ) أكثر مما كانت عليه ما بعد الحداثة التي لا تولي الاهتمام للشخصية كونها أي الذات ( لا تنسجم بحيث تشكّل فرداً كاملاً يخلو من التناقض )( ) ، ولا ترى فيها سوى جزئ صغير في سديم هائل تحيطها وجودات حاكمة أكبر ، فتركز الأدائية على تجاوز الإنسان للأطر التي خلفتها (العقلنة ) بكافة تجلياتها أو رؤاها حتى ما بعد الحداثية منها وخصوصاً فيما يتعلق بالجانب الجمالي ، وهو موقف يجد له أساساً عند دريدا الذي يرى أن أي حديث ( عن قيمة جمالية ذاتية يعتمد على كون تلك القيمة متحررة من السياق الخارجي المحيط بها بواسطة إطار ما)( ) وهو ما يتفق معه إيشلمان الذي يرى ( إن قدرة الإنسان على تجاوز الإطار هو مؤشر معياري على الأدائية الجيدة)( ) .

على أن الموضوع الأهم الذي تفترق فيه الأدائية عن ما بعد الحداثة هو مغادرتها ثنائيات العلم التجريبي و الماورائية ، اللذان شكَّلا مساحة كبيرة من جهد التقنيات ما بعد الحداثية وأرهقها وبخاصة في نضالها الطويل ضد فكرة ” الحقيقة ” ، فبحسب إيشلمان إنَّ الاختلاف الجوهري بين ما بعد البنيوية والأدائية يظهر ( بينما تعمد ما بعد البنيوية على مقاربة موضوعاتها مقاربة عقلية إبستمولوجية وتحرص على تعطيل إمكانيات التماهي من خلال توظيف السخرية والتهكم ، تحرص الأدائية على تحقيق مقاربة جمالية تقوم على أساس تحفيز إمكانيات التماهي والإيمان بغض النظر عن التحفّظات والاعتراضات التي من الممكن أن يطلقها العقل )( ) أي إنَّ الأدائية ترفض مد مساحة العقلنة في كلّ تفاصيل المشهد الفكري ، وتخفف كثيراً من غلواء رغبة الابستمولوجيا في تأطير كلِّ معرفةٍ ضمن الإطار الإبستمولوجي الذي أوصل ما بعد الحداثة إلى الاستخفاف بكلِّ شئ والسخرية منه ليظهر ذلك حتى في النصوص الأدبية ، وتترك – أي الأدائية – مساحة لقبول المفاهيم التي كانت خاضعة دوما لأدوات الإبستمولوجيا بعد الحداثية ، وهذا يعني من جهة أخرى مساحة للتصالح مع الإيمان والجمال .

وهو ما يجد له صدى محايثاً في كتابات ميشال دو سارتو ، إذ يتحدث سارتو عن معرفة غير خاضعة للعلم التقني شرطاً لوجودها ، وهو يربط بين المعرفة الأداتية وما يسميه بـ ( العلم المكنون ) ، وقد ناقش سارتو أنداده مثل فوكو حول الرغبة الشديدة لدى الطموح العلموي في القبض على أي مساحة معرفية ، وإلباسها حلة إبستمولوجية ، إذ يرى أنَّ ( هذه المعرفة غير معروفة ولها في الممارسات وضعية مشابهة لما يوجد في الحكايات والأساطير بوصفها تعبيرات لمعارف لاوعي لها بذاتها ، يتعلق الأمر في هذا الطرف وفي ذاك بمعرفة لا يفكر فيها الأفراد ، يشهدون بها ولا يمتلكونها )( ) فيمكن من هنا نفهم لماذا أن الثقافات الشرقية المليئة بالماورائيات تحظى باهتمام مناهج بعد ما بعد الحداثة ( ). وهو ما دأبت الحداثتين على مهاجمته أو النأي بنفسها عنه .

المبحث الثاني

جماليات نصوص الأدائية / تطبيقات

• نبذة عن الرواية

تدور أحداث رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) للروائي أحمد سعداوي حول أزمة المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد عام 2003 ، وتحديداً عامي 2005 – 2006 ، وما حدث في خلالها من أعمال تدمير ممنهج وتفجيرات عشوائية طالت الشارع العراقي عامة والشارع البغدادي بصورة خاصة ، فامتزج طابع الرواية بين الفنتازيا والواقع ، إذ انَّ الشخصية الرئيسة في الرواية هي شخصية فنتازية مستمدة من عبثية الواقع الدموي المتمثِّل بأشلاء ضحايا التفجيرات ، وهذه الشخصية التي عُرفت بين الأهالي بلقب ” الشسْمة ” هي شخصية كائن عصيّ على الموت ، مكوَّن من مجموع أشلاء جثث ضحايا التفجيرات قام بجمعها ” هادي العتَّاك ” الشخصية الأخرى النابعة من صميم الواقع العراقي ، شخصية الجوَّال الذي يمتهن بيع و شراء قطع الأثاث القديمة ، فتسير حركة الأحداث مع حركة شخصية فنتازية فضلاً عن الشخصيات الواقعية المحيطة بها ، ضمن الإطار الواقعي العام للنص .

• الواحدية

من أهم جماليات الأدائية التي تظهر في النصوص سماتاً تنماز بها نصوص الأدائية هي سمة ” الواحدية ” ، إذ تتسم النصوص الأدائية بالواحدية أي القدرة على غلق النص ، أو عزل النص المقروء دون التماهي مع السياق المحيط به ، ويأتي هذا التمكين من تفعيل إطار النص نحو أداء وظيفته في الغلق الكامل أو عزل النص ولو مؤقتاً عن السياق الخارجي .

ونجد مثل ذلك الإطار في رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) ، متمثلاً بالفكرة الرئيسة للنص ، أي تلك الفكرة القائمة أساساً على “وهمية” الشخصية إن أمكن القول ، الشخصية المكوَّنة من أشلاء جثث متفرقة لأناس مختلفين ضحايا انفجارات الإرهاب في الشارع العراقي ، ونسجها عبر سبكها (خياطتها) مع بعضها بعض ، ومن ثمَّ يقظتها عبر تسلل روح تائهة لها ، روح ضحية انفجار أخرى . نجد هذه الفكرة القائمة على الفنتازيا قد أدت دورها في تشكيل إطارٍ للنص عازلاً إياه عن الواقع أو السياق المحيط به ، وهذا الغلق أو العزل المؤقت للنص بحسب ايشلمان يتيح للقارئ ( متعة تأمل العمل الفني جمالياً من الداخل وتأجيل عملية الاستقبال العقلي والإدراك المعرفي التي تنزع نحو التشكيك والتقويض )( ) إذن تأتي الأدائية اليوم لتحتفي بالمتعة في القراءة من جديد بعد أن أنكرتها ما بعد الحداثة طويلاً على النصوص ، فضلاً عن أنها نوعاً من إعادة الاعتبار للفضاء الداخلي الذاتي للنص الذي طاله التشكيك المعرفي للتفكيكية .

• سلطة المؤلف

من السمات الأخرى التي تنماز بها نصوص الأدائية هو ما يتعلق بالمؤلف ، إذ تأتي نصوص الأدائية خاضعة لسلطة المؤلف – بعد موتهِ سابقاً – ولا نعني بها السلطة التي يمنح بها إسم المؤلف قيمة تبادلية للنص ، أو التي يحدد بها المؤلف معنى العمل( ) ، إنَّما هي السلطة القارَّة في المحيط الداخلي للنص ، التي تأخذ على عاتقها فصل النص عن سياقهِ الخارجي ربَّما فصلاً مؤقتاً ، من ثمَّ تقود القارئ نحو التماهي مع أي شئ غير معقول داخله ، فيمكن التعبير عنها بأنها نوع من خلق الخصوصية للنص التي تمنحه هويته النصّية بعيداً عن سياقه الخارجي ، حينئذ تظهر في النص عبر ما يحدده من موجهات لمسارات السرد فيما يتعلَّق بالأحداث ، والشخصيات ، ومحيطها الداخلي فتتبلور عنها وسائل قسرية أو إطار قسري جدير بفصل النص عن السياق ، بغية سحب القارئ داخل حدود النص .

هنا نجد أحمد سعداوي يسلب قارئ نصه القدرة على الإفلات من حدود النص عبر فاعلية الشخصية التي تدعى بـ الشسمة/ الجثة التي دبَّت فيها الروح ، وعزمت على قتل كل من ساهم في التفجيرات التي انتجت الأشلاء المكوِّنة لجسمه ، وأخذت على عاتقها الاقتصاص من الإرهابيين والجماعات المسلحة ، فشخصية ” الشسمة ” شخصية فنتازية غير قابلة للتصديق خارج الإطار الداخلي للرواية ، ومن ثمَّ لا يمكن للقارئ التفكير فيها إلَّا ضمن إطارها ، والقارئ في تتبّعه لكلِّ سلوكياتها يكون منساقاً لسلطة المؤلف لكونها سلوكيات خاصة بهذه الشخصية دون غيرها – الشخصية الخاصة بالمؤلف لا الواقع – ليكون القارئ حبيس الإطار الداخلي إنصياعاً لسلطة المؤلف ، ففضلاً عن كون الداخلي يمثِّل فرض معايشة للخبرة الجمالية في العمل الفني بوصفه عالماً جمالياً متسماً بالواحدية والسمو ، فإنَّ وجود إطار خارجي بعيداً عن نقيضه ( يُمكِّن العمل الفني الأدائي من عدم ترك المتلقي في مواجهة نهايات مفتوحة أو إشكاليات غير قابلة للحسم )( ) في الإطار الداخلي للنص .

• السارد

بسبب الطابع الدوغمائي لمواقف السرد الأدائي – بما يحاول أن يمنح نصوصه خصوصية وواحدية – فأنه ينهض بعاتقه على تشكيل عملية السرد بما يتعارض مع تقانات الحكي بعد الحداثية ، وأهم هذه التشكيلات هي عملية السرد بضمير المتكلم ، تلك العملية التي لا تخلو من إشارة سلطوية ، لذا فهذه النصوص تعبِّر بشكل صريح عن السلطة التأليفية القسرية للمؤلف ، وهي بدورها تقع على تماس مباشر مع طابع الواحدية الذي تركن له نصوص الأدائية ، أو ما يشبهه ايشلمان بسلطة ” الخالق ” ، إذ أن نمط السرد الانعكاسي أو السرد بضمير الشخص الثالث – الذي اتسمت به نصوص ما بعد الحداثة تماهياً مع المحيط الخارجي مثلما تسعى إلى ذلك دوماً – يفرض التقيد بمحددات الواقع الموضوعي للقص ، أما السرد باستعمال ضمير المتكلم فهو يمنح السارد حريَّة في فرض سلطته التأليفية على الواقع المتخيل( )، وفي الرواية فقد إستعمل سعداوي تقنية ما وراء القص في السرد عبر إعلانه عن شخصية مؤلف قصص (( جاء شاب أربعيني يرتدي ملابس أنيقة ويحمل مسجلاً ديجيتال … فتح المسجل وطلب منه ان يتحدث . سأله من أنت فأجابه : أنا المؤلف . – مؤلف ماذا ؟ – أنا أؤلف قصص . – عن ماذا تريد أن أحكي لك ؟ – إحكي لي كل شئ وأنا أسمع . ))( ) فطوال أحداث الرواية كان الحديث للسارد إذ ليس للقارئ سوى الخضوع لوجهة نظر ذلك السارد حتى (ص 323 ) وهي بداية ( الفصل الثامن عشر ) الذي كان تحت عنوان : ” المؤلف” إذ ظهر لنا الحديث طوال هذا الفصل بضمير المتكلم (( تعرَّفتُ ، شاهدتُهُ ، أنا أشرب ، كنت قد قررتُ … )) حتى نهاية الفصل ( ص 339 ) ومع بداية فصل آخر يعود صوت السارد لنا من جديد ، إذ يقول السارد في حديثه عن أحد الشخصيات (( حوَّل رسالة السعيدي ورسالة حازم عبود إلى رسالة واحدة وأرسلها إلى المؤلف))( ) ، نفهم من ذلك وجود ( سارد ) للأحداث و ( مؤلف قصص ) داخل النص .

ومع آلية حركة السرد هذه – وعلى الرغم من ان تقنية ما وراء القص التي استعملها سعداوي في نصّه هي أحد تقانات قص ما بعد الحداثة أو ما يسمى بالانعكاسية الذاتية – إلا أنها تقنية عُدَّت بأنها أدخلت ضمير المتكلم في النص / ضمير السلطة التأليفية للأدائية ولكن مع ذلك نجد أنَّ النص كله خاضعاً لسلطة السارد ( المجهول ) فأوحت عدم معرفته بحضور كاتب النص أي سلطته ، وانفصال السارد عن المؤلف الداخلي ، فضلاً عن سلطته الأقوى والأشد حضوراً ، قلل فاعلية إشارات الانعكاسية المتمثلة بتقانة ما وراء القص بعد الحداثية ( التي تخلق حالة متأصلة لا مفرَّ منها من اللاقدرة على الحسم بخصوص حالة الحقيقة في بعض أجزاء العمل )( ) . أما انفصال السارد عن المؤلف فقد قلل ذلك عبر المحافظة على الإطار الداخلي للنص ومن ثمَّ واحديته الأدائية إذ إن ( أفضل طريقة لوصف التحوّل من ما بعد الحداثة إلى الأدائية هي البدء مع مفهوم الإطار )( ) فالرواية هنا بدأت بالسارد وانتهت به لينغلق النص على نفسه إذ أنَّ السرديات الأدائية تصرّ على أن ( تخلق بنية مغلقة قوية بحيث لا يمكن للقارئ أن يكسر قفلها الداخلي … يجعل المؤلف القارئ يقرر في موقف معين مواجهة النص وجهاً لوجه )( ) . فيجد قارئ نص سعداوي نفسه أمام سلطة السارد عبر الصوت الذي يسرد الأحداث من زاوية رؤيته الخاصة ، فهو يصف حدث واحد بأكثر من زاوية رؤية عن لسانه هو ، إذ يصف حادثة الانفجار من زاوية رؤية (حسيب ) حارس الفندق قبل موته ، ثم زاوية رؤيته هو أي السارد فيتحدَّث عن موت ( حسيب ) بطريقة مفصَّلة وعن روحه كيف خرجت ويعرض حوارتها مع الأموات يقول : (( وانتبه حسيب محمد جعفر وهو يتابع الانفجار ولكن ليس من موقعه … كان يشاهد النيران والدخان … ويشعر مع ذلك بهدوء غريب … كل شئ انتهى … شاهد الأضوية البعيدة للبنايات والبيوت والسيارات ، وشاهد بعض المجسرات القريبة ، شاهد أضوية ملعب الشعب …. شاهد رجلاً سميناً ينام في المياه ووجهه إلى الأعلى … ليش تباوع وليدي روح شوف الجثة مالتك وين صارت … فقرّر التوجّه إلى المقبرة هناك في وادي السلام في النجف ..))( )، ومرة أخرى يتحدَّث عن الانفجار من زاوية رؤية ( هادي العتَّاك ) وأخيراً من زاوية رؤية الصحفيين الأربعة الذين شهدوا الحادث أيضاً ، وهكذا ….. فيحيلنا هذا السارد إلى نوع السارد المحيط بكل شئ أو السارد العليم ( ) ، وربَّما يذوب هذا السارد في فصل ( المؤلِّف ) فقط إلاَّ انّه ينبعث من جديد ليكمل لنا ما بدأه .

• الشخصية

كثيراً ما تكون الشخصية المبهمة التي تميل للغموض هي الشخصية الإشكالية والمثيرة دون سواها من الشخصيات الأخرى الواضحة أو البسيطة غير المركَّبة ، إذ لا يمكن التنبؤ بما سيصدر عنها من سلوكيات ، أو ردود أفعال إزاء الأحداث ، فضلاً عن أنها لا تمثِّل الشخصية الغالبة في الواقع ، إنَّما تمثل المُختلِف ، والقليل أو النادر ربَّما .

أما فيما يتعلق بالشخصية في النصوص الأدائية فهي تتمثَّل “الكثافة والإبهام” ، إذ أن المركز الإنساني في الأدائية بحسب أماني أبو رحمة هو الشخص الكثيف المبهم أي منفصلاً عن سياقه المحيط ، وعلى الرغم من أنَّ القتامة والإبهام أطر غير مرغوبة بحد ذاتها ، أو على حد تعبير إيشلمان إن مثل هذه الشخصيات قد تنطوي على خطر كسب عداء محيطها بسبب تفرّدها وغموضها ، إلاَّ أنَّها أي القتامة والكثافة تمثِّل نقطة بداية أو انطلاق نحو التطوّر ، والمقصود بالتطور هنا هو إمكانية هذه الشخصية عبر سير الأحداث ، من تجاوز أطر النص ، أي الإطار الداخلي والخارجي التي أشرنا لها سابقاً ، ومثل هذا التطور يمكن تحقيقه كلّياً في السرد الفنتازي( ) ، وربما ليس هناك أكثر قتامة وغموض من الشخصية الفنتازية ، وهذا ما يعزز كثافة شخصية رواية ” فرانكشتاين في بغداد ” فتلك الشخصية الفنتازية هي شخصية معتمة وغامضة سواء على صعيد البناء ، أو على صعيد سلوكياتها داخل النص ، فشخصية ( الشسمة ) بعد أن خلقت عبر بُعدها الفنتازي إطاراً داخلياً أسبغ على النص واحديته كما أشرنا سابقاً ، فإن الكثافة والعتمة أسبغت على الشخصية سمة التناقض بين قبول الشخصية آخذين بالنظر هدفها في الاقتصاص من قتلة الأبرياء ، وبين رفضها بعد التحول الذي طالها خلال سير الأحداث وقد أصبح هدفها القتل من أجل البقاء ومطاردة السلطة له بوصفه قاتلاً ، يقول السارد : (( لا شئ يدوم معه سوى هذه الرغبة بالاستمرار ، يقتل من أجل أن يستمر ، هذا هو مبرره الأخلاقي الوحيد ، إنه لا يريد الذوبان والفناء ، فلا أحد يرغب بالموت من دون أن يفهم لماذا يموت …))( ) فقد أخذ يقتل من أجل أن لا يموت ، يقتل كي يحصل على أشلاء جديدة من ضحاياه يرمّم بها جسده الذي بدأ يفقد الأجزاء التي أخذ بثأرها سابقاً ، وغموض هذه الشخصية أتاح لها القدرة على التطور عبر تجاوز الإطار الداخلي للنص تماهياً مع الإطار الخارجي أو السياق المحيط بعد التحول الذي طرأ في نهاية الرواية عبر إعلان السلطات (( أعلنت القيادات الأمنية العليا في بغداد عن إلقاء القبض أخيراً على المجرم الخطير ، الذي تسميه بعض التقارير بـ” المجرم أكس ” ويسميه الأهالي ” الشسمة ” …. إنه المجرم هادي حسّاني عيدروس ، من سكنة حي البتاويين في بغداد ، والملقَّب بـ” هادي العتَّاك “))( )، فكثافة الشخصية بما تتوفر عليه من تأويل فتحت الطريق لها بالتحول من إطارها الداخلي بوصفها شخصية فنتازية لا يمكن إلا أن تكون في داخل النص الى شخصية واقعية من السياق المحيط بالنص حين تحوَّل المجرم من الشسمة إلى هادي العتاك ، فقد بدأ النص بشخصية ( هادي العتاك ) وانتهى بها أيضاً ، بعد المرور بشخصية غامضة / الشسمة أسبغت على النص خصوصيته النصية وبعده التخييلي . وهذه العلاقة بين الشخصيتين انفصالاً واتصالاً هي ما يمثّل ” الفعل ” أي الحكاية ، فضلاً عن العلاقات الأخرى ، إذ أن الفعل ( هو ما يمارسه أشخاص بإقامة علاقات في ما بينهم ينسجونها وتنمو بهم ، فتتشابك وتنعقد وفق منطق خاص بها )* وإذ لا يمكن النظر إلى النص بأنه بنية حكائية فقط ، إنما حركة الفعل ونموه يضع هذه البنية الحكائية في نمط محدد وهو الخطاب أو القول* . الذي أراد هذا النص التعبير عنه من خلال فوضى الأشلاء وعبثية الدماء التي تمثلت بشخصية الشسمة التي صنعها هادي العتاك والعلاقة الجدلية بين الشخصيتين هو القول بأن فوضى القتل ستستمر عبر الجثث التي تقطَّعت ولم تحظَ بقبور ، لن تكون هذه النهاية إنما ستكون سلسلة حلقات من القتل المستمر ، فهي لن تغادر الوجود وقد انتجت كائنا آخر يبحث عن ضحايا جدد يستمد بقاءه منها وقد أمَّن مكانه في الظل ، بعد أن سُلِّطَتْ أضواء القانون على هادي العتاك للاقتصاص منه على تلك الجرائم ، وقد احتفلت الناس بذلك وظل الشسمة مثل (( شبح رجل مجهول يقف منذ ساعة عند النافذة العارية من إحدى غرف الطابق الثالث يراقب احتفالات الناس بصمت وهو يدخن ، ناظراً كل حين إلى تلبد السماء بالغيوم الداكنة أكثر فأكثر )) *.

• التفاؤلية الميتافيزيقية

يمكن التعبير عن عودة الأدائية إلى التفاؤلية الميتافيزيقية عبر اعتدادها بالمفاهيم التي تتعلق بالجوانب الغيبية الماورائية ويمكن عدَّها من أهم السمات التي تفترق بها عن فكر ما بعد الحداثة ، لذا نجد ايشلمان يعتد بنظرية الإشارية ، و يؤكد على أن الإشارية هي التعبير السيميائي عن واحدية الأدائية .

وتقوم نظرية الإشارية لـ ” إيرك غانس ” على مفهوم ” العلامة الإشارية ” ؛ تلك العلامة التي لها القدرة على خلق اتفاق تلقائي بين الأطراف المتصارعة أو المختلفة ، وبدوره يكون هذا الاتفاق التلقائي المبني على وجود وفاعلية ومكانة تلك العلامة الإشارية ، قادراً على تأسيس نظام سيميائي يؤسس لجميع ممارساتنا الثقافية والطقوسية والمستقبلية ( ) . فتكون العلامة الإشارية لغانس هي الواحدية لأدائية ايشلمان وكلاهما يشيران بدورهما إلى الواحدية الماورائية . التي تأتي الأدائية اليوم لاحترامها وعدم وضعها تحت مشرط التشكيك والتفكيك الذي رفعه فكر بعد الحداثة طويلاً .

نجد أحداث رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) تدور حول موضوع رئيسي ، تمثل بـ : الموت ، والبعث وعودة الروح ، والجسد ، تلك المفاهيم ذات الصلة بالغيبيات والماورائيات ، فنجدها في ذلك تبتعد كل البعد وتتجاوز الرؤى العدمية لفكر ما بعد الحداثة ، فإذا كانت فلسفة الحداثة سابقاً أو تيارات البنيوية والسيميائية تبحث عن النظام ، من أجل خلق الانسجام والتشاكل ، فإنَّ فلسفة ما بعد الحداثة تقف موقف النقيض من ذلك وتدعو إلى اللانظام والتعددية وتفكيك كل ما متعارف عليه ، بوصفه فكراً قائماً على تغييب المعنى عبر أهم ما ينماز به وهو آلية التشكيك ، فكانت تفكيكية جاك دريدا هي تشكيك في الميتافيزيقا فضلاً عن التشكيك في كل المعارف اليقينية وليس آخرها كل ما يتعلق بالغيبيات والماورائيات التي تراها بعد الحداثة يقينيات لابد أن يطالها الشك *. فتأتي الأدائية وكأنها عدولاً عن كل ذلك واحتفاءاً بالميتافيزيقا وكل المفاهيم الغيبية .

فتركز الرواية على مفهوم عودة الروح من جديد في جسد آخر ، وهو ما يذكّرنا بفكرة ” الحلول والتناسخ ” الشائعة في الغيبيات الهندية ، وكذلك لها مماثل في بعض الملل الإسلامية مثل فكرة ” الرجعة”. ويمكن أن نحدد المفاهيم الغيبية في الرواية بثلاث نقاط ، هي :

أولا – ( الجسد ) المتمثّل بشخصية ” الشسمة ” ذلك الكائن المتكون من مجموع أشلاء جثث ضحايا الانفجارات بعد أن جمعها ” هادي العتاك ” (( فتح هادي الكيس الجنفاصي المطوي عدة طيات ، ثم أخرج ذلك الشئ الذي بحث عنه طويلاً خلال الأيام الماضية ، وظلَّ مع ذلك خائفاً من مواجهته ، أخرج هادي أنفاً طازجاً مازال الدم القاني المتجلد عالقاً به ، ثمَّ بيد مرتجفة وضعه في الثغرة السوداء داخل وجه الجثة ، فبدا وكأنه في مكانه تماماً ، كأنه أنف هذه الجثة وقد عاد إليها … ها هو ينتهي الآن من العمل البشع الغريب الذي قام به لوحده دون مساعدة من أحد ، والذي لا يبدو مبرراً ، أو مفهوماً رغم كل الحجج التي ساقها أمام مستمعيه : …. أنا عملتها جثة كاملة حتى لا تتحوَّل إلى نفايات …. حتى تحترم مثل الأموات الآخرين وتدفن يا عالم ))( ) ففكرة احترام الجسد هي فكرة نابعة من الإرث الديني الإسلامي فكرة إكرام الميت دفنه التي دفعت هادي العتاك نحو الاهتمام بالأشلاء التي يجدها في الشوارع على أثر الانفجارات ووجوب عدم تركها ، فجمعها بجثة واحدة تكرم بالدفن بوصفها أمانة إلهية لا بد من احترامها .

ثانيا- ( الروح ) وهي روح ” حسيب محمد جعفر ” الذي يعمل حارساً في فندق ” السدير نوفوتيل ” راح ضحية انفجار تسبب به انتحاري سوداني الجنسية (( كان يخطط لتجاوز الباب الخارجي والدخول بالسيارة داخل استعلامات الفندق وهناك يقوم بتفجيرها لإسقاط البناية بالكامل بمن فيها ، وفشل في ذلك بسبب الإطلاقات النارية المتلاحقة التي اطلقها الحارس الشجاع تجاه سائق الكابسة ما عجَّل في تفجير الصاعق ))( ) أي دون أن يتمكن من بلوغ تجمع ناس آخرين ، إنما أدى إلى موت الحارس ” حسيب ” فقط ، فذهبت روحه بعد تحررها من جسد حسيب إلى جسد آخر وهي الجثة التي جمعها ” هادي العتاك ” . ففكرة تحرر الروح ما هي إلا معارف غيبية وردت في موروثنا الثقافي الديني – سواء ما ورد في القرآن الكريم ، أو ما ورد في الأحاديث النبوية – عن مصير الروح بعد الموت ، وعودتها إلى عالمها أو مايسمى بـ ( عالم الذر ) ، فيتحدث عن كيفية انفصالها عن الجسد ، وقد ظهر ذلك تحديدا في وصفه لحركة الروح بعد موت الفتى حارس الفندق أثر الانفجار الذي تحدثنا عنه في موضع سابق ، وهي إشارة إلى أن الموت ليس نهاية الإنسان ، أنما بداية رحلة جديدة له بوجود عالم آخر لم نره لكنه معرفة إشارية متفق عليها عقائدياً ربما تطاله شكوك بعد الحداثة إنما لا تتذمر منه الأدائية .

ثالثاً- ثنائية الروح والجسد ( الشسمة ) ، فبعد أن اجتمعا ظهر فجأة كائناً بإمكانيات خارقة فهو لا يموت بالإطلاقات النارية للجماعات المسلحة ، ويمتلك قوة خارقة على محاربتهم وقتلهم ، يسعى إلى الاقتصاص من الظالمين ويحاول تحقيق العدالة لكي تطمئن أرواح ضحايا أوصاله حيثما كانوا . فإزاء هذا القتل الوحشي تأتي آلية حركة هذه الشخصية معادلاً ، أو بعد ما مُلأ الشارع ظلماً وقتلاً ، وهي هنا تشير نحو أهم فكرة تقوم عليها الأديان وهي فكرة : ( المهدي المنتظر ، المُنقذ ، المُخلِّص ، الموعود ) وهي أهم رمزية لتحقيق العدل بعد استشراء الظلم في معظم الديانات .

هذه المفاهيم التي قامت عليها أحداث الرواية هي مفاهيم قادمة من عوالمنا الغيبية من يقينياتنا الماورائية ، التي ما كانت بعد الحداثة إلَّا أن تراها مسلمات قابلة للتفكيك والتشكيك لدرجة يمكن أن نقول إن فكر بعد الحداثة قد وضع حداً لكل تلك المفاهيم ، أما اليوم والزمن كعادته جديراً بعرض النهايات لكل شئ فهو على الصعيد الفكري يكشف عن نهايات مابعد الحداثة ويعلن عن بداية مرحلة بعد ما بعد الحداثة تلك المرحلة التي احتفت بما انكرته بعد الحداثة . وما ورد من مفاهيم غيبية في نص فرانكشتاين في بغداد هي مفاهيم جديرة بالإشارة إلى ملامح التفاؤلية الميتافيزقية لنظرية الأدائية في بُعدها الفكري الفلسفي بعد أن أصبح توجيه الميتافيزيقية لمرحلة الأدائية هي حالات البعث والنشور وطقوس الملأ والتأليه والعبادة التي أشرنا لها سابقاً فضلا عن العلامة الإشارية التي تمثّل سيمياء عن الواحدية الأدائية .

الخاتمة

إذا كانت الأدائية أحدى أهم طلائع فكر “بعد” ما بعد الحداثة فإن ذلك يجعلنا ننظر إلى هذا البحث على مستويين :
المستوى الأول : فيما يتعلق بشحّة ما موجود على الساحة العربية من دراسات تتعلق بالأدائية وتطبيقاتها “سردياً” ومن ثمَّ الحاجة إلى إثراء الموضوع بحثاً ونقاشاً لما يمثله من أهمية فائقة تتعلق باللحظة الفاصلة التي تتموضع فيها الأدائية بوصفها مرحلة جديدة تالية لفكر ما بعد الحداثة بكل صخبه وإشكالياته ألا وهي مرحلة “بعد” ما بعد الحداثة . الأمر الذي دفعني رغم شحة مصادرها إلى دراسة هذا الموضوع ، ومن ثمَّ تسليط الضوء على المصطلح الذي يمثل واحد من المصطلحات التي أطلقت على تلك المرحلة .

المستوى الثاني : إن هذا الموضوع ولحداثة وجوده ، إذ ان المصطلح قد “صك” في عام 2000 من قبل راؤول ايشلمان ، إلا إنه لم يؤسس للأدائية مشروعاً أدبياً نقدياً وجمالياً إلا عام 2008 وذلك بصدور كتابه عن الأدائية والجمال الأمريكي الذي تُرجم عام 2012 من قبل الناقدة أماني أبو رحمة ومن ثمَّ ما واجهته من نقص واضح في المصادر …

وقد سعت هذه الورقة البحثية إلى معالجة الموضوع ضمن مبحثين :

• الأدائية تعريفاً
• جماليات الأدائية /تطبيقات

ليكون تعريفها بمثابة عتبة دخول لمناقشة التقنيات السردية والجمالية التي اهتمت بها الأدائية وهي ؛ الواحدية ، والشخصية المبهمة والكثيفة ، وسيطرة السارد على القاريء بوصفها تقنية أدائية تهدف إلى إعطاء المؤلف مساحة إبداعية أوسع ، فضلاً عن الحديث حول موضوع أدائي غاية في الأهمية ، ونقطة خلاف لها مع ما بعد الحداثة وهو استبدال التشاؤمية الميتافيزيقية بالتفاؤلية الميتافيزيقية .

وقد سعى البحث أيضاً إلى اكتشاف التطبيقات الأدائية عبر اختيار نموذج / نص روائي ، وهو رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) للروائي العراقي أحمد سعداوي ، وقد عدَّ البحث أن هذا النص الروائي هو نص أدائي تكشَّف عبر دراسة وتتبع التقنيات الأدائية في هذا النص ، واختيار المواضع التي يتضح فيها ذلك المنحى ، وتسليط الضوء أيضاً على الشخصية الرئيسة في الرواية وهي شخصية ( الشسْمة ) تلك الشخصية التي أحاطها الكاتب بنوع من الغموض الأدائي .
لقد حاول هذا البحث تقديم إطلالة نظرية وتطبيقية لموضوع غاية في الأهمية فضلاً عن حداثته وجدَّته على كل الساحة العربية .
ملخص
تتناول هذه الورقة البحثية موضوع ” الأدائية ” سواء بوصفه يمثل المرحلة التالية بعد مرحلة تيار الفكر ما بعد الحداثي ، أو بوصفه مرحلة مهمة مقبلة إلى الساحة الثقافية العربية . فقد أتاحت دراسة هذا المفهوم تأمل النص الأدبي وما قد ينطوي عليه من متغيرات تطبيقية مواكبة للمتغيرات على الصعيد الفكري التنظيري ، ومن ثمَّ التقاط مواطن سمات هذا المتغيّر المتمثّل بنظرية الأدائية . فكانت رواية ( فرانكشتاين في بغداد ) للروائي أحمد سعداوي نصاً أدائياً بما ينطوي عليه من سمات أدائية تكشَّفت عبر تركيز هذا البحث على الجانب الفكري ، والجانب الجمالي التقني على حد سواء لهذا النص ، التي تم تسليط الضوء عليها لتمثِّل النص التطبيقي لجماليات الأدائية نظريةً نقدية ، التي ارتكزت على الشخصية الرئيسة التي أسبغت جماليات أدائية مثل الواحدية والغلق ، والتفاؤلية الميتافيزيقية ، فضلاً عن الجماليات الأخرى التي تم تسليط الضوء عليها مثل سلطة المؤلف ، السارد . لقد سعى البحث إلى أن يكون الخطوة الأولى التي تطأ عتبة مفاهيم هذا المصطلح من حيث التعريف والتطبيق .

Abstract

This research letter is seeking to treat the subject of ” performance ” two axes as follows :
Identification the performance , the performance atheistic , its applications , we discussed the narrative and aesthetic techniques as : unique , delight and condense personality , the control of the narrative on reading as being performance technique aiming to given the author a wide space of performance ,adding to the speech around the performance subjective with extra importance as the contradictory point after the modernity which is substitute the metaphysic pessimistic with optimistic , the researcher wants discover the performance applications with its sample which is the novel ” Frankishtain in Baghdad ” for the novelist Ahmed Sadawi , the research considered this novel as performance text , so that the research has tried to present an application theory for the subject with extra importance bedsides the modernity .

الهوامش

([1]) جماليات ما وراء القص : 90 .

([1]) الثقافات الشرقية تحظى باهتمام مناهج بعد ما بعد الحداثة / حوار مع الناقدة أماني أبو رحمة .

([1]) ينظر : نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد : أماني أبو رحمة : 16 ، وينظر : مفاهيم  عصر جديد ، دراسة منشورة في جريدة الصباح .

([1]) ينظر : نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد / أماني أبو رحمة : 321-322 .

([1]) المصدر نفسه : 322 .

([1])  تعليم ما بعد الحداثة المتخيل والنظرية / براندا مارشال : 110 .

([1]) الأدائية ونهاية ما بعد الحداثة / أماني أبو رحمة و معن الطائي .

([1])  المصدر نفسه .

([1])  نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد / أماني أبو رحمة : 342 .

([1]) ميشال دو سارتو منطق الممارسات وذكاء الاستعمالات / د. محمد شوقي الزين : 273 .

([1]) الثقافات الشرقية تحظى باهتمام مناهج بعد ما بعد الحداثة / حوار مع الناقدة أماني أبو رحمة.

([1]) نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد / أماني أبو رحمة: 324 .

([1]) ينظر : نظرية التناص / جراهام ألان : 101 .

([1]) نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد : 325 .

([1]) ينظر: نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد : 350 .

([1])  الرواية : 306 .

([1]) المصدر نفسه : 346 .

([1]) نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد: 322 .

([1])  نهاية ما بعد الحداثة معالم الثقافة بعد نهاية ما بعد التاريخ / عاطف محمد عبد المجيد .

([1])  نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد : 351 .

([1])  الرواية : 45-46 .

([1])  ينظر: الرواية العربية البناء والرؤيا / د.سمر روحي الفيصل : 50 .

([1]) ينظر : بعد ما بعد الحداثة : مقالات في الأدائية وتطبيقات في السرد والسينما والفن / حوار     مع أماني أبو رحمة .

([1]) الرواية :334 .

([1]) الرواية : 346-347 .

([1]) ينظر : نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد :328-329 .

([1]) الرواية : 34 .

([1]) الرواية : 43 .

 

المصادر

  1. الأدائية ونهاية ما بعد الحداثية / أماني أبو رحمة و معن الطائي ، دراسة منشورة في مجلة الروائي ،بتاريخ 27/11/2011 .
  2. بعد ما بعد الحداثة : مقالات في الأدائية وتطبيقات في السرد والسينما والفن / حوار مع أماني أبو رحمة ، منشور في موقع ( جدلية ) بتاريخ 12/11/2012 .
  3. تعليم ما بعد الحداثة المتخيل والنظرية / براندا مارشال ، ترجمة وتقديم : السيد إمام ، المركز القومي للترجمة – القاهرة ( ط1 ) 2010 .
  4. تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي / د. يمنى العيد ، دار الفارابي – بيروت ط ( 3 ) 2010 .
  5. الثقافات الشرقية تحظى باهتمام مناهج بعد ما بعد الحداثة / حوار أجراه صفاء ذياب مع الناقدة أماني أبو رحمة ، منشور في جريدة الصباح بتاريخ 11/12/2013 .
  6. جماليات ما وراء القص – دراسات في رواية ما بعد الحداثة / مجموعة مؤلفين ، تر: أماني أبو رحمة ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع –سوريا 2010 .
  7. الرواية العربية البناء والرؤيا / د. سمر روحي الفيصل ، منشورات اتحاد الكتاب العرب – سوريا ( د.ط ) 2003 .
  8. فرانكشتاين في بغداد / أحمد سعداوي ، منشورات الجمل – بيروت ( ط2 ) 2013 .
  9. قراءة جديدة في نظرية تشومسكي اللغوية ، دراسة منشورة ضمن الرابط :

http://www.iasj.net/iasj%3Ffunc%3Dfulltext%26aId%3D17188

  1. مدخل إلى مفهوم ما بعد الحداثة / د.جميل حمداوي ، منشورات شبكة الآلوكة ، في 18/2/2012 .
  2. مفاهيم عصرجديد ، دراسة منشورة في جريدة الصباح – شبكة الإعلام العراقي بتاريخ 11/12/2013 .
  3. ميشال دو سارتو منطق الممارسات وذكاء الاستعمالات / د. محمد شوقي الزين ، ابن النديم للنشر والتوزيع ( ط1 ) 2013 .
  4. نظرية التناص / جراهام ألان ، تر: باسل المسالمة ، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر – سوريا ( ط1 ) 2011 .
  5. نهايات ما بعد الحداثة إرهاصات عهد جديد / أماني أبو رحمة ، دار ومكتبة عدنان – بغداد ( ط1 ) 2013 .
  6. نهاية ما بعد الحداثة معالم الثقافة بعد نهاية ما بعد التاريخ / عاطف محمد عبد المجيد ، دراسة منشورة في موقع مجلة أخبار الأدب ، العدد( 1114 ) في 30/11/2014 .

 

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك