سوسيولوجيا الأديان لجميل حمداوي – عرض: يسر بن جمعة

الإرهاب ظاهرة المرحلة بامتياز، تفجير هنا، وقنبلة هناك، وحالة من الرعب العالمي، لا أحد بعيد عن يد الإرهاب، ولا يوجد بلد محصّن في ظل الظروف الحالية من ويلاته. ومن أبرز ملامح الإرهاب الحالي، انطلاقه من قاعدة دينية، باعتباره نوعاً من الجهاد، أو محاربة الكفّار، أو ما شابه ذلك من دعاوى، لذا جاء كتاب “سوسيولوجيا الأديان للكاتب المغربي جميل حمداوي، الصادر عن دار أفريقيا الشرق عام 2017، ليكون نافذة نستطيع من خلالها أن نفهم الأبعاد الاجتماعية للدين، وكيف نظر إلى الظاهرة الدينية في عمومها.

جاء الكتاب في 128 صفحة، قسّمه حمداوي إلى مقدمة وخمسة مباحث وخاتمة، ألمح الكاتب في مقدمته إلى كون سوسيولوجيا الأديان، أو علم اجتماع الأديان، هو أحد فروع علم الاجتماع التي تهتم بدراسة العقائد والطقوس والاحتفالات الدينية، مؤكدا على كون الدين جزء أصيل من بنية أي مجتمع، وأن علاقة الدين بالمجتمع ليست مجرد علاقة تأثير من طرف على الآخر فقط، بل هي علاقة تبادلية، تتراوح ما بين التأثير والتأثر. ويهتم علم اجتماع الأديان ببحث مختلف الأديان، وتصنيفها حسب الأهمية وعدد الأتباع، ومتابعة كيفية نموها وتطورها على مدار تاريخها. مع الإشارة إلى الآراء المختلفة حول هذه الديانات، سواء كانت بالقبول أو بالرفض، مع التركيز بشيء من الخصوصية على الأبعاد الاجتماعية التي أفرزت تلك الأديان.

المبحث الأول

وقد جاء المبحث الأول في الكتاب تحت عنوان “مفهوم علم اجتماع الدين”، وقد آثر الكاتب قبل أن يلج إلى تحديد مفهوم علم اجتماع الدين أن يقوم بتعريف الدين ذاته، ورغم إقراره منذ البداية أن عملية تعريف الدين ليست سهلة، إلا أنه قرر أن يخوض غمار المحاولة، كي يحدد مفهوم الدين قدر طاقته، باعتباره نقطة الارتكاز في تحديد مفهوم علم اجتماع الدين. وقد توصل إلى أنه مجموعة من الطقوس والعبادات والممارسات الاحتفالية ذات الدلالات الرمزية، والتي تعبر عن علاقة الإنسان بربه. وأشار إلى إشكالية النظرة المختلفة ما بين معتنقي الأديان وسدنتها، وبين علماء الاجتماع، فأصحاب الأديان ينظرون للأديان باعتبارها وحياَ سماوياً، أو هبة من الله لخلقه، بينما عالم الاجتماع ينظره للدين كظاهرة ثقافية.

انتقل الكاتب بعد ذلك لتعريف علم اجتماع الدين، وأشار إلى أن ثمة تعريفات عديدة، إلا أنه يمكن القول إنه: ” ذلك العلم الذي يُعنى بالظواهر ذات الطبيعة الدينية أو المقدسة”. أو هو “العلم الذي يهتم بدراسة مختلف المعتقدات والأفكار السحرية والدينية التي يؤمن بها الإنسان، وما له علاقة بالوثنية، والكفر، والإلحاد، والعلمانية، والتطرف، والإرهاب، والفكر الأصولي”. ومن هنا كان علم اجتماع الدين هو ذلك العلم الذي يدرس العلاقة ما بين المقدس أو المتعالي وما بين الاعتيادي اليومي المتمثل في الإنسان وشؤونه. مع التأكيد على تأثير الأديان على مجريات الأمور في المجتمع، سواء كانت هذه التأثيرات سلبية أو إيجابية. وأشار حمداوي إلى كون علم اجتماع الأديان حديث نسبياً، حيث بدأ تشكله إبان القرن التاسع عشر الميلادي. ثم أخذ في التطور والنمو منذ ذلك الحين على يد مجموعة من السوسيولوجيين، أمثال: دوركايم، كونت، وفيبر .. الخ.

المبحث الثاني

وقد جاء المبحث الثاني في الكتاب تحت عنوان “تاريخ الظاهرة الدينية”، بدأه الكاتب بعرض تاريخي للظاهرة الدينية، حيث عرض المراحل التي مرت بها عبر تاريخها، بادئاً بالمجتمعات التقليدية وعباداتها الوثنية، حيث سيطرت فكرة الغيبي والأسطوري والسحري، وإيمانه العميق بقوى خفية هي التي تسيّر الأمور من حوله، مما ساهم في خلق الطقوس والشعائر التي تساعده في التقرب من هذه القوى.

انتقل بعد ذلك إلى الديانات السماوية، مؤكداً أنه يقصد بها الديانات الثلاث (اليهودية، المسيحية الإسلام). عرض خلال هذا المبحث لبعض الفروق بين الديانات الثلاث من حيث العدد ودائرة الانتشار، وكذلك طبيعة علاقات أنصارها بعضهم ببعض، مع عرض موجز لنشأة كل دين وظروف نشأته، وراعى في عرضه الترتيب التاريخي، حيث بدأ باليهودية باعتبارها الأقدم، مرورا بالمسيحية، وصولا إلى الإسلام.

بعد ذلك عرض لما أسماه “ديانات الشرق الأقصى”، وقد تطرق فيه لمجموعة من الأديان المنتشرة في الشرق الأقصى، على رأسها الهندوسية والبوذية والكونفوشيوسية، والطاوية. ونفس ما فعله مع الديانات السماوية قام به مع ديانات الشرق الأقصى، حيث عرض بإيجاز لكل ديانة على حدة، مع الإشارة لأبرز أفكارها وأعداد معتنقيها، من أجل تقديم صورة شبكة متكاملة حول هذه الأديان.

المبحث الثالث

جاء المبحث الثالث في كتاب حمداوي تحت عنوان “واقع التدين في عالمنا المعاصر”، بدأ هذه المبحث بعرض إحصائيات معتمدة من مؤسسات موثوقة حول أعداد معتنقي كل ديانة، وقد جاءت المسيحية في مقدمة القائمة من حيث عدد الأتباع بنسبة 33.5 %، ثم بعد ذلك جاء الإسلام بنسبة 18.2 % وكانت اليهودية في ذيل قائمة الديانات السماوية، حيث جاءت نسبتها بما يعادل 03, %، وكان تعداد غير المتدينين كبير جدا، فهم يمثلون 16.4 %. وجاءت أفريقيا وفقا لوكالة رويترز في مقدمة الأماكن التي يكثر فيها المتدينون، تلتها في الترتيب أمريكا اللاتينية، ثم بعد ذلك العالم العربي ومن بعده بقية الدول الإسلامية.

إلا أن الكاتب أشار إلى كون هذه المعدلات ليست ثابتة، فالإسلام على سبيل المثال من أوسع الديانات انتشاراً في الفترة الأخيرة، تليه الهندوسية ثم البوذية وبعدهم المسيحية، وهذا يشير إلى أن هذه المعدلات قابلة للتغير بشكل كبير خلال السنوات القادمة، وأن المستقبل سوف يكون للإسلام، إذا أخذنا هذه التغيرات على محمل الجد. وعرض الكاتب للدول الأكثر تديناً في العالم، وعلى الرغم من عدم أخذ مثل هذه الأمور بجدية كبيرة، فقد جاءت مصر على رأس قائمة الدول الأكثر تدينا، تليها نيجيريا والأردن وإيران، بينما جاءت اليابان في المرتبة الثالثة عشر. وأشار الكاتب إلى تزايد معدل الإلحاد مع ارتفاع معدلات الثراء، إذ وصل عدد الملحدين في 57 بلداً حول العالم إلى 59 %. وقد عرض الكاتب لمجموعة من الإحصائيات الهامة، حول الإيمان بالله والإيمان بالروح والجنة والنار وما إلى ذلك، وكان الواضح فيها أن الشيوخ أكثر إيماناً من الشباب.

وأوضحت الإحصائيات الواردة في الكتاب أن معدلات الإلحاد بين الشباب الأوروبي عالية، وأن المسيحية لم تعد عنصر جذب لهم، وأرجع الكاتب هذه الظاهرة إلى سيطرة الحياة المادية، والرخاء الاقتصادي، مما جذب الشباب نحو حياة اللهو، وكانت سيطرة الأبعاد الدينية على الشيوخ أكثر منها على الشباب. وأشار حمداوي خلال هذا المبحث إلى الإشكالية القائمة ما بين العلمانية والدين، باعتبارها أحد القضايا المهمة التي يقوم على دراستها علم اجتماع الدين، مشيراً إلى أن السوسيولوجيين الأوائل قد تنبأوا بانحصار دور الدين، وأن الغلبة ستكون للعلم والتكنولوجيا.

كما ركز الكاتب على فكرة شديدة الأهمية والخطورة، وهي الصراع بين الأديان، والتي أكد عليها صمويل هنتنجتون في كتابه الشهير “صدام الحضارات”، مع الإشارة لانتشار الإسلام الأصولي، سواء في أفغانستان من قبل، أو في غيرها من الدول العربية والإسلامية في الوقت الحالي، مع عرض لعدد من هذه الكيانات الأصولية. واتضح من خلال هذا المبحث أن واقع التدين يختلف من بيئة لأخرى، وأن انتشار الإلحاد مرتبط بحالة الرخاء المادي، وأن الإسلام أكثر جاذبية في الوقت الراهن قياساً بالمسيحية، مما يشير إلى كون المستقبل سيكون في صالحه.

المبحث الرابع

جاء المبحث الرابع من الكتاب تحت عنوان “التصور النظري”، حيث رأى الكاتب أنه لا يمكن فهم سوسيولوجيا الأديان دون التعرض لبعض التصورات النظرية والفكرية، من خلال بعض أبرز رواد هذا المجال من أمثال دوركايم وفيبر وغيرهما؛ وأرجع الكاتب أهمية ذلك إلى ضرورة معرفة مختلف النظريات التي عالجت ظاهرة الأديان.

قسّم الكاتب هذا المبحث إلى عدة مطالب، بدأها بابن خلدون ونظرية الدين والنبوة، انتقل بعدها لعرض ثورة أوجست كونت على الفكر اللاهوتي، تبعها بعرض نظرة دوركايم للدين باعتباره ظاهرة اجتماعية، ولم يتجاهل الكاتب كارل ماركس، حيث عرض لوجهة نظره حول الدين باعتباره أفيون الشعوب وآلة تخديره لصالح السلطة، ثم بعد ذلك عرض للربط الذي قام به ماكس فيبر بين الرأسمالية والبروتستانتية. ثم أشار بعد ذلك لتصور مارسيل موس للصلاة باعتبارها ظاهرة اجتماعية. مع التعرض لفكرة روبرت بيلا حول الدين المدني، وعرض لما أسماه بسلطة الدين عند طلال أسد، ثم ختم المبحث بتصوره الخاص حول الدين.

ختم المؤلف كتابه بمبحث بعنوان “التصور المنهجي” عرضه خلاله للمناهج المستخدمة في مجال سوسيولوجيا الأديان، وقسمها إلى: المناهج الكمية، والمناهج الكيفية، مع شرح موجز لكل منهما. وأكد على أن الباحثين في مجال علم اجتماع الأديان يعتمدون المنهجين، إلا أن البعض يركز على أحدهما أكثر من الآخر، في حين أن البعض الآخر يمزج ما بينهما. ثم ختم الكتاب بعرض وجهة نظره حول علم اجتماع الأديان، ودور الدين في المجتمع.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك