مفهوم الغرب، من الجهوي إلى الجيو ثقافي – د. محمد عجلان

إن المتأمل لواقع الفكر الإنساني في مرحلتيه الحديثة والمعاصرة، يجد العديد من المفارقات الأيديولوجية الظاهرة أو المستترة، يكشف عنها تخبط الخطاب المعرفي الغربي، ومحاولة تزييفه أو على الأقل تحريفه لصالح الذات الغربية. فالمشروع الثقافي الغربي الذي بدأ في أولى هاتين المرحلتين، والذي يطلق عليه لفظ “الحداثة” Modernity والمنطلق أساساً من فكرة “الإنسانية” Humanism أو الرسالة الغربية للتنوير والاحتكام إلى العقل، يبدو أنه فشل أو يُراد له ذلك، وفقا لما أعلنه فلاسفة “ما بعد الحداثة” Post Modernity. ولا شك أن المشروع الثقافي الغربي المعاصر يستشعر ريادته، وبالتالي فإنه يتحرك من مسلمة أنه المنوط به – كالعادة – مهمتا التفكير والتصدير في آن واحد، التنظير من المركز، والإرسال إلى المحيط أو الهامش، وهنا يلعب الاختلاف بين الغرب و”الآخر” Others دوراً معيارياً وليس معرفياً فحسب؛ ذلك أنه وقر في ضمير الغرب أنه القطب أو هو المركز والآخر هو الهامش، أنه هو الذات التي تحدد هندسة الشكل وهيكلة العلاقة وآلية الحوار مع الآخر([1]).

وانطلاقا من الرؤية الاختزالية التي ينطلق منها “الغرب” West في التعرف على نفسه وعلى الآخر ([2])، فإنه بات من الضروري أن يتم تحديد المقصود بالغرب، وهل ما زال مختَزلاً في كونه “جهة” ضمن جهات أربع، وهل تجمّد في جغرافيا محددة، أم مازال يعاني من سيولة التحديد، ومدى تشكله في هوية ثقافية واحدة في مواجهة هويات ثقافية مختلفة ومناوئة؟

يتعذر التحديد الدقيق للحظة التي ولد فيها مفهومان هما: “أوروبا والغرب”، والواقع أنهما من تمخضات تلك الحقبة الطويلة التي يُصطلح عليها بـ “العصر الوسيط” Middle Age التي طورت جملة من العناصر الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية، فاندمجت لتشكل هوية أوروبا، وبانتهاء تلك الحقبة ظهر إلى العيان مفهوم “الغرب”، بأبعاده الدلالية الأولية. وهذا المفهوم ذو الدلالات المتموجة، لم يمتثل أبدا للمعنى الجغرافي الذي يوحي به، فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينية، ومن ثم ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينية على أنها ركائز قارّة، تشكل أسس هويته. وغذّى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو “المركزية الغربية” Central Western. وتتجلي إشكالية هذا المفهوم من أنه تقصّد أن يؤسس وجهة نظر حول الغرب، بناء على إعادة إنتاج مكونات تاريخية توافق رؤيته، معتبرا إياها جذورا خاصة به، ومستحوذا في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعا أواصر الصلة بينها وبين المحاضن التي احتضنت نشأتها، وقد استهدف المفهوم أن يمارس إقصاءً لكل ما ليس غربيا، دافعا به إلى خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح الغرب مركزه، على أن يكون مجالا يتمدد فيه، وحقلا يجهزه بما يحتاج إليه ([3]).

وثمة مفارقة قوية تثير التساؤل بشأن آلية عمل الهوية العملاقة العابرة للقوميات الأوروبية والمشار إليها بمصطلح الغرب، ذلك أن التاريخ البالغ التنوع والتباين للشعوب الأوروبية، كما لثقافاتهم وأفكارهم الأكثر تناقضا، يُنظر إليه على أنه تاريخ موحّد، على الرغم من كل التناقضات، في رؤية تاريخية وفلسفية لمسار متواصل متماسك لهذه الهوية العابرة للقوميات المسماة “غربا”. وعلى الرغم من هذا الواقع التاريخي، فإن غالبية الباحثين والمؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع الأوروبيين، ممن انتموا إلى القرن العشرين، يكرسون مفهوم الغرب هذا، بوصفه هوية عملاقة، من المفروض أنها تتجاوز كل الاختلافات بين الشعوب الأوروبية، بالرغم من الحروب، والشقاقات الدينية، والتمزقات القومية والعقائدية التي باعدت على مر التاريخ بين الأوروبيين. وبهذا، يصبح الغرب كيانا أسطوري الطابع، وموطنا للخيال الجامح، وحدّا مهيبا للعقل، وآلة تنتج غيْرية قوية، بل قل جذرية ومنيعة بين الشعوب والأمم والثقافات والحضارات ([4]).

ويمكن القول إن الغرب قبل كل شيء كيان جغرافي. ومن اللافت للنظر أن هذه اللفظة لا تدل على موقع أو مكان بعينه، بل على “جهة” Side. وهذا الموضع، حيث تغرب الشمس، يتبدل معها حيث أننا نعلم أن الأرض تدور، وبطبيعة الحال، لا وجود للغرب، ولا للشمال، ولا للجنوب، ولا للشرق، غير أنه في منطقة ما، يغدو الشرقُ الأقصى الغربَ المجاور، فالولايات المتحدة الشرقية تقع غرب المغرب، وتقع اليابان غرب ساحل كاليفورنيا، وهي بلاد المساء تماما كما بلاد الشمس المشرقة. وإذا كانت أعمدة هرقل ([5]) قد ظلت طوال قرون تمثل الغرب الأقصى لعالم متوسطي، فإن إنجلترا – في الطرف الأقصى – وأيسلندا هما نهاية غرب العالم المسيحي الشمالي، ويتشرّق الغرب المغربي نهائيا بينما يتزحزح مركز ثقل التاريخ الحديث من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلنطي([6]).

ويذهب البعض إلى أن أوروبا على الصعيد التاريخي إبداع من العصر الوسيط. أما جغرافياً، فهي مجموعة أراض وردت الإشارة إليها في تضاعيف مدونات سترابون وبطليموس وغيرهما، كانوا يتحدثون عن الأرض التي ستصبح أوروبا ويعيّنون لها حدودا، ولكن ليس ثمة بعد أوروبيون Europeanus، بينما نجد Africanus أفريقي أو Asiaticus أسيوي، تسمية لرجل أصله من المغرب أو من الأناضول. ويعزى غياب الصفة التي تشتغل كمكون للهوية إلى أن أوروبا مقسومة إلى قسمين متناقضين: عالم روماني وبلاد بربرية، الأمر الذي يحول دون التفكير بجمعهما في الفكر، وواقع الحال أن الرومان لم يلتفتوا إلى الغرب، فقد كان طموحهم يتجه إلى تشكيل قارة رومانية قلبها من الماء. ولهذا كان يصطلح دائما على البحر المتوسط بأنه بحرنا. ولقد كان التركيب الجغرافي للإمبراطورية الرومانية بمعنى من المعاني يمثل خرقا وتمزيقا لمفهوم أوروبا الجغرافي، وظل الأمر على ما هو عليه إلى أن استجدت، إبان العصور الوسطى، تحديات خارجية، أسهمت بشكل مباشر في رتق حالة التمزق، فحصل تقارب بين أوروبا الرومانية وأوروبا البربرية. وفى مقدمة تلك التحديات، ظهور الدولة العربية الإسلامية التي ورثت معظم التركة الرومانية التي كانت قد انتقلت إلى الإمبراطورية البيزنطية ([7]).

وجدير بالذكر أن الانتماء الديني كان طوال العصر الوسيط يشكل نوعا من الوحدة الشعورية، وقد لعب دورا أساسيا في تكوين الإمبراطوريات الدينية المتصارعة، التي ركّبت لنظائرها صورا مشوهة ومختزلة، لم يُشْف من آثارها إلى الآن. ومع أن مهمة المبشرين النصارى آتت أكلها متأخرة جدا، ذلك أنهم انتهوا نحو سنة ألف إلى تنصير وثنيي أوروبا. إلا أن انتشار المسيحية في أوروبا بدأ يُعرف منذ القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وهو انتشار بطيء اقتصر في معظمه على الشريط الجنوبي لأوروبا. ويمكن القول تجوزا إنه شاع أول الأمر فيما كان يسمى من قبل بأوروبا الرومانية. وفى القرن العاشر أمكن استكمال مشروع تنصير أوروبا البربرية التي يمكن اعتبارها، بصورة عامة، سلف أوروبا الغربية بالمفهوم الحديث وطبقا لشروط الجغرافيا. وقد أدى التحدي الديني إلى تذويب التعارض الذي كان قائما في قلب أوروبا، وشدّ أزرها فظهرت بوصفها قوة طالعة وجديدة، تهدف – من بين ما تهدف إليه – تحقيق مجموعة من الدعاوى ذات الأهداف المزدوجة، وفى طليعتها: القضاء على الوثنية من جهة، ووقف التحديات الخارجية من جهة أخرى، ويمكن القول إن أوروبا قد أسفرت، بسبب تلك الأهداف، عن وجهها المسيحي؛ لإيجاد نوع من توازن القوى، وامتصاص التعارض الداخلي القائم آنذاك ([8]).

وعبر تطور بطيء بين العام 1300 والعام 1800 تطورت فكرة العالم المسيحي إلى فكرة أوروبا، التي شملت أوروبا الشرقية، وبعد عام 1300 بدأ الجغرافيون بعمل إشارات متكررة إلى أوروبا. وفى عام 1458 نشر البابا بيوس الثاني رسالة عن دولة أوروبا. وفى أواخر القرن السابع عشر حلّ لفظ “أوروبا” محل “العالم المسيحي” أو “الكومنولث المسيحي” بوصفه اللفظ السائد، ومع حلول القرن الثامن عشر، صارت أوروبا مرتبطة مع العديد من القضايا التقدمية، ومن بينها التسامح الديني – وهو تقدم ضخم بالنسبة إلى حضارة كانت قد حرقت حديثا عشرات الساحرات – ومنها الليبرالية السياسية، وتقدم التجارة والصناعة، والتوحيد السياسي لأوروبا ([9]).

وقد دخلت أوروبا العصر الحديث حينما طورت منظومة من الممارسات والأفعال والأفكار المتداخلة التي دُمجت معا، ووُظفت لتكون نُسْغا حيا يجري في العروق التي جمدتها تناقضات العصور الوسطى. ومن خلالها بدأ الكيان الأوروبي يظهر مؤثرا في العالم. ويمكن تحديد عدة عوامل أدت إلى ظهور أوروبا بوصفها مكونا متجانسا ومؤثرا:

1- اللغة اللاتينية.

2- الأدب القديم.

3- الإنتليجنسيا التي بدأت منذ القرن الثالث عشر تدرس في جامعات متماثلة.

4- طبقة حاكمة لها الميول والأذواق ذاتها.

5- البعثات الأولى إلى الشرق الأقصى في القرن الثالث عشر.

إذا نظرنا إلى تلك العوامل، نجد أن فعاليتها تتجه في الأساس إلى إيجاد قاسم مشترك تتمحور حوله الذات الأوروبية. ومن الواضح أن الاهتمام انصب على النظم الرمزية، وبخاصة الأدب الإغريقي والديانة المسيحية، وإعلاء شأن اللاتينية لأنها الوسيط والحامل لتلك النظم. وسرعان ما اقتضى الحال أن تضفي القداسة على اللاتينية لأنها لغة الحقيقة الدينية، لغة الإنجيل، لغة اللاهوت، ولغة الكنيسة. ورافق الشوق إلى استلهام الماضي، الاهتمام بالحاضر، سواء في أوساط طبقة المثقفين أو الفئات الحاكمة، ثم المحاولات الأولى للتعرف على “الآخر” بواسطة الرحلات الأولى إلى الشرق. لكن التعبير الحقيقي عن أوروبا تأخر إلى نهاية القرن الخامس عشر، وكشف عن نفسه في ظاهرتين مهمتين، لهما أثر غاية في الأهمية في التاريخ الحديث: ([10])

أولا- الكشوف الجغرافية الكبرى، وهي وفقا لما أورده تودوروف الحدث الذي دشن وأسّس في واقع الأمر هوية الغرب الحديثة، إذ لا يوجد تاريخ أنسب لتمييز بداية العصر الحديث من عام 1492، العام الذي عبر فيه كولومبوس المحيط الأطلسي، فمنذ عام 1492 نجد أنفسنا في ذلك الزمن الجديد إلى هذا الحد والذي لا يشبه أي زمن آخر. فمنذ ذلك التاريخ، انكمش العالم – حتى وإن كان العالم قد أصبح لا نهائيا – وصار العالم صغيرا ([11]). ارتهنت أوروبا كقوة بلذة الاكتشاف، ووصف “العالم الجديد” بأنه “أمريكا” ومنذ أن وطأت قدما الأميرال الأسباني “أمريكو فيسبوتشي” هذه الأرض، نُسبت إليه، وأُلغي وجودها وتاريخها الذاتي، وأعلنت ملكيتها بـ “التسمية”. وقد انطوت عملية التسمية ذاتها على ممارسة إقصاء فريدة من نوعها، لقد ضُمّ هذا العالم منذ اللحظة التي عرفه فيها الغرب إلى الغرب نفسه. والواقع أن تلك التسمية الاستملاكية قد عُمّدت بالدم، شأنها في ذلك شأن أي اغتصاب، غايته الاستحواذ والإخضاع، وذلك باقتراف أوسع إبادة في تاريخ الجنس البشري. هذا العماد بحد ذاته أول ما عبرت به أوروبا عن وجهها الحديث لتأسيس هويتها. وتراجيديا اكتشاف أمريكا انطوت على هدف مزدوج: الإعلان عن الذات الأوروبية بالقوة، واكتشاف الآخر بالعنف الذي يماثل الاغتصاب، وكأن ثمن الشطر الأول من الهدف لابد أن يكون الثاني ([12]).

ثانيا- الثورة الفكرية والعلمية: فقد خرجت أوروبا من العصر الوسيط حينما أظهرت الإنتليجنسيا إلى الوجود حِسّا جديدا من خلال الفن والأدب والفلسفة والعلم، وبدأت الرؤى والتصورات الجديدة تتعارض مع تلك الموروثة، وانحسر نفوذ الكنيسة، وأصبح الاتصال بالماضي اليوناني والروماني محكوما بعلاقة متحررة من سلطة التقاليد والكنيسة ([13])، ثم تفجرت الثورة العلمية التي استبدلت بكثير من المعتقدات أخرى جديدة، وأصبح العالم مجالا للممارسة العقلية الغربية، فالبنية الذهنية للأوروبيين لا ترتضي حقا إلا بمبادئ واضحة وجلية، تفضي بسلسلة استنتاجات إلى نتائج تفرض نفسها بجلاء. وفكرة الكونية الداعية إلى عولمة القيم الذي أشاعته أحلام العصور الوسطى، وحل محله مضمون عقلي وعلمي يهدف إلى السيطرة على العالم. ويرى ديكارت أن البناء العلمي الذي تشيده أوروبا من أجل العالم كافة، ومنفعة التفلسف لها أهمية كبيرة؛ لأنها وحدها “تميزنا من الأقوام المتوحشين” ([14]).

وبرزت أوروبا بوصفها مكونا ثقافيا، وحيثما شاعت نظمها الفكرية والسياسية والاقتصادية تكون أوروبا. ويبدو وكأن الفكرة الرومانية يُعاد إنتاجها مرة ثانية، فقد اختزل العالم حضاريا لكي ينطوي تحت شمول أوروبا. فالفتح والكشف والتبشير والاحتلال كان ينتظم في سياق فكرة واحدة هي: بناء هوية أوروبا. وهذا البناء يستلزم الإجهاز على المكونات الحضارية القائمة في العالم، وإذا تعذر ذلك فاختزالها إلى أنماط معيقة لعلاقات جديدة تهدف إلى وحدة الإنسان والتاريخ، وحسب مونتسكيو، فإن أوروبا لم تعد سوى أمة مؤلفة من أمم عديدة، ونشر الدين المسيحي يقوي روابط هذه الأمة، فقاموس “تريفو” الصادر في عام 1771 يقول إن “أوروبا أصغر قارات العالم، لكن لها على الأجزاء الأخرى مزايا كثيرة، المزية الرئيسية هي: الدين الحقيقي الذي حفظته على النحو الأفضل، والذي تنشره بشكل رئيسي منذ قرنين في أجزاء الكون الأخرى([15]).

والواقع أن فكرة السمو الأوروبي وفكرة امتدادية أوروبا، وفكرة أوروبا مركز العالم، ستفرض نفسها في القرن الثامن عشر، بحيث تصبح أوروبا الوسيط للتقدم الكوني، الذي يجب على العالم أن يكون معتمدا عليها سياسيا وتكنولوجيا، ذلك أن ما تهدف إليه الحضارة الغربية، كما يذهب توينبي، هو جمع العالم الإنساني كله في مجتمع كبير واحد، والسيطرة على كل شيء فوق هذه الأرض، وفى البحار والأجواء، التي ستصل إليها الإنسانية عن طريق التقنية الغربية الحديثة ([16]).

تضافرت إذن منذ بداية القرن السادس عشر مقومات ظهور الغرب الحديث([17]) المتمركز على نفسه، الذي سعى إلى تجاوز تناقضاته، بإعلان ضمني ومن طرف واحد: اعتبار العالم بأجمعه ميدانا للاستثمار الاقتصادي والفكري والسياسي. اقتضى هذا الهدف السيطرة على معظم ما كان يُعرف بالعالم القديم خارج القارة، والكشف عن عوالم جديدة وإلحاقها بأوروبا بالقوة، وتجاهل خصوصياتها وقيمها، وإعلان ولادتها طبقا لطقوس كنسية. وحيثما وصل الغربيون، أعلنوا أن الهدف هو إدراج “العالم الخامل” في سياق التاريخ الإنساني الحيوي. وظهرت رسالة “الرجل الأبيض” مثلث الوجوه: الفاتح المسلح، المبشر الديني، والباحث عن الثروة ([18]).

ويرى “سيرج لاتوش” أنه ينبغي النظر إلى الغرب ضمن كيان جغرافي: أوروبا، وضمن ديانة: المسيحية، وضمن فلسفة: التنوير، وضمن عرق: العرق الأبيض، وضمن نظام اقتصادي: الرأسمالية. مؤكدا على أن الغرب لا يتطابق مع أي من تلك الظواهر منفردة، بقدر ما يشكل جماعها “الغرب”. ويؤكد لاتوش على أن الغرب قد أصبح، في الوقت الحالي، فكرة أيديولوجية أكثر منها جغرافية. وفى الجغرافيا السياسية المعاصرة، يعني العالم الغربي مثلثا تحيط أضلاعه بنصف الكرة الأرضية الشمالي، حيث أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة. وبذلك صار الغرب فكرة يحيل مدلولها عن أساسها الجغرافي إلى اختزالها إلى مكان خيالي، ومع ذلك لا يمكن فهمه إلا انطلاقا من أصله الجغرافي ([19]). وبذلك نجد أن الغرب قد تحول في استخدامه من أصله “الجهوي” إلى جغرافية، وإن كانت جغرافية متأرجحة غير قارة، وصولا إلى كينونة ثقافية قدّمت نفسها باعتبارها متفردة غير مشوبة بتأثيرات الحضارات السابقة عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أمين حافظ السعدني: العولمة وسيادة الدولة، مجلة مركز الخدمة للاستشارات البحثية، عدد مايو 2009، ص: 1.

(2) لمزيد من التفاصيل حول نشأة الغرب التاريخية وتطوره الفكري، انظر، كافين رايلي: الغرب والعالم، تاريخ الحضارة من خلال موضوعات، ترجمة عبد الوهاب المسيري وهدى عبد السميع حجازي، جزءان (الكويت: عالم المعرفة، 1985).

(3) عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، إشكالية التكون والتمركز حول الذات، ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997) ص: 13.

(4) جورج قرم: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب، ترجمة رلي ذبيان، ط1 (بيروت: دار الفارابي، 2011) ص: 39-40. لمزيد من التفاصيل، انظر:

– صوفي بيسيس: الغرب والآخرون، قصة هيمنة، ترجمة نبيل سعد (دون ذكر لبيانات النشر) ص: 16-19.

(5) أعمدة هرقل: تسمية أسطورية للجبال على ساحلي مضيق جبل طارق، باعتبار أنها نهاية العالم.

(6) سيرج لاتوش: تغريب العالم، بحث حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم، ط1 (القاهرة: دار العالم الثالث، 1992) ص: 32. وانظر أيضا:

– جورج قرم: تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب، مرجع سابق، ص: 54.

(7) عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، مرجع سابق، ص: 14.

(8) عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، مرجع سابق، ص: 14.

(9) ريتشارد كوك وكريس سميث: انتحار الغرب، ترجمة محمد محمود التوبة، ط1 (المملكة العربية السعودية: العبيكان، 2009) ص: 36.

(10) عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، مرجع سابق، ص: 15-16.

(11) تزفيتان تودوروف: فتح أمريكا، مسألة الآخر، ترجمة بشير السباعي، ط1 (القاهرة: سينا للنشر، 199) ص: 11.

(12) عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية، مرجع سابق، ص: 16. ولمزيد من التفاصيل حول وحشة الغرب في اكتشافاته، انظر:

– منير العكش: حق التضحية بالآخر، أميركا والإبادات الجماعية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2002).

– Tom Smith: Discovery of the Americans, 1491 – 1800, Revised Edition (New York: Chelsea House, 2010).

– والتر أ. مكدوجال: أرض الميعاد والدولة الصليبية، أمريكا فى مواجهة العالم منذ 1776، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 2001).

– رضا هلال: تفكيك أمريكا (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001).

(13) انظر حول المؤثرات التي شكلت أوروبا بشكلها الحديث، حسن حنفي: في الفكر الغربي المعاصر، ط4 (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1990) ص: 15-21.

(14) عبد الله إبراهيم: العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية، مجلة التسامح، عدد 3، 2003، ص: 54.

(15) المرجع ذاته، ص: 55.

(16) حول مزيد من التفاصيل حول علاقة الغرب بالحضارات الأخرى، انظر، أرنولد توينبي: مختصر دراسة للتاريخ، ترجمة فؤاد محمد شبل، جـ3 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2011) ص: 272 – 346.

(17) يرى توينبي أن الغرب لم يصبح حديثا إلا بمجرد أن أبرز للوجود طبقة “برجوازية” كانت أهلا لتصبح العنصر المسيطر، انظر في ذلك، أرنولد توينبي، مختصر دراسة للتاريخ، المرجع السابق، ص: 341.

(18) عبد الله إبراهيم: العالم المعاصر وتنازع المركزيات الثقافية، مرجع سابق، ص: 56.

(19) سيرج لاتوش: تغريب العالم، مرجع سابق، ص: 31-32.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك