في نقد الاستشراق: المحور أركون/ صالح لـ محمد المزوغي – عرض: محمد عجلان

 

يقع كتاب “في نقد الاستشراق، المحور أركون/ صالح” لـ “محمد المزوغي”، الصادر عن دار أفريقيا الشرق في المغرب في حوالي 215 صفحة، مقسمة إلى تصدير وعدة مباحث، ثم خاتمة.

يجيب المزوغي في مقدمته حول سؤالين طرحهما، وهما لماذا اختار موضوع الاستشراق، ولماذا ركّز على أركون وتلميذه صالح، وفي الإجابة على سؤاله الأول أكد على أن دراسات المستشرقين هي أكثر الدراسات موضوعية ودراية باللغات القديمة، وأكثرها التزاما بالمنهج الفيلولوجي، وعلى الرغم من ذلك يرى المزوغي أن الإسلاميين اعتبروا هذه الدراسات ليست أكثر من طعن في الإسلام. وبخصوص اختياره لأركون وصالح، فإنه يرى أنهما تورطا أيضا فيما تورط فيه الإسلاميون وإن كان بشكل مختلف، وحدث هذا التشابه من خلال رفض أركون ومن بعده تلامذته، وعلى رأسهم صالح للفيلولوجيا، وهي الدراسة التي تعتمد على مقارنة النصوص ونقد المصادر نقداً تاريخياً علمياً. وهجومهم على المستشرقين في حال اقترابهم بالفحص للقرآن أو مصادر السيرة والأحاديث.

بدأ الكتاب بالتعرض لـ “هاشم صالح”، تحت عنوان “صالح: الوعد والوعيد”، وعرض للتناقض في مواقف صالح من الاستشراق، فقد أيده في كتابه “معضلة الأصولية الإسلامية” المنشور عام 2006 واعتبر دراساته أكاديمية عالية المستوى، بالقياس بالدراسات الإسلامية الغارقة في التبجيل والنزعة الغيبية، وأكد على أن الدراسات الاستشراقية بسيطرتها الكبيرة على المنهج التاريخي تصل إلى نتائج باهرة، قادرة على إنارة التراث الإسلامي كما لم يحدث من قبل. إلا في كتابه “الاستشراق بين دعاته ومعارضيه” المنشور عام 2000، اتهم المستشرقين بالغطرسة والتعجرف، لأنهم واثقون من نتائج أبحاثهم، رابطاً ذلك بنزوع الغرب الاستعلائي. ثم استطرد المزوغي في عرض العديد من مواقف صالح عبر كتب لاحقة، هاجم فيها المستشرقين بلا هوادة، وكأنه لم يكتب شيئا مخالفا من قبل.

أخذ الكاتب في سرد تفاصيل انحياز صالح لأركون، باعتباره أبرز تلاميذه، واتضح ذلك في تسفيه كل ما وصل إليه المستشرقون تقريبا لصالح ما قام به أركون، على الرغم من كون أركون لا يملك أدوات المستشرقين فيما يتعلق بدراسات اللغات القديمة، والتي هي مطلب رئيسي لمن يريد بحث النصوص التي كًتبت بهذه اللغات. ويشير المؤلِّف إلى أن النقطة المركزية في هجوم صالح على المستشرقين لصالح أركون، أن أركون ذاته يكره المنهج الفيلولوجي النقدي، وأنه زرع في تلامذته هذه الكراهية، وطالب بتجاوز هذا المنهج والتعاطي مع النصوص بآخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية.

انتقل الكاتب بعد ذلك تحت عنوان “عودة إلى المنبع الأصلي”، كي يعرض كيف أن الطريق للخروج من حالة تقديس الأشخاص والكتب لن تحدث إلا باستخدام المنهج الفيلولوجي التاريخي، وكيف أن أركون يرفض ذلك، انطلاقاً من كون استخدام هذا المنهج سوف يخرج النص القرآني عن قداسته ويفرغه من مضمونه المتعالي. بل هاجم أركون من تجرّأ في بدايات القرن العشرين واستخدم هذا المنهج، من أمثال طه حسين وعلي عبد الرازق، واعتبر ذلك ثقة ساذجة بالعلم الغربي آنذاك. واتسعت دائرة الاتهام الأركوني للدرجة التي اتهم فيها المستشرقين بالتواطؤ مع السلفيين، واعتبر المستشرقين منافقين لأنهم حريصون على رضا أصدقائهم المسلمين.

دخل المزوغي بعد ذلك إلى قلب مشكلة أركون، ففي جزء جديد معنون بـ “الفيلولوجيا: رأس الأفعى”. يرى الكاتب أن السر وراء هجوم أركون وغيره على المستشرقين هو استخدام هؤلاء المستشرقين للفيلولوجيا النقدية، والتي قامت – من وجهة نظر الكاتب – بتعرية النصوص الدينية، ونزعت عنها قداستها، وأرجعتها لأصولها في الميثولوجيا البابلية والفرعونية. وأن أركون أعلن صراحة أن دراساته لن تمس قداسة النص القرآني، ولا يسعى إطلاقاً للاقتراب من تأثيراته الروحية. واعتبر المزوغي أن ما فعله أركون نوع من المصادرة، لن يساهم في الوصول للحقيقة بأي شكل. ويشير المزوغي لنقطة شديدة الخطورة، وهي أن كراهية أركون للفيلولوجيا نابعة من “عقدة نقص”، لأنه يشبه غيره من الدارسين العرب والمسلمين، فمعظمهم لا يجيدون اللغات القديمة.

وتحت عنوان “العصار والجزرة”، أشار الكاتب إلى هجوم أركون على المستشرقين الذين توقفوا عند الفيلولوجيا، واعتبارهم وقعوا تحت وطأة الجهل بمفاهيم العقل الحديث، وأنهم لم يستفيدوا من تجارب شتراوس وفوكو وغيرهما. لكن المزوغي يرى أنه كان على أركون بدلا من التورط في الهجوم على المستشرقين، أن يستعين بأحدث ما توصلت إليه الدراسات الفيلولوجية التاريخية؛ كي يساهم في تخليص العقل العربي من الغمامة التي تمنعه من رؤية الحقائق. لكنه يرى أن أركون لم يفعل ذلك لسببين، أولهما هو عدم امتلاكه للوسائل الفيلولوجية والخبرة اللغوية المطلوبة للقيام بهذه المهمة، والثانية هو خوف على عقائده وعقائد من يتوجه إليهم بخطابه.

لكن في حالة تناقض غريبة نجد أركون، وفقا لما أروده المزوغي، يدافع عن المستشرقين ضد هجوم رجال الدين، إلا أن الكاتب يرى أن الهجوم الحقيقي ليس مصدره رجال الدين الإسلامي، بقدر ما هو هجوم أركون وأتباعه؛ وسبب ذلك أن رجال الدين أنفسهم ليسوا طرفاً في الساحة العلمية. وكيف لأركون أن يدافع عن المستشرقين في الوقت الذي يتهمهم فيه بالتعجرف، وكيف يدافع عنهم وهو يهاجم منهجهم الفيلولوجي؟! لا جواب عند المزوغي سوى أن أركون تناقض وتخبط ولم يثبت على رأي.

في فصل آخر بعنوان “الاحتكاك المباشر بالمستشرقين وأشباه المستشرقين: لويس/ غرونباوم وآخرون”، يرى المزوغي أن أركون تورط في فهم سطحي لبرنارد لويس، فإذا كان لويس ذكر الإسلام بأنه عمل على نهوض مجتمعات متخلفة وقدم للملايين سبل الطمأنينة والسلام، إلا أنه في حقيقة موقفه يوظف كل هذا من أجل خدمة مشروعات غربية؛ هدفها الأصيل هو تقسيم العالم العربي. إلا أن أركون يرى فيه علّامة عصره، بينما يصفه المزوغي يصفه بالمستشرق المزيّف صديق الإسلاميين، مع عرض مفصّل للمخطط الذي يسعى إليه لويس عبر تأييده للإسلاميين، وأخذ على أركون عدم درايته بهذه الحقائق.

ثم عرض المزوغي تحت عنوان “عنزة ولو طارت”، موقف محمد أركون المتربص دائماً بالمستشرقين، حتى لو لم يقتربوا من مسلماته حول القرآن ونبي الإسلام، ففي نص مراجعة أركون لكتاب المستشرق “فون غرونباوم” “الإسلام الحديث”، يشيد بالكتاب لأنه لم يمس أي من المقدسات الإسلامية التي يؤمن بها أركون، لكنه هاجمه بعد ذلك لأنه اعتبر العرب يناهضون الثقافة الغربية العقلانية التنويرية.

وفي فصل جديد تحت عنوان “ردود المستشرقين الأولى”، يعرض الكاتب لسوابق تاريخية لنقد الاستشراق لدى دكتور أنور عبد الملك، حين كتب عام 1963 مقالاً تحت عنوان “الاستشراق في أزمة”، اعتبر فيه أن الكتابات الاستشراقية مرتبطة بالمرحلة الاستعمارية. وقد عرض المزوغي لرد المستشرق الإيطالي “فرانشيسكو غابريالي” على عبد الملك، وأخذ على العرب موقفهم من الاستشراق رغم كل ما قدمه من جهود معرفية ضخمة. وأضاف المزوغي أن المستشرقين أنفسهم راجعوا بعضهم البعض، حين حاولت مجموعة منهم أن تربط الحضارة الغربية بجذورها القديمة في عملية تجاهل تامة للدور الشرقي، مؤكدين على أن الدور الشرقي مركزي في فهم سيرورة الثقافة المتوسطية.

وتحت عنوان “مستشرقون يصححون الاستشراق”، يعرض الكاتب لدعوة المستشرق “كلود كاهين” إلى حذف كلمة الاستشراق، لأنه لا يوجد نوعان من البشر، شرقي وغربي، بل هم نوع واحد، والعلم واحد للشرقي والغربي. والفيصل في الأمر لدى كاهين هو التقيد بالمنهجية العلمية دون النظر للانتماء شرقا أو غربا. ثم أشار إلى مآخذ “مكسيم ردونسون”، التي رأت أن الاستشراق رغم كل إنجازاته إلا أنه اعترته نواقص كثيرة جدا، للدرجة التي دعت المزوغي نفسه إلى تخطئة ردونسون في هذا التوجه، لكون المسلمين لا يقبلون بالتنازلات الجزئية. وقد أعلن ردونسون أن أبرز نواقص الاستشراق هي “النزعة المركزية الغربية.

وفي النهاية قسّم المزوغي آثار أركون ما بين آثار دائمة وأخرى عابرة، الأولى تضمنتها كتبه، وتركت آثاراً سيئة على تلامذته، قاموا بناء عليها بمهاجمة الاستشراق ومعاداة الفيلولوجيا، واعتبر المزوغي أن الآثار تكون إيجابية بقدر ما احترمت المنهج العقلاني، وفتحت آفاقا جديدة للتفكير، لكن ما قدمه أركون لا تنطبق عليه هذه الأمور. وبخصوص الآثار العابرة عرض لتناول الباحثة التونسية “آمنة الجبلاوي” في كتابها “الاستشراق الأنجلو سكسوني الجديد”، والذي تبنت فيه مواقف أركون بشكل واضح، وهاجمت الاستشراق الأنجلو سكسوني بدرجة تصل إلى حد التجريح والاتهام بالجهل، وكانت من مآخذها أيضا أن المستشرقين استخدموا منهجا مادياً في دراسة انبثاق الإسلام، ويرد المزوغي ساخراً ومتسائلاً حول وجود منهج روحاني آخر بخلاف المادي.

بعد رحلة طويلة دافع فيها المزوغي عن الاستشراق بشكل واضح، وعرض لوجهات نظر بعض هؤلاء في كون المصادر الإسلامية غير صالحة لمعرفة سيرة نبي الإسلام، مع التأكيد على أن المستشرقين لا يهمهم سوى الموضوعية، وأنهم لا يعولون على الخوارق التي هي محببة لدى المسلمين، ختم كتابه بإجمال ما فصّله عبر الكتاب، مع الانطلاق من فرضية شديدة الخطورة، وهي أن نقد الاستشراق يعني ضمناً صناعة التطرف الداعشي، وظهر هذا في عنوان الخاتمة “استعداء الاستشراق وصناعة التطرف”، معتبراً أن هجوم أركون وجعيط وعبد الملك ساهم في الإضرار بالدراسات الجادة حول الإسلام؛ مما عمل على تزكية الغلو والإرهاب.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك