تأسيس الوجود في النص القرآني – محمد الزغواني

يمكن أن يكون الانطلاق للنظر في اساسيات و خصوصيات الموقف و الصورة التي يبنيها النص القرآني لمسألة الطبيعة ، و الكون في عمومه ، و الفعل ، و الفعل الإنساني في خصوصه ، يمكن الانطلاق في ذلك من الموقف الاستشراقي في عمومه ، الذي يرى أن تلك الخطوط و الابعاد تبني عقلا تسليميا لا يرى من الفعل إلاّ أوهامه ، و من الكون إلاّ انفلاته ، عقلا لا تحكمه سوى قدرة الخالق و لا تنظّمه غير إرادته ، حيث أن ” العقل المسلم الذي تشكّل في إطار القرآن لا بد من أن ينفي السببية “.

فبحسب هذا التصور و هذه القراءة ، فإن جرثومة التسليم و الانفلات من كل ضابط وضرورة هي النصوص التأسيسية الاولى ( القرآن و السنة).

فما هي حدود هذا القول؟

سؤال مفرد في بنائه ، متعدد في احالاته ، متسامح في ظاهره ، مشاكس في مراميه ، إن لم نقل مخاتل في مقاصده .لكن برغم كل ذلك و غيره ، سنجتهد في هذه المحاولة أن نسير عبر كل الدروب التي يفتحها و الأنهج التي يشقّها و نقتحم كل المجاهل التي يحيل عليها ، حريصين اشد الحرص تجنب خطاب التدافع , و منزلقات المهاترات الايديولوجية و مغريات المجادلات الكلامية . والذي يعصمنا من كل ذلك ، أننا نتخذ من البحث ، ركاب مطية ، وحلقة باب منها نستأذن الدخول و عندها نشد الراحلة ، أي البحث في المنهج و الطريقة و محطّات للوقوف ، عملا بالحديث ” اعقلها و توكل “، وهو عقل تعقّل، لا عقل اعتقال تعقل لمسارات الخطاب المعرفي في الثقافة الإسلاميّة .

لذا فنحن هنا ننصب من النص و فيه كي نخالط ما تمازج فيه عسانا نقدر أن نفهم اسس القول و آليات اشتغاله ، و التركيب و اسرار فعله ، و المطلوب و حكمة الأمر منه ، و الإحالة هل هي حقيقة منتهاه ام بدايات تشكله و مقصده . ذلك أننا ، هنا ، لا ننظر في النصوص الشرعية بعدها التأصيلي ولا شرطها المعرفي، وإنما نحن حيالها، ننظر بعين المحلّل الابستيمولوجي يغريه من النص حركة الواقع فيه، وانبناء الخطاب في سياقه . طموحنا ، في هذا إذن ، ان نمسك بدايات الخطاب ، كي لا تربكنا المنعرجات والتقاطعات التي و لا بد اننا واقعون فيها وعليها في القادم من القول .

ربما امكننا النظر ، الى لغة القران و تسامحه في الصياغة و التركيب و حتى في الانتقال بين اللهجات ، كنوع من الاستراتيجية الممنهجة لبناء لغة جامعة و موحدة تكون أساس الخطاب الوحياني الطالب للتجاوز و الشمول و اختراق حواجز و موانع القبيلة الموغلة في الذاتية ، القران كما نزعم يريد هدم تلك الأسور و البحث عن ساحة التقاء ( خلّوا بيني و بين الناس )

تأسيس النص

مثّل النص القرآني لحظة فارقة في تاريخ تشكّل و تطور الذهنية العربية حتى قبل أن تتحدد خصائصه و مقوماته هو ذاته ، فالقرآن كخطاب تأسس منذ بداياته على التعالي الانطولوجي والمعرفي ، يعيد أو لنقل يدشن في الذهنية العربية ، تراتبية القول و تعالي المعرفي المفارق ، فالشعر و الكهانة و غيرهما من أنواع القول المتداول في تلك البيئة ، كانت العلاقات فيما بينها، رغم التوتر في بعض الأحيان ، علاقات تشابك و تنافس على الواقع ، بمعنى وغاية التداول ، و برغم أن بعضها كانت له الأولوية و المكانة الخاصة ، كالشعر مثلا ، فإن تلك المكانة ما كانت تعني و لا تفضي إلى نوع من التعالي و طلب السيادة المطلقة ، فكل مستويات الخطاب كانت تقبل التعايش و التأثير المشترك في الواقع ، لكن أبدا ما كان الاقصاء واصرار التهميش و فرض التعالي ، صفات راسخة في تلكم العلاقة . مع هذا الخطاب الجديد ، هناك تراتبية في القول و سيادة سعى إليها هذا الوافد و نافح و كافح طويلا من أجل الظفر بها وتأسيس العلاقة وفق شروطها ، فالخطاب القرآني منذ بداياته الأولى لا يقر بأي مساواة بينه وبين كل تلك الخطابات ، بل أكثر من ذلك هو ينسفها و لا يقر لها بأي سلطة على الواقع و لا يحترمها كمرجعية معرفية أو تحكمية (والشعراء يتبعهم الغاوون)

بهذا المعنى مثّل الوحي من الزاوية الابستيمولوجية ، قطيعة معرفية لا تقبل المهادنة ، ورغبة جامحة لامتلاك المبادرة حيال الواقع و الانفراد في التأسيس و البناء ، مع الرفض التام لإعطاء الخطابات المنافسة حق المشاركة ، بله التواجد و الفعل المعرفي والانطولوجي . وربما هذه الصرامة و عدم التسامح المطلق مع كل الموروث السابق و المنافس على أرض الواقع ، تعطينا بعض التفسيرات و الايضاحات عن ذلك العداء و الرفض الذي جوبه به هذا الخطاب برغم هامش الحرية الدينية التي كانت ميزة الجزيرة العربية ، و كذلك برغم أن الدعوة إلى التوحيد العقائدي و التهجم على الاصنام كانت مسألة ألفها الواقع و تعامل معها بتسامح كبير ، بل هناك نوع من الاحترام و التبجيل الخفي لمواقف تلك الفيئة من الدعاة “قال ابن سحاق : و حدثني هشام بن عروة عن أبيه ، عن أمه اسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، قالت : رأيت زيد بن عمرو بن نفيل شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة ، و هو يقول : يا معشر قريش ، و الذي نفس زيد ابن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري ، ثم يقول : اللهم لوأني اعلم أيّ الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا اعلمه ، ثم يسجد على راحته ” فهذا النص و غيره كثير يقف شاهدا على درجة التسامح التي كان العرب يقابلون به مختلف تلك الدعوات المجاهرة بالنقد حتى أن اشعارهم و خطبهم كانت تحفظ ويقع تداولها دونما حرج ، بل أكثر من ذلك ، ربما كانت ندرة حالات التضييق و خصوصيتها تكون داعمة لموقف التسامح الذي هو الاصل والتضييق الاستثناء ، فالحالة الوحيدة التي يحدثنا عنها ابن هشام في سيرته هي ما تعرض له زيد بن عمرو بن نفيل من الخطاب عمّه . فقريش و الملأ المتحكم فيها ، ما كانت نفوسهم تضيق بتلك الدعوات ، رغم المجاهرة و الدعوة الصريحة ببطلان ما هم فيه من الاعتقاد .

الجديد و الحاسم في هذا الخطاب الحنفي الجديد أنه لا يهادن البتة و يرفض أي صيغة من صيغ التعايش و التجاور ، فالخطاب الوحياني مفارق لكل ما سبق و ذلك ابتداء بالصيغة التي تشكل من خلالها و العلاقة المتلبسة التي تنزّل بها ، و التي بقيت مستعصية على الفهم والإدراك . و حتى التفسيرات التي قدّمت لهذا النوع من التواصل ، كانت أكثر غموضا و لم تزد الامر إلاّ التباسا حتى على ذات الرسول ، الذي بقي يكابد هذا الخطاب إلى آخر لحظات تنزّله .إذن هذا الخطاب هو بالأساس خطاب غير مدرَك كصيغة تواصلية . و هذا التعجيز والإفحام لم يكن طبعا لغير أهداف و مرامي تأسيسية .

من البيّن هنا أنّ الخطاب الوحياني منذ تباشيره الأولى يسعى إلى تأسيس ” عالمه المعرفي” أو بلغة فوكو ابستيميته الخاصة و هذا طبعا لا يكون إلا بعد احداث قطيعة ابستيمولوجية تطال كل ما سبقها ، و تُعمل معول الهدم فيه بدون اي نيّة في التسامح أو المناورة . و النص كما تشكّل ، و الرسول كما تعامل مع خصومه ، تعطينا صورة جليّة عن كل تلك الصرامة التي خطّها الوحي و التزم بها الرسول تجاه سياسات الإغراء و التهديد التي قابله بها خصومه الذين كانوا بالأمس القريب لا يلتفتون مطلقا لكل دعاوي التوحيد التي نادى بها الاحناف و تغنوا بها في اشعارهم .

و نحن في هذا المستوى من القول و في عموم نظرنا ، ننطلق بالأساس من الخطاب كأداة للتأسيس و نبتعد عن التوظيف السوسيولوجي و السياسي في ادراك عملية البناء المعرفي ، وهذا الموقف المنهجي ليست دواعيه عدم الاعتراف بالأهمية لتلك الابعاد ، بالعكس تماما فنحن نقر بخطورة الممارسة النبوية في تثبيت دعائم الخطاب الذي تحمّله ، كما أننا نذهب أن الواقع السياسي و الاجتماعي الذي اعقب وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم كان له الدور الفاعل و الحاسم في ارتفاع بناية النص كأحد مجسدات الخطاب الوحياني .

طبعا عندما نتقدّم في التحليل كل ذلك سينكشف و تبرز أشجار الغابة تباعا ما يهمنا هنا ، الخطاب في حد ذاته ، و بالتحديد مرامي و اهداف تلك الصرامة و الصلابة البنيوية التي تشكل من خلالها و تلك العلاقة المتشنّجة و العدائية التي واجه بها واقعه و مختلف السياقات التي تحرّك فيها .

ماذا كان يطلب النص من وراء كل ذلك الغضب ؟

و ماذا يهدف بكل تلك الحروب التي يشنّها ؟

خطاب التأسيس

ربما كان هذا العنف و هذه الصرامة في تنزيل القول و افساح المجال له في ذهنية المتقبل ، قد تتعارض و المرامي الإصلاحية و التقويمية التي يبشر بها هذا الخطاب . اعتراض قد يبدو وجيها ، و تساؤل قد يكون مشروعا خصوصا و أن الخطاب القرآني لن يتوانى لاحقا في التعامل مع الواقع و مع الطارئ بكثير من الاريحية و البراغماتية ، التي كانت ، في كثير من الأحيان ، مستفزة و مربكة للأتباع ، غير أن النظر الدقيق في استراتيجيات الخطاب الوحياني يدرك جيدا ، أنه لم يكن حريصا في بداياته أن يستهل الاشتغال على الواقع ، بقدر ما كان حرصه منكبا على اعادة صياغة الذهنية العربية و تحطيم بناها المؤسسة و آليات اشتغالها .
الخطاب القرآني منذ بداياته كان التصور و النظر و بناء الفكر هو ما طمح إلى إعادة تشكيله و لعل نظرة سريعة لقاموس المصطلحات المستعمل في القرآن و خصوصا في بدايات تشكل الخطاب فيه تعطينا دليلا دامغا على ما نقوله ، و نحن ستكون لنا وقفة مفصلة بعض الشيء مع هذا القاموس فيما سياتي من تحليل . للأسف القراءة الإيمانية لهذا التوجه التأسيسي ، قد افقدته زخمه و أبعاده المعرفية ، عندما لم تر في كل ذلك المجهود التنظيري ، سوى تدعيم و تأسيس التوحيد و مواجهة الشرك . ذلك أننا نعتقد أن مسألة الألوهية برمّتها ، و إن كانت من بين مرامي الخطاب و أهدافه إلاّ أنّها جزء من كل و ليست جوهر المسألة كما هو السائد من القول . فالشرك كما كان سائدا في شبه الجزيرة العربية و في قريش على وجه التحديد ، مسألة اجتماعية ، سياسية بالأساس ربما لو نظر لها من وجهة نظر اعتقادية صرفة ، ما كانت لتشكل خطرا مهددا لمفهوم الألوهية ، غير أن هذا الشرك بما يتأسس عليه من تسامح و انفلات من كل ضابط و حدود في تصنيف القول و احترام شروطه ، يهدد بغياب المعنى ، و انفتاح الوجود برمته على المجهول . و هذه هي التهمة ، و الإدانة الحاسمة التي يوجهها الخطاب القرآني لهذا التعامل اللامسؤول للعربي تجاه اعتقاداته ، و هي الحلقة التي منها ينسج الخطاب القرآني أولى أساسيات القول عنده ؛ البحث عن المعنى .
الخطاب بهذه الصرامة ، التي تأسس عليها و جعلها خصيصة قوله ، إنما كان يهدف من خلالها تهيئة الأرضية و تحصين الأسوار و رفعها إلى أقاصي الحدود ، لأن ما سيبنى هنا شيء غير قابل لأي تلاعب أو تهاون مهما كانت المبررات ؛ إنه المعنى و الوجود .

المعنى هو حقيقة الأشياء بغيابه تفقد الاشياء خصائصها و مبرراتها ، فأهمية الأشياء و ميزان التعامل بها ، هو ما تحمله من معاني و تحيل عليه من قيم و محددات ، لا شيء، هكذا يقرر الوحي ، على البداهة و السجية و لا فعل خارج سياق المسؤولية ، و لا قول بغير وظيفة في الجملة ، لا حشو في الكلام ، ليس من شيء إلا و له احالة على معنى يجب أن يدرك . كذلك الوجود ، حقيقة يجب أن تحترم و يعاد لها الاعتبار و ذلك بالوعي به و احترام شروطه . و هذا التلازم بين المعنى و الوجود ، هو الجوهر الفرد ، بلغة المتكلمين ، الذي سيشكل جسم النص ، بالإتلاف و التمازج طورا و الطفرة و الكمون طورا آخر .

الوجود والمعنى

هذا التوجه الواضح و الحرص العنيد لإعادة الاعتبار لمفهوم الكلمة و القول المنفلت في الذهنية العربية التي كانت تتبنى ” الليبرالية الدينية ” في إيمانها ، لما يوفره ذلك النوع الديمقراطي من الإيمان ، من مكاسب مادية و اجتماعية و سياسية ، بالإضافة إلى “اعتبار الدين مسألة شخصية [حيث ] لم يكن التدخل في الشؤون الدينية الفردية أمرا واردا ، يمكن تلمّس ذلك من وجود النصارى و اليهود في مكة ، و تعضيدا لهذا الرأي يمكننا اتخاذ موقف العاص بن وائل الذي أجار عمر بن الخطاب حين دخل الإسلام بقوله لقريش : ” رجل اختار لنفسه أمرا فما لكم و له ” – بلوغ الأرب ك 1/328 – 329 – ، كذلك مطالبة قريش أبي بكر على مواصلة تعبّده داخل بيته دون الإساءة إلى الآخرين – حياة الصحابة : 1/ 2015 ” و حوارات الخطاب القرآني مع معارضيه و الرسول صلى الله عليه و سلم مع الملأ القرشي تقف شاهدة على ذلك الفهم الذي كانت تتبناه الذهنية العربية للإيمان ذلك التوجه الذي كان ولا بد ان يتأسس على احترام القول مالم يصادم المصالح و يفضي إلى مشاحنات ، أي أن القول كانت له مطلق الحرية و السيادة على المعنى و المفهوم .
و لمّا كانت ” الكلمة ” هي المعلم الحضاري الأكثر بروزا و تألقا في الجزيرة العربية ، فإن استهداف ذلك الصرح الشامخ ” الكلمة / الخطاب ” ، هو إمساك بدفة القيادة ، و وضع اليد على الجينة المتحكمة في البناء و التشييد . و هذا ما وعاه الخطاب الوحياني و اشتغل عليه بصرامة و جدّية ، من أجل إعادة نحت الشخصية العربية كحامل لهذا المشروع الإصلاحي والمسوّق له ، فالوحي يقدّم نفسه منذ البداية ، و بدون أي موارية ، كرسالة كونية تستهدف العالم باسره بل أكثر من ذلك ، هي الوجود كلّه تريد ؛ المدرك منه ، و غير المدرك ، تريد أن تصحح مساره و تعطيه معناه الدقيق . و من هنا كان الاستحواذ على ” القول ” هو المنطلق للبناء . لكن بناء ماذا ؟

أ – الوجود

ليس مستغربا و لا مدانا ذلك التمثّل الساذج و البكر الذي نجده في الذهنية العربية للوجود ، فذلك الانفتاح الذي يتحرك فيه الأعرابي ، و ذلك الانعدام شبه الكلي لمقومات المدنية ،والعيش في العراء ، و التحلل من كل التزام اجتماعي غير اعراف القبيلة ، كل ذلك جعل تمثّل الطبيعة و الكون جملة ، غائم الملامح ، متلبس المعاني ، ساذج الدلالة . فالطبيعة عند الأعرابي تعني الإمتداد و عدم الثبات ، فالمعالم كثبان رملية تشكلها الرياح كيفما اتفق بغير اسباب و لغير أهداف ، و النظر لا يستوقفه قريب و لا يستفزّه غريب .وقد انعكس ذلك على ” خطاب ” الأعرابي و فكره ، فلست تجد في قوله من معالم الوجود إلاّ القليل من الكلمات و حتى ما استعمل منها كانت الأغراض الشعرية أسبق إليه و أمكن منه . وهذا الغياب للطبيعة كمفهوم و مقوم أساسي في وجود الأعرابي ، قد ساهم وأثّر في تلك الذهنية المفتتة في نظرتها الفسيفسائية للطبيعة، فهي كحبّات الرمال ، ليست العلاقات و الاتصال تحكمها ، و إنما هي ذرّات تعبث بها الاقدار كيفما اتفق ، حتّى النجوم و لئن كانت ثوابت بها الزمان يتحدد عندها، و الأماكن تعرف صفاتها ، فإن وجوه الأحبة قد غلبت عليها فهي لها صفات .

ما نريد أن نقوله ، إنّ الأعرابي ما كان له ذلك الوعي بالطبيعة كمحل و متعلّق بوجوده ، و منطلق لحياته العالمة ، هو يعيشها و يتفاعل معها وفق تأثيرها على قوته و رغد عيشه ، أمّا وجوده الانطولوجي ، فما كان لحبّات الرمال تلك من اثر ، غير أن تكدّر عيشه و تعطن ماءه .

لذلك ، و في سياق القضاء على هذه الصبيانية في التعامل مع الوجود ، نجد القرآن منذ بداياته يحيل على الطبيعة كمعطى حاسم و محدد في هذا الوجود فهي الآن الآية و الدليل والحاكمة والشاهد على ” القول ” ، هي تستعاد أو تبعث في ذهن الأعرابي كمعطى هام على صدقية القول ، من خلالها و نتيجة علاقته المتينة بها يكتسب تعاليه و سطوته . والوحي يقدّم نفسه ، على اعتبار انه الخطاب الوحيد الذي تربطه بها – الطبيعة – علاقة تطابق و انسجام ، و هذا البعث للطبيعة ، كمتحكم و فيصل في الدعاوي التي ينطلق منها النص الوحياني ، هو الذي أربك و باغت الأعرابي الذي ما كان يتوقع او يتفهّم كيف انّ وجوده و عالمه الذي يحسب انّه يمسك بزمامه ، يكون شاهدا عليه ، فاضحا لجهله وضياعه !

كيف انّ هذا الوجود يقرّ ويعترف باللاوجود ، و يكون أكبر شاهد و حجة له !

فالقرآن بكل دعاويه إلى النظر و التدبّر و التفكّر و التبصّر يعيد بناء هذا ” العالم ” الغائب عن الأعرابي ، كوجود له كل مقومات الحياة ، و الفعل و الحضور .

هو عالم ، أولا، غير منعزل عن ذات الإنسان. ثانيا ، هو عالم له حضوره الفاعل والمؤثر في وجود الإنسان. ثالثا، وهو المعطى الاكثر أهمية ، أنه عالم يتأسس على النظام و العدل يمكن أن يكون الدليل و الشاهد و الحكم في هذه الحياة . هذه الفكرة التي تستعمل في مستهلّ الخطاب لأغراض دعوية و ترويجية و حتى حجاجية ، سنرى لاحقا كيف كانت المنطلق والأساس الذي انطلق منه البعض ، و هم القليل للأسف ، في بناء تصور ثوري و”حداثي ” – طبعا منظورا إليها في سياق الخطاب المعرفي الرائج حينها – عن الطبيعة و الطبائع .
لنحوصل ، فنقول ؛ إنّ هذا الخطاب المتعالي و الرافض لتهمة البشرية ، ينطلق ممّا هو دونها ليبني تعاليه و مفارقته ، اليوم ، و معه ، الطبيعة و الوجود عامة ، هي حجته على هذا الإنسان، و دليل الإدانة ، إن هو أنكر هذا الخطاب ، الذي ينسج رداء كبريائه وتعاليه ، من كل تلك الأشياء التي كان الأعرابي يحتقرها ولا يرى لها في الوجود اعتبارا ؛ الجبال والسهول و حتى الحيوان و المحتقر من الحشرات ، هي عوالم مثله ، بل قد تفضله بما تمثله من شهادة و دليل على قدرة الخالق و تعاليه .

هكذا الطبيعة ، قد غدت ، تبكيت الإنسان و لسان جحوده ، حيث تُعطى الحُظوة و المعنى

ب – المعنى

برغم كل ما ” للكلمة ” من مكانة في الذهنية العربية ، و في مختلف مستوياته الوجودية ، فإنّ الأعرابي ، فارس القافية ، قد طوّحت به جمالية الصورة ، و رمزية الدلالة ، بعيدا في مجاهل القول و مفاتن الشكل . فبحث الأعرابي عن القافية و انسياقه وراء ضرورات السجع و التقابل قد جعلت منه مُفتّتا بامتياز ، لتصبح اللغة عنده شبيهة بالصحراء تقوم على الترادف في التسمية ، حتّى أرهق من جاء بعده في الحصر و العد ، فتجد للشيء الواحد العشرات من الأسماء و الصفات ، و كأنّ اللغة في تصوره ، لوحة فسيفسائية ، تستمد مكانتها وقيمتها من عدد الاحجار و القطع فيها . و طبيعي جدا أن تكون نتيجة هذا التوجه ، ضمور المعنى ، بل ربما قلنا ، ذوبانا له و اندحارا لسطوته على الكلمة . فالأعرابي بما يفرط في النحت و الاشتقاق ، يمنح نفسه مجالا رحبا للمناورة و الاشتغال على اللغة بغير ما قيد و لا ضابط يلزمه الوفاء للمعنى ، حيث يصبح هذا الأخير – المعنى – المتحكَّم فيه ، لا الحاكم في بناء النسق ، فذلك القاموس الرهيب الموضوع تحت تصرّف الأعرابي ، يمكنه من التلاعب بالمعاني كيفما شاء ، و أن يقول فلا يخطئ ، و يخطئ فلا يدان ، باعتبار أن الكلمة تقول أكثر من معناها ، و العبارة ربّة خالقها ، و اللفظة بحسب لافظها . و هذه الخصوصية التي يمتاز بها خطاب الأعرابي ، هي إلى جانب ما تسمح به من مرونة في التوظيف و الاستعمال ، هي تفسح المجال التداولي على اللامنضبط و اللامسؤول من الموقف . فالأعرابي منفتح جدا في علاقاته و ارتباطاته الاجتماعية و السياسية ، ما يعقده اليوم ، قد يتحلّل منه غدا ، و من يهجوه الليلة قد يمدحه إذا أصبح رائق البال . اللغة تسمح بكل ذلك ، و الدلالات تبنى بغير ضابط ، فالشيء يُسمّى بجزئه و بعضه و كلّه وضدّه ، و الكثير من الكلم له من الأريحيّة أن يسمح بالتلاعب بألفاظه تقديما و تأخيرا وتبديلا ، بدون أن ينال ذلك من المعنى شيئا . هل هو نوع من التحلل والميوعة المفهومية أم هو الانسياق وراء المصلحي و البراغماتي ؟ هل هي العلاقات المتحكمة في البناء ، وليكن المراد و المقصد من بعد ذلك ؟ يبدو أن كل ذلك كان صحيحا ، فالمهم بالنسبة للأعرابيّ أن تكون القافية مستقيمة و الكلمة ليست نشازا في البناء ، الصوتي خصوصا .

الخطاب الوحياني يرفض هذا التلاعب السمج ، و هذا التحلل الفاضح ، فجمال العبارة و إيقاع الجملة ، ليس أبدا تعلة لاختراق المعنى و العبث به ، فالوجود هو بالأساس مجموعة من المعاني و الكليّات التي يجب أن تحترم ، و الصدق هو أساس الكلمة و الحقيقة منتهى اللفظ .

القرآن يؤسس الجديد من القول ، بإعادة الاعتبار للمعنى ، حتّى و لو كان ذلك على حساب العلاقات ، الصدق و الحق ، هما الفيصل في القول ، و اعطاء الأشياء جوهرها ، مقدّم على تفتيتها و التنطّع في التسمية و التوصيف . فليس من قيمة للشيء أن يكون له مائة إسم ، و إنما أن يحيل على متعيّن ، صادق في معناه . الخطاب الوحياني في كل ما يمسك من الأشياء ، وفي كل ما يضع من أسس ، يحرص أشد الحرص على إبراز حقيقة الشيء و جوهر ذاته ، هي معاني الأشياء و حقيقتها ، ما به تكون المعرفة و يبني القول نسقه ، لا التوهان في التفصيلات و اللعب على المترادفات . والأشياء بما تحيل عليه و تؤسسه من دور في الوجود ، إنما تستمد مكانتها ، و ليس بما تحمل من كثير الصفات . القرآن يدين ” استيهام المعنى ” وضياع حقيقة الأشياء و ما تحيل عليه ( ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) – الشعراء 225 –

فالطبيعة و الوجود عامة ، قد أُعطي هذا الكائن ، ليكون مرقاه إلى تلك العوالم المفارقة ، ودليله في السير إليها ، وربما لو أحسن الإنسان قراءة خطاب الكون ، لما كان في حاجة إلى خطاب الوحي . فهل بهذا المعنى يمكن القول ، إن الوحي هو بالأساس خطاب إدانة لضياع الإنسان و عجزه أن يتعامل مع واقعه و يحسن فك رموزه .

إن حالة الصبيانية التي انساق وراءها الأعرابي ، و رفضه أن يكون لقوله حدودا و ضوابط تؤسسه ، هو الذي أدى به إلى حالة ” الجاهلية ” ، فالقيود و المعاني ، هي التي تبني المعرفة و تؤسس الحقيقة في الكون ، أمّا التزلّف بالمتشابه من القول و المشوّه من المعبود، هو سقوط في حالة اللبس و الوهم و الشرك
الوجود حقيقة و المعنى غاية ، هذه هي المعادلة التي يضعها الوحي و يطالب الأعرابي بالانخراط الجاد في تحقيق ابعادها و احترام مقتضياتها .

تأسيس الوجود

{إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان، خلق الإنسان من علق ، إقرأ و ربك الأكرم الذي علّم بالقلم ، علّم الإنسان ما لم يعلم } – (العلق :1-5)

هذا النص الافتتاحي الذي يقتحم به الخطاب الوحياني عالم الأعرابي، الساكن والمطمئن إلى ما ترّسخ لديه من أنماط العيش والإدراك. والنص بعيدا عن كل حيثيات تنزّلاته العجيبة والمربكة و المستفزّة غاية الاستفزاز ، يتأسس على الترادف و التكرار
– اقرأ باسم ربك / إقرأ و ربك
– الذي خلق / خلق الإنسان
– علّم بالقلم / علّم الإنسان/ مالم يعلم

أربع جمل تنبني على أربع كلمات أساسية (إقرأ – خلق – علم ) ، هنا بنية مستحدثة ، ما هي بالشعر فنجد الصدر و العجز ، و قافية تسوق خطو الكلم ، و لا هي من ذلك النوع الذي ألفه الأعرابي على ألسنة الكهّان و السحرة و لا حتى شبيها بذلك المتداول باحتشام من قبل من عُرفوا بالأحناف . الشكل في حد ذاته مربك ، فالنبيّ و هو أول المخاطبين ، قد كابد العنت الشديد حتى بلغ منه الجهد ، مستشعرا غرابة و تميّز ما يلقى إليه ، وهو القرشي ابن الأربعين الذي خبر و لابد خطاب قومه وبنيته اللفظية ، وسواء أكان التساؤل (ما أقرأ؟) لطبيعة ما قدّم له (نمط من ديباج فيه كتاب ) ، أو لمطلوب الأمر ( إقرأ ) فإن فعل الإندهاش و التردد كان ضمن استراتيجية الخطاب التي وقفنا في المبحث السابق على بعض تجلياتها التي استثمرها الخطاب القرآني كأروع ما يكون الاستثمار في بناء نصّه فالخطاب يبدأ مستعليا شكلا ومضمونا ، كتاب في ديباج و أمر يتبعه ( غتّ / غطّ ) .

إذن منذ البداية تتحدد استراتيجية النص و آليات اشتغاله ، خطاب استعلاء و تقرير ، خطاب بناء و تأسيس ، الأمر استهلاله ، و التكرار توكيده و إصراره ، و هناك أيضا تقابل في منتهى التضاد بين الباث و المتلقي ، فالباث (ربك الذي خلق / ربك الأكرم ) ، و المتلقي (لم يعلم ) ، بل حتى وسيط العلاقة يستشعر في ذاته التعالي و يمارسه ( فغتّني /فغطّني ) و النتيجة (فرجع بها رسول الله صلى الله عليه و سلم يرجف فؤاده )و ذلك يعني نجاح الخطاب في السيادة على الذات المتلقية و فعله فيها ، القبول و الإذعان ، بمعنى التسليم المطلق بكل حيثيات الخطاب ، وهي المسألة التي نرى أنه من المفيد الإشارة إليها لأهمية الوعي بها واستحضار ابعادها لبناء علاقة سليمة مع الخطاب و مع النص لاحقا . فجوهر الخطاب الوحياني أنه خطاب التعالي والسيادة بامتياز، خطاب القول والتأسيس دون الخضوع إلى تحكّمات مسبقة، وهذا للأسف ما تغافلت عنه، إن لم نقل تعمدت إنكاره عمليات التدجين و التفتيت التي تعرّض لها النص ابّان عمليات إعادة التشكيل و القولبة النهائية داخل المصحف . فالخطاب القرآني و خلال فترة تنزّلاته التي دامت القرابة الثلاث و عشرين سنة قد احتفظ لنفسه بكل الحرية في عملية تشكيل النص و بنائه ما جعله يحافظ على غرائبية القول لديه وتعجيزه لكل محاولة للمعارضة أو الاختراق .

كانت عملية البناء تتم في نوع من ” الفوضى ” المبتكرة و الخلاّبة في نفس الوقت ، أكثر من سورة / ورشة يتم الاشتغال عليها في نفس الوقت ، هناك ” الحذف / النسخ ” و التلاعب على أكثر من مستوى طول السورة و عدد الآيات و طولها ، نوعية الفواصل و تكرارها … كل ذلك مع المحافظة على الرهبة و المكابدة التي تصحب عملية التنزيل / الوحي ، و كلّها كانت استراتيجيات اشتغل عليها الخطاب الوحياني بكل فاعلية ، لم تترك للأعرابي المعايش لهذا الخطاب الوافد ، سواء بالرفض أو القبول ، لم تترك له مجال التشكيك في جدارة هذا القول وصدقيته ، إنه فعل الأمر الذي استهل به الخطاب قولة ، و العنت (الغطّ) الذي رافقه ، اللذان ما ترك للمتقبل أن يرى في ذلك النسق من القول ، خروجا عن المقبول و المعترف به من القول . الاعتراف بالنص مسألة محسومة منذ بداياتها حتى من قبل الرافضين ، الرفض في حقيقته كان موجها لمقول القول ، لكل تلك المربكات التي أقحمها هذا الخطاب على عالم الأعرابي الهادئ و المستقر ، فليست فوضى الكلمات و الآيات و حتى السور ما أزعج الأعرابي ، و إنما ” فوضى الوجود ” و “القبيلة ” هي التي أخرجت الملء عن تسامحه الديني و أجبرته على التخلي عن سياسات التقريش و الإيلاف التي أسس بها وجوده . النص و لابد قد احدث من ” البدع ” و أوغل في تحنيفه بما لا بد معه من التقويم بالحديد و النار .

فما هي محددات هذا ” الوجود المستأنف ” الذي جاء بها الخطاب القرآني ؟

و بالتحديد كيف يعاد بناء الوجود و علاقاته في الخطاب الوحياني ؟

” اقرأ ” يا محمّد ما يكتبه ” الذي خلق ” و ذلك لتُعلّم ما لم تعلم ، ففي الوجود فعل “خلق” يستدعي فعلا من الإنسان” إقرأ ” ليكون به و معه حصول العلم بعد أن لم يكن موجودا فالعلم بهذه الصياغة و وفق هذه المعادلة ، مشروط بالاستجابة لهذا الأمر ” إقرأ ” و الأمر بالأساس متعلق بما ” خلق ” و الآمر بالقراءة و الخالق للمقروء هو واحد ” ربك الأكرم ” وبالتالي فيستحيل المرور من حالة اللاعلم إلى حالة العلم إلا بالاستجابة لهذا الأمر مع ضرورة استحضار واحدية الآمر و الخالق الذي هو ” ربك الأكرم ” .

منذ البداية هذا النص يبني و يؤسس لمستحدث من العلاقة يراد لهذا الكائن أن يكون الطرف الفاعل فيها و البارز من خلالها ، فالخطاب الوحياني بهذا الاستهلال يكشف في تكثيف رهيب مجمل مرامي الرسالة التي هو بصددها ( لا ننسى أنه في رواية ابن هشام أن المقطع الأول من سورة العلق ” 1-5 ” جاء به جبريل في كتاب في ديباج و كأنه ترميز أن هذا المقطع يلخص كل الكتاب )، علاقة بين هذا الكائن ” الإنسان” و هذا ” الخلق ” الذي هو جزء منه بطبيعة الحال ، و العلاقة هي بالأساس من أجل الخروج من حالة اللاعلم ” مالم يعلم ” إلى حالة العلم مع البقاء متيقظا إلى ” ربك الاكرم ” .

النص بالأساس يطرح المسألة المعرفية ، الإدراكية لهذا الأعرابي المنسحق في وجوده ، أو لنقل و كأنه هنا يقدّم إشكاليته الجوهرية التي سيشتغل عليها ، هو هنا لا يفصّل و لا حتّى يجزّئ ورشات عمله ، و إنما هو بأسلوبه الذي سيمتد على طوال النص القرآني ، يكثّف المعاني و يمزج بعضها في بعض . لذلك فنحن نعتقد ان القراءة التي يقدمها ناصر حامد أبو زيد تجانب الصواب ، حيث لم تسعفه القراءة البسيكولوجية في النفاذ الي المرامي الحقيقية لهذا المقطع ، بل أكثر من ذلك فهي بربطها الجدلي بين ذات الرسول و النص قد قضت على كل التعالي و السيادية التي جاء بها النص و أسس لها فلا يمكننا بحال من الأحوال أن نعتبر أن ” الايات الأولى التي نزلت من النص في عملية الاتصال الأولى ، و هي آيات سورة العلق ، تكشف لنا عن طبيعة الأسئلة التي كانت تحيّر محمدا و تحرّك أشواقه و تدفعه إلى الخلوة و التحنّث” ، هذه الأيات في تصورنا الشخصي ، هي في طموحها على العكس من ذلك بكل تأكيد ، فالأمر بالقراءة و الدعوة إلى الانتباه إلى الخلق ، مسائل ما كانت بالمرة شغل محمد و لا قومه و لا حتى من اعتبروا فيه من المصلحين (الأحناف) فهذا النص و كانه يتجاوز كل الإشكاليات السطحية و الهموم الملتبسة التي كانت ظاهر أزمة الأعرابي ، و ذلك بغية النفاذ إلى عمق المسألة المعرفية و الانطولوجية التي لم تكن لتخطر على بال أحد بمن فيهم الأحناف و لا حتى الرسول ذاته .

فالخطاب القرآني برغم كل التعالي و الكبر الذي يتأسس عليه و يفرضه ، يرتفع بهذا الكائن و يفتح له في الوجود دورا و في الحياة مسؤولية ، فالتعالي لم تكن غايته قهر هذا الكائن و الاستعلاء عليه و إنما التأسيس لشروط انعتاق هذا الكائن من سطوة وجوده و عجزه الإدراكي و ليس هناك من طريق للتخلص من قهر الوجود أفضل من ادراك حقيقة فعل الخلق و امتلاك شروط المعرفة . فأمر الاستهلال ” إقرأ ” لم يكن اذن بغاية القهر و”الغط ” ما كان الترهيب هدفه و إنما ابراز الدور و التنبيه على جسامة و خطورة المهمة .

الخلق هو المعطى المقحم في هذا الخطاب و هو هنا سبيل المعرفة و مبتدأ العلاقة بين الخالق و الإنسان ، و وسيط المعرفة و العلم ، الخطاب الوحياني يمارس نوعا من الاستفزاز و الرجّة مع متلقيه ، فهو ليس ذاك الخطاب الشعري المألوف و المنخرط في هموم القبيلة وصراعاتها ، و لا هو الخطاب الكهّان المطلوب كدعامة و ضامن لاستمرار الوجود الآمن للقبيلة ، هذا الخطاب ، المفترض بحسب لواحق الدعوة أنه يعيد تأسيس الوجود الإلهي في القبيلة ، لا ينطلق من هذا الهدف ، و إنما يطرح مسألة تبدو مستغربة و مستفزة ” إقرأ ” . أي أمر هذا ! في هذا السياق الأنثروبولوجي الذي يعيشه الأعرابي المستهلك بكليته في صراعات وجوده و متطلبات استمراره ! و أي معرفة قد تغريه حتى يتخلى عن طمأنينة السكون حتّى و إن كان ينبني على ” مالم يعلم ” ! لا أظن أن النبي ذاته و لا قومه ، كانت مثل هذه الدعوة و هذا الاستهلال أن تمثّل لهم مطلبا ولا حتّى محرّكا للاستجابة و الانخراط في هذا المشروع الذي يبشّر به الخطاب الوحياني .

هنا بالتحديد ، فيما نزعم ، تتجلى روعة الاستهلال و الدخول في عملية إعادة تأسيس و بناء الذهنية العربية، التي لم يكن ” الاعتقاد ” هو مأزقها و لا حتّى إشكالها المؤرق ، فعلى عكس ما انبنى بعد و وقع التلاعب به ، الشرك المدان و المهاجم ، لم يكن ذاك الذي يمس الذات الإلهية و حضورها في الفكر الأعرابي، و إنما ذاك الذي يجعل الالوهية في خدمة المصالح السياسية و الاقتصادية و لا يرى في كل الرأسمال الديني و حتى الشعائر الدينية سوى المردودية النفعية ، إذن الإيمان البراغماتي و الانتهازي ، هو المدان .

إن ما قام به الملء و أصحاب السيادة في الجزيرة العربية ، و ما استبطنه الأعرابي انسياقا و انسحاقا مع ذلك الخط ، هو أن أصبح جوهر الاعتقاد و الإيمان ينبني على البراغماتية الظرفية ، أي ان المعبود يستمد مكانته و هيبته من جملة المكاسب و التحققات التي يضفيها على الواقع ، المسألة التاريخية و الرمزية ما عادت المحدد الأساسي للمسالة الاعتقادية ، و هذا ربما كان من أبرز الأسباب التي حالت دون الاستجابة لإغراءات الديانتين السابقتين (اليهودية و المسيحية ) ، فالانغلاق العقائدي و الخطية الإيمانية مسالة غير ذات جدوى و لا تحقق أي مردودية اجتماعية و لا سياسية في تصوّر الأعرابي . كذلك يمكن قراءة كل تلك الدعاوي إلى الحنفية الابراهيمية التي نشطت كثيرا قبيل البعثة المحمدية ، كنوع من محاولة الرجوع بالمسألة الإيمانية إلى بعدها التاريخي و الرمزي ، دين إبراهيم جد العرب ، كرد فعل بعض الأفراد ” المثقفين ” بلغة كرد على ، على كل ذلك التسيب والاستهتار العقائدي الذي تفشّى في الجزيرة العربية و في الذهنية العربية ، المطبوعة على الانفتاح و العقلية التجارية الربحية . بل اكثر من ذلك نحن لا يمكن أن نجتث البعثة المحمدية عن ذلك السياق و ننكر جدارة التصور الذي يعتبرها تتويجا و الحلقة الأخيرة من ذلك المسار و الخط المشرق في البحث والتنقيب عن الحنفية الابراهيمية المتخلصة من شوائب العقلية التجارية . النبي نفسه يصرّح في أكثر من مناسبة أنّ الأحناف هم أنبياء أضاعهم قومهم .

الانحراف لم يكن إيمانيا ، و إن كان هناك الكثير من اللبس فيه ، و الإصلاح لم يكن وسيلته العقائد ، و إن كانت أنماطه السبيل إليه . الانحراف كان أساسه الجهل و الابتعاد عن منابع الإدراك ، و الإصلاح كانت وسيلته المعرفة و إعادة تأسيس الفكر ، لذلك استهل الخطاب ب “إقرأ ” كي يعلم الإنسان ” ما لم يعلم ” ، إنه الدعوة و لفت النظر للوجود و الكون من أجل تصحيح مسار هذا الكائن الذي بفقده العالم الذي يعيش فيه فقد ذاته و بفقده ذاته فقد خالقه و الوجود برمته . من هنا تبدأ ملحمة الإصلاح و إعادة تشكيل الذات العارفة و منابع الشعور والإدراك لدى الإنسان؛ اعرف دنياك التي فيها تعيش ، تعرف ذاتك و بمعرفتك لذاتك تصل إلى الخالق و تمتلك الوجود .

ومن هنا كان البدء !

فما الوجود في الحقيقة ، إلاّ هذا المبصر و المدرك ، إنها السماوات و الأرض و هذا الذي خلق من علق ،
النص و رحلة الرجوع إلى الواقع أن يكون هناك خطاب مفارق و تواصل غير مدرك و لا معلوم فتلك مسألة لم تكن شاذة ولا مستهجنة من قبل الأعرابي ، بل بالعكس ، فكل الخطابات المبجلة هي بالضرورة مفارقة فالأعرابي وفق تصوره للوجود و تراتبيته ، يرى أن أي خطاب ذا مكانة ، هو بالضرورة خطاب يصدر عن مفارق لحامله ، و هذه المفارقة و المغايرة من شأنها أن تعلي من مكانته ، بل أكثر من ذلك هي تمنحه درجات من المصداقية و المكانة تسمو به على غيره من الخطابات العادية . فالشعر الجيّد هو إلهام شيطان و تابع يختص به الشاعر ، حيث أنّ لكل شاعر متميّز شيطان وأو تابع يكون رفيقه و ملهمه ، حتّى أن الأعراب قد تداولوا فيما بينهم قصائد نسبوها للجن و لم يروا في ذلك أي مس من صدقيتها و مكانتها كملفوظ يتسامى عن القول العادي . و الكهّان أيضا لهم مصادرهم من الجن التي تأتيهم بالأخبار و صادق الأقوال ، هذه مسائل و مسلّمات لا يجادل فيها الأعرابي و لا تمثّل له أي إشكال وجودي و لا معرفي ، من أجل كل ذلك لم يكن الخطاب القرآني ليجد أي إشكال أو اعتراض يتعلّق بطبيعته المفارقة و المتعالية ، فأن يدّعي شخص أن ملاكا يأتيه ببعض القول ، فلا جديد في ذلك و لا خطر ما دام الكل يدّعيه و المجموعة تقبله و تقرّه عليه ، معنى ذلك أن ظاهرة الوحي في حد ذاتها لم تكن لتؤرق الأعرابي و لا حتى السادة ، فما العيب أن يدّعي محمد أن ملاكا يأتيه ببعض القول ، الم يدّعي من قبله جدّه تلك الرؤيا التي أفاضت لهم بئر زمزم …

لكن الإشكال و الصدام الذي وقع بين محمد و قومه ، كمستهدفين لهذا الخطاب ، فهو مقول القول ، و نص الخطاب ، هذا ” الكتاب ” الذي نزل به جبريل ملفوفا في الديباج ، كتاب يستفز أميتهم و رفضهم أن يكونوا أصحاب كتاب متحكم ، يضبط القول منهم و السلوك و يعلّمهم مالم يكونوا يعلمون . فهذا الخطاب ، و كما أسلفنا ، هو على غير ما ألف الأعرابي من القول ، ليست القافية منتهى طموحه ، و لا الإغراب مقصد كثافته، الخيال و المفارق لا يمثلان منتهاه و إنّما هو دائما يشد ّذاته إلى هذا الواقع و يعلن في إصرار إدانته له و أنه من أجل التغيير قد نزل . هنا الإشكال و مأزق التواصل ، فأي كتاب هذا الذي يتجرّأ على الواقع ، يسفّه الأحلام و يخطئ الأجداد و يريد تبديل التراتب في الوجود ؟!

لعلّه من المفيد أن ننطلق في تلمّس خصوصيات هذا الخطاب و جملة الاعتبارات التي جعلت منه نصا و قبل ذلك خطابا مغايرا مضمونا لكل ما ألفته الذهنية العربية من خطابات تصدر عن مفارق ، ان ننطلق من المعجم الذي اشتغل عليه الخطاب القرآني و وظفه ، فمثلا لفظة الأرض ( الأرض ، أرضكم ، أرضنا ، أرضهم ، أرض ) ترد ثلاث مائة و واحد و ستون مرة ( 361 ) كذلك لفظة السماء ( السماء ، السماوات ) ترد ثلاث مائة و عشر مرات ( 310 ) ، و هما تقريبا يردان متجاورين في أغلب المواقع و هذا الترداد الكثيف له أكثر من دلالة ، فالحضور البارز يحيل و يشير إلى المكانة التي يضفيها النص القرآني على هذين البعدين من الوجود . و أول أبعاد الدلالة تكمن في الربط بينهما ، فنادرا ما ترد هذه اللفظة دون أن تتبع أو تسبق الأخرى ، و هذا الإصرار على التلازم و التلاحق لا يخفي مدلوله الانطولوجي و بعده المعرفي ، و ثانيا و في سياق الورود و مطلوبه ربطهما بجملة من المصطلحات الهامة و التي بدورها مثّلت المنعرج في الرؤية و التصور حول هذا الكائن و وظيفته في الوجود ، و النص و طبيعة حضوره في الوعي و التأسيس للإدراك . فإذا كانت قافية الشاعر و قفلته هي بالأساس حرف أو حرفين ، فإنّ هذا الخطاب يبني فاصلته على مصطلحات و تراكيب هي بمثابة المفاتيح و الروابط ؛ مفاتيح لإدراك مغالق المعنى ، و روابط لبناء النسق و التصور . والناظر في كل تلك الفواصل تستوقفه أربعة منها هي الأبرز و الأكثر دلالة ، و الأشد تعلّقا باللفظتين السابقتين ( السماوات والأرض) .إنها أربع فواصل كثيرا ما تلحق ذكر السماوات و الأرض أو تسبقهما كافتتاح :

لعلكم تعقلون / لعلهم يفقهون / لعلهم يتفكرون
لقوم يفقهون / لقوم يتفكرون /
أفلا يعقلون / أولم ينظروا

أسئلة إنكارية كثيرا ما تمثّل الفاصلة التي تنتهي بها الآية و يحسم بها الجدل الدائر ضمنها كنوع من الإفحام و التبكيت عن ممارسة ما كانت تمثّل بالنسبة للأعرابي شرط وجود و نمط تفكير . فالخطاب الوحياني يطلب علاقات و يؤسس روابط جديدة كل الجدة .طبعا ليس من السهل تتبع مسارات تطور المصطلحات و المفاهيم في الفكر الإسلامي لعدّة أسباب لعلّ أهمها ذلك التلاعب الأيديولوجي الذي مارسه الآباء المؤسسون في خضم ذلك الصراع المحتدم من أجل تأسيس و تأصيل الأصول و المنافحة عن الخطاب القرآني عبر اسقاطات ابستيمولوجية لازال صداها بارزا إلى اليوم و يفعل فعله السلبي و المثبط و لكل محاولة في المجاوزة و استئناف عملية البناء و التراكم المعرفي ، التي هي بالضرورة مشروطة بمرحلة نقدية تعيد النظر في اساسيات القول الديني و تراتبية السياق داخلة . فشيء من بداهة العقول أن ما شغل الأسلاف بالأمس البعيد لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون هو نفسه أولوية من يقرأ و ينظر اليوم . و النص و إن كان هو ذاته لم يتغير بناؤه الداخلي إلاّ أن انعكاسات الواقع عليه ، و طموحات الإنسان و مرتجاه منه ، هو و لا بد شيء مستأنف و محاين لما يعيشه من اكراهات الواقع و طموحات الرجاء و النهوض . ولعلّ جملة الاضاءات التي يقدمها علم الدلالات و خصوصا البحث المميّز الذي أسهم به الباحث الياباني ( توشيهيكو إيزوتسو ) مفيدة جدا في التأسيس لهذا العلم ضمن الدراسات القرآنية ، فكل ذلك يرسم لنا صورة جليّة لتشكل و بناء المصطلح و المفهوم في الخطاب الوحياني و ذلك عبر اختراق المنظومة الدلالية للأعرابي ، و إعادة تشكيل الذهنية العربية و ذلك طبعا بالاشتغال على اللغة لدورها ” الحاسم في تشكيل رؤية الإنسان لعالمه [ وذلك ] من خلال إعادة تنظيم المفاهيم ( القديمة و المستحدثة ) و إدخالها في أنساق و علاقات ذات مستويات معقدة و متداخلة تشكّل نظاما جديدا ذا طبيعة مختلفة كليا عن النظام الذي كانت المفاهيم تتخذه سابقا و يترتب عن ذلك فهم جديد للعالم و دورا جديدا للإنسان فيه ”

اغتناء اللفظ غير مشروط بفعل النحت ، فسياقات الورود و متعلقات الصياغة قد تكسب اللفظة من الثراء و السعة ما قد يجاوز حدّها المعلوم ، فتصبح اللفظة بحكم الجوار غير ما كانت عليه ، و تختال المعاني البكر تزاحم في استعلاء ما اغتناه الفكر من تلك اللفظة ، حتّى لكأنّ القديم من المعاني في حكم المدان . و يجتهد الفكر بمجرد أن يمسك خيط النسج في إعادة بناء عمارة اللفظة عن طريق ثنائية الفتق و الرتق ، فتق ما خلق من المعاني ، و رتق الجديد الناضر في مجمع الثوب ، هذا ما يعلّمنا إيّاه علم الدلالة ، و هذا ما نرى الخطاب القرآني قد مارسه و اشتغل عليه في عمليات البناء و التأسيس .

الكلمة في الذهنية العربية ، هي السلاح الأشد فتكا ، و المفخرة الأعظم التي استبطنها الأعرابي ، فكانت جوازه لأرقى المجالس و منقذه في أحلك المواقف . هم فرسان الكلمة قد خبروها و وقفوا على حدودها و منتهى سطوتها ، ومن هنا فلا مجال للعبث مع هذه الجينة، ولا سبيل لاختراقها إلاّ عبر الاشتغال على العلاقات ، الخطاب القرآني منذ بداياته شديد الوضوح حيال هذه الإشكالية الحسّاسة فهو خطاب { بلسان عربي مبين }– الشعراء 195 – فالمرجعية اللغوية و حقل الدلالة منضبط منذ بداياته حتّى و إن كان الخطاب يقدّم نفسه ك {ذكر للعالمين } – ص : 87 / القلم : 52 / التكوير : 27 – و في هذا الملمح أكثر من دلالة و إغراء ، فالخطاب يحترم منشأه و يقر له بالسطوة ، بل و أكثر من ذلك يمنّيه بها و يفتح له أبواب التعالي و السيادة على “العالمين ” ، غير أن كل هذه الاغراءات و الأبواب المشرّعة نحو السيادة و السطوة ، ما استطاعت أن تحجب عمق و خطورة المراجعات والتأسيسات التي جاء بها هذا الخطاب و التي استهدفت بالأساس بنية الخطاب ” الأعرابي ” لذلك رأينا كيف كانت ردود أفعال الملء من قريش حيال هذا الخطاب برغم كل تلك الوعود و التطمينات التي قدّمها حامل الدعوة لأصحاب الحظوة و القرار من قومه ، مع ضرورة التذكير أنّه كشخصية كانت له المكانة المرموقة في قومة كرمز للنزاهة و الصدق و الأمانة والمسؤولية ، فالأعرابي المعتز بلغته و سطوته البيانية ، ما كانت كبرياؤه لتسمح له أن يتغاضى عن كل ذلك التفتيت والتلاعب الذي يطال لغته ، و ينسف كل ما تأسست عليه ثقافته من انفتاح على اللامحدّد واللامتعيّن من القول و الاعتقاد ، حتّى و إن كانت الوعود خلاّبة مغرية . و لأجل كل ذلك الصد و الممانعة و الريبة ، التي قوبل بها الخطاب ، كانت تلك الاستراتيجيات التي ألمحنا لها سابقا ، و لابأس ، هنا ، أن نزيدها بعض التوضيح .

فالكلمات بما تجاوره و تحيل عليه من مواقف شعورية ، قد انزاح بها الخطاب الوحياني بطريقة سلسة ، من مجالها التداولي المتعارف عليه و المستقر في الذهنية العربية ، إلى مجالات أرحب و أوسع ، ما كانت تخطر على بال هذا الاعرابي المتطامن ( المبالغة في الاطمئنان الى حدود السلبية ) . حيث يغدو النظر في ملكوت السماوات و الأرض طريق الإيمان { أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} – الأعراف ، 185 – و ذلك بمجاوزة مفهوم النظر بالمعنى الشعري الذي يبحث عن الصورة و الشبه ، إلى النظر بمعنى التفكر و التدبر {فَلْيَنْظُرِ الإنسان إِلَى طَعَامِهِ} – عبس ، 24 – { فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ} – الطارق ، 5 – فهذا الفعل المبتذل الذي ما كان الاعرابي يلقي له بالا يصبح أداة فاعلة و مهمة تكليفية ، تشدّه في علاقة مسؤولة و متبادلة مع ما يحيط به من أشياء ، فكل هذا الوجود المبصر هو بالنسبة للخطاب الوحياني طريق و وسيلة للتدبر و الاعتبار ، بمعنى بناء الموقف ، و التنبه لغايات الأشياء {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } – محمد ، 10 – ، الصورة الشعرية تتوارى أمام الآية القرآنية ، فالوجود قبل أن يكون صورا و أشكالا هو آيات و براهين للنظر المقاصدي و المسؤول .

كذلك التفكر ، هذه الممارسة السريالية ، المغرقة في التجريد و التهويم ، الباحثة في الصورة و الواقعة . فالأعرابي لا يرى أي علاقة بين الإيمان كعملية اعتقادية تتأسس على التسليم و تتبع خطى الأسلاف ، والتفكّر كتدبر و ربط بين الأشياء و الاعتبار منها . فهو قد اعتاد أن تكون العين عنده رسول القلب و بوابة الخيال ، أمّا أن تكون أداة تمحيص و تدقيق فيما يقوله و يعتقده فذلك هو عين الجديد الذي يربكه به هذا الخطاب القرآني ، الذي يبني اعتقاداته انطلاقا مما هو مبصر ملقيا وراء ظهره ، سطوة الأسلاف و جبروت الراسخ من الأقوال . و التفكر كطريق لبناء الذات و تأسيس الخطاب يبدأ من الطبيعة {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} – الرعد، 3 – {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ(10)يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأية لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 10) } – النحل – . كذلك الخطاب القرآني يؤسس لنظرة و نظريّة جديدة للحكي و القص ، فتلك الأسمار ، و أزجية الوقت ، و حنوط الأسلاف ، هي اليوم معه محل الفكر و معبر النظر من أجل العظة و التدبر ولتصحيح المسار أيضا {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(176)} – الأعراف – { وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(21)} – الحشر – . ……

الخطاب الوحياني يتطاول في جرأة و حسم في تثوير و تطوير مفهوم الإيمان ، الذي يصبح رديف الفكر و النظر، غير منبني بالضرورة على التسليم و المتابعة ، بل هو هنا مع الأعراب خصوصا ، يتأسس على نقض قول الآباء و الأجداد و التنكر لكل ميراثهم ، و هو توجه سنراه كيف يتدعّم عندما يدخل في مواجهة مباشرة مع الاعتقادات و الإيمانات السابقة (اليهودية و المسيحية و حتّى الديانات غير التوحيدية كالصابئة و المجوس ) فالإيمان الحق يتأسس على التنكر و التخلص من الموروث السابق المعتبر كانحراف و زيغ عن الطريق الصحيح للإيمان ، الذي تنكشف في جلاء حتمية مروره من خلال ثنائية النظر والتفكر(رمزية قصة إبراهيم حيال مظاهر الطبيعة بحثا عن الايمان يمكن ان تشكل إحالة على هذا الاعتبار المقحم في العملية الايمانية ) . بل أكثر من ذلك ذهابا في الحسم و القطع مع كل المظاهر الخادعة للإيمان ، يعتبر الخطاب القرآني أن كل تعامل مع الذات و الوجود لا تتأسس على الفكر و التبصّر هي بالضرورة طريق للكفر {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ(8)} – الروم – .

هكذا نرى كيف ينزاح الخطاب الوحياني بالكلمة من حقلها الدلالي الضيق ليشرّع أمامها الأبواب ، كي تحيل على المستحدث من المعاني ، و كل ذلك من خلال عمليات ربط علائقية تبدو في ظاهرها بسيطة غير ذات خلفية و لا مرامي تأسيسية ، فإذا الكلمة بما انفتح لها و بما شدّت إليه من علاقات قد أصبحت أغنى و أشد ثراء ممّا كانت عليه ، بل أكثر من ذلك تغدو كما الأساس الذي يطلب البناء أن يعلوه و الحبال أن تشدّ إليه ، هو التأسيس و صغائر الأعواد تُجمع إلى بعضها فتصير أوتادا تنتصب فوقها الخيام ، و ما احتاج الوتد في صلابته أن ينكر اصل معدنه أو أن يشذ عن عنصره .

مثال آخر قد يزيد المسألة جلاءً و الفعل وضوحا ، كلمة عقل ، فبعد أن كان مدار الكلمة الربط و الاستمساك و المنع و متعلقها الدواب و غريب الأسقام ، هي اليوم في سياق الخطاب القرآني ، ترتبط بكلام الله و كتابه {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(44) } ،{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) }. – البقرة –
و أكثر من ذلك هي متعلقة بكل الآيات التي تحيط بالإنسان{ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(118)} – آل عمران – { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(17)} – الحديد – فهذا الفعل الذي تأكد اليوم كقرين و خصيصة هذا الكائن المتفرّد و المتميّز ن هو نتيجة السير في الأرض و النظر في الوجود عامة { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي صُّدُورِ(46)}–الحج – حتّى أنّها بكل ذلك الربط تنزاح عن تلك المعاني المبتذلة (هي الأن مبتذلة مقارنة بما صارت تحيل عليه ) النحل والدواب و الرماح، نحو الدرس { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ(169)} – الأعراف – والمحاجة { لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ(76) } – البقرة – ، لتغدو هذه الآلة ( عقال ) التي كانت بالأمس القريب تمنع النخل أن يثمر و الدابة أن تجمح و اللسان أن ينطلق ، تغدو ، مع هذا الخطاب الوافد ، مانعة للإنسان أن يتردد و يكون من أصحاب السعير{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)} – الملك – ، مستحقا بهذه الصفة و هذه الممارسة أن يكون من العالمين { وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ(43)} – العنكبوت – .
هكذا من خلال هذه الأمثلة ، و التي هي قليل من كثير ، تتبين لنا استراتيجيات الخطاب القرآني في إعادة بناء و تشكيل الذهنية العربية ، انطلاقا من خطاب يستثمر الموجود من أجل إحلال المنشود ، و يخرج باللفظة من ضيق المعبر إلى سعة التصوّر و وضوح المطلب . وبعد أن كان الضيق علّة الأعرابي للانفلات من كل قيد و حيلته للتحلل من كل سطوة ، إذ باللفظة ، بكل السعة التي تنفتح عليها و المجاهل التي ترتادها ، تؤسس للمعنى و تبذر في الوجود ما سيغدو مع الزمان و يتشكل مع النص ، أسوار الحدود و موانع التجاوز اللامشروط و اللامسؤول .

إنّ هذا الانفتاح و هذا التجاوز هو لعمري كذاك الحبل المديد الذي يستعمله السائس عند الترويض ، فهو بمداده يغري فرسه بالانطلاق و حسن العدو ، حتّى إذا ما نست قيدها واستقام عدوها كأنها الطليقة ، كان شد الحبل في رفق و لين غير ناقض لكبريائها فترى تمام حريتها في مدى قيدها . الخطاب الوحياني ، و هو بين فوارس قد تنزّل ، يشاكس العقل و يخاتل الخيال عابثا بهذا الاعرابي الجموح يروّضه كما يروض هو ذاته فرسه ، و يحكم شكيمته ، كما يملك هو من شكيمة فرسه .

هنا في تصورنا تكمن روعة البناء و التأسيس في الخطاب القرآني ، حيث الوجود يُعاد له الاعتبار بذات اللغة ، و الصورة تشرق بألوانها الزاهية كأنّها رسمت من جديد و بأقلام بكر وما هي بالبكر ، فكل الفعل ، كما أسلفنا ، علاقات أُعيد ربطها ، و كلمات تداخلت في سياق اللفظ تقديما و تأخيرا ، إخفاءً و ابرازا ، فإذا المعاني تنثال من الخطاب كالمزن ترجّها الرعود فتلقي أحمالها و قد كانت بها ضنينة . القرآن قد استطاع ، بكل ذلك التلاعب و المخاتلة ،أن يعيد الصياغة و أن يعلي الأسوار مبعدا مداها عن الابصار حتّى لكأنها في حكم السراب ، وقد اعتاده الأعرابي في صحرائه فما عاد يلقي له بالا ، فما كان بالأمس محتقرا غير ذي اعتبار كرواسي الجبال و مطالع الأفلاك و معتاد الأفعال من أكل و شراب هو اليوم دلالات و آيات على حكمة الوجود و انتظام الفعل فيه ، فالتعاقب ليس الاسلاف من حكاه و إنما هي نواميس في الكون يعبر منها و لابد للإنسان كي يغادر جهله و قلة حيلته ، نحو أن يكون العالم و القادر ، أن يمسك شكيمة نفسه ، بل و أن يكون القادر على الوجود له عليه سطوة و آثار ، بدقيق نظره و عقال فكره . بل ربما كانت اسمى غاياته في الوجود أن يكون السيّد و المالك للإرادة فيه ، أوليس هو الخليفة الذي استحقّ سجود الملائكة له تشريفا و تكريما على هذه الوظيفة التي كلّف بها ، حتّى أنّ ابليس قد استحق أن يكون من الغابرين لرفضه الاعتراف بهذه السيادة و هذا الاستعلاء .

فالشمس التي لطالما عذّبته في نهاراته ، هي اليوم آية يلاحقها الليل بسطوته فيقهرها فما عادت السيّدة ، كذلك عناصر الوجود هي وفق هذا الخطاب ، له قد سخّرت كي يعتلي صهوتها ، فهذا الكائن الذي شُد إلى سبب الوجود الأول { ربك الأكرم } ما عاد في حاجة إلى مراقي و وسائط تبلّغ عنه شكواه و مرتجاه ، فالوحي اليوم يخاطبه مباشرة ليعلي له المقام في الوجود ، سيادة و رجوعا . { إقرأ } أيّها { الأمّيّ } فما عاد القول حكرا على من عنده قول الأسلاف ، و إنّما ” القول ” طريق للعلم و للمسك بالوجود الذي أصبح يخضع لمجرد الفكرة و النظرة و يُدرك بعقال القول و سديد الفقه ، هي الخيل الأصيلة إذا ما اعتادت عقالها ما عادت به تستكين . هكذا ينشئ الوحي ذواتا تفقه وجودها و حدود فعلها و سطوة جبروتها على كل ما يلامس سبب محنتها و قهرها . هي الطبيعة اليوم ملك يمينه قد استحلّها بلفظ الوحي ، غير أنّه تمتيع بشرط الإخصاب . فالوحي ، هو حازم منذ بداياته ، شديد في مطالبه ، يرفض من العلاقات حدود اشباع الشهوة ، و أن يهيم القول { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون } ، فلا يصدق حقيقة و لا قولا . فالطبيعة و الوجود عامة هي معابر نحو إدراك حقيقة هذه الحياة و استجلاء مراميها ، منها يكون البدء ، و فعل البدء نوع من التلفظ { إقرأ } .
إذن ، منذ بداياته الخطاب القرآني يقتحم الوجود بكليته جاعلا منه طرفا بارزا و فاعلا في معركة ادراك المعنى ، فالطبيعة التي كانت غائبة في وجودها ، هي اليوم الطرف الأبرز في عملية بناء و تأسيس هذا الكائن الذي يراد له أن يكون الأعلم مقابلة و رفعة مع و من ربّه “الأكرم ” .

هنا الإنسان، بالوحي ، يبلغ درجة التفضيل و التبجيل بشرط أن يقرأ هذا الذي ” خُلق ” فالوحي بما ألقى في الروع يُعلي في أعماق البحار جزيرة الوجود/ الطبيعة كي ترسو عندها سفينة الإنسان عسى نجاته و رجوعه إلى جنّة خلده يكون من هنا .

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك