مصطفى العقاد والرسالة، عندما تنتصر الفكرة – بقلم: سامح عبد الله

مصطفى العقاد، شاب سورى من حلب حصل على الثانوية العامة وهو فى سن الرابعة عشرة سافر إلى كاليفورنيا فى سن العشرين لاستكمال دراسته وحصل على الليسانس ثم الماجستير فى السينما وتخرج عام ١٩٦١.

هكذا يقول مصطفى العقاد عن نفسه عند إجراء مقابلة صحفية معه على مجلة ” الهلال” أبريل ١٩٧٧.
ويتابع الشاب الحديث ردًا على سؤال الصحفى ” من أنت”. فيقول: كنت أهوى المسرح والسينما وبالطبع كانت هوليوود هى السينما بالنسبة لى ولذلك قررت أن أدرس السينما فى أمريكا وساعدنى أستاذ أمريكى، إذ لم أكن أملك حتى تذكرة الطائرة.

أما عن فكرة فيلمه “الرسالة” (ولعل كثيرون لا يعلمون أن إسم الفيلم الأصلى كان ” محمد رسول الله” لكنه أُخرج للعرض بعد ذلك بهذا المسمى) يقول: لقد حدث سنة ١٩٦١ أحداث طائفية فى نيجريا وكانت كل وسائل الإعلام العالمية فى هذا الوقت تصور الأحداث على إنها حرب إبادة للقضاء على المسيحيين هناك ولم يكن الحديث عن النبى محمد عليه الصلاة والسلام سوى مقترنًا بالحديث عن الغزو والسيف وزواج النساء ،ومن هنا طرأت فكرة فيلم ” محمد رسول الله” لتصحيح هذه الصورة التى قدمها الإعلام الغربى عن الإسلام والنبى خلال هذه الأحداث بدلًا من سياسة السب أو لطم الخدود التى ننتهجها كما جاء صراحة فى كلماته.

فى البداية اتجه العقاد إلى هوليوود وهى عاصمة السينما بلا شك وحتى وقتنا هذا وطلب تمويل لإنتاج الفيلم لكنهم اشترطوا عليه أن تظهر شخصية النبى محمد صراحة فى السيناريو الذى يُعد لهذا الفيلم.
والحقيقة أن هذا مفهومًا ومتوقعًا فقد قدموا شخصية المسيح فى العديد من الأفلام السينمائية وليس هناك تقديس عندهم لأحد عندما يتعلق الأمر بصناعة السينما.

لكن العقاد رفض الفكرة لأنه يعلم بمخاطرها و التى تمثلت أولا: فى هذه الفكرة الرهيبة على الثقافة العربية والإسلامية أن يظهر النبى مجسدًا. ثانيا: لقد خشى الرجل من فكرة تمويل هوليوود لإنتاج الفيلم حتى لا يُمارس عليه أى نوع من الضغوط تؤثر فى إخراجه للفيلم ومن ثم فقد اختار تمويلا كويتيًا مغربيًا ليبيًا.

( الاتجاه إلى القاهرة)

حضر العقاد إلى القاهرة. لقد اختار الوجهة الأصح كما يجب أن تكون هكذا.

اكبر بلد اسلامى ..بها أكبر جامعة إسلامية..تمتلئ جنباتها بالمفكرين والتنوريين فى كل مجالات المعرفة.
تقابل العقاد مع كل من الأساتذة الكبار: عبد الحميد جودة السحار الذى تولى كتابة السيناريو فيما يتعلق بالناحية الدينية وعبد الرحمن الشرقاوى الذى يتناول الناحية الإنسانية ثم توفيق الحكيم الذى يعالج الناحية الفلسفية بالإضافة إلى اشتراك السيناريست الأميركى الشهير فى هذا الوقت وهو ” مارى كريج” لكى يغطى الناحية الحِرفية وكان هناك تخوف فى البداية من اعتراض السحار على وجود هذا السيناريست الأميركى فى هذا المشروع.

وبالفعل كان هذا التخوف موجود لكنه سرعان ما تبدد عندما علم كتاب النص أن هذا السيناريست قد قرأ كل ما كُتب عن الإسلام خلال ستة أشهر وحفظ القرآن تمامًا ثم بدأ يكتب نسخة السيناريو الأولى بعد ذلك فى ستة أشهر أخرى.

لقد اكتملت صورة الأوراق..ثلاث كتاب كبار كل منهم يغطى جانبًا فيها.. دينى وانسانى وفلسفى ثم كاتب سيناريو حفظ القرآن وقرأ السيرة.

( الخلاف مع الأزهر)

لكن المشكلة الكبيرة لم تكن فى كل ما سبق ولكن كانت فى الخلاف مع الأزهر ففى عام ١٩٦١ قدم السحار النسخة الأولى من السيناريو إلى إدارة البحوث والنشر ،مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر وجاء الرد حرفيًا فى ٢٩ أكتوبر ١٩٦٩ من الدكتور احمد مهنا كالتالى: ” بالإشارة كتابكم الخاص بطلب فحص سيناريو فيلم ” محمد رسول الله” نفيد بأنه لا مانع لدينا من إجازته على أن يُعرض الفيلم بعد التصوير وقبل العرض” ثم أعقب الخطاب ذلك بالقول: ” وهذا لا يعنى أولا : أن السيناريو صالح للتصوير أى يخلو من الأخطاء التاريخية والدينية كما يعنى ثانيا: أنه لا اعتراض على أن يكون اسم الفيلم” محمد رسول الله”.

وهذه تُعرف بالموافقة الأولى. وأما عن الموافقة الثانية فقد كانت بعد النسخة الأخيرة من السيناريو فى أبريل ١٩٧٣ وقد حملها السحار مرة أخرى إلى الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار وكأن ذاك تحديدًا فى ٩ يونيو ١٩٧٣ وقد جاء الرد كالتالى: ” نفيدكم أنه قد تبين من الفحص السيناريو المذكور أنه صحيح فى مادته وليس لدى الأمانة العامة للمجمع مانع من تصويره على أن يعرض على المجمع بعد التصوير.

هذا ونرجو أن يتضح لديكم بأن هذا الإذن ليس نهائيًا ولن تكون موافقة المجمع نهائية إلا بعد مشاهدة الفيلم للتأكد من مطابقة التصوير للنص المقدم منكم على أن تُمنع من الفيلم الرقصات الخليعة والمناظر التى لا تتفق مع تعاليم الإسلام وعلى أن تؤدى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أداءًا سليمًا لا تحريف فيه ولا تغيير مع الالتزام بما هو مكتوب فى اول السيناريو والذى جاء بالعبادة التالية: خلال هذا الفيلم لن يظهر رسول الله الله صلى الله عليه وسلم لا صراحة ولا رمزًا ونشعر بوجوده الكريم من خلال انعكاس هيبته صلى الله عليه وسلم على وجوه الموجودين ولن تظهر صور أحد من أهل البيت أو من الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم وأرضاها جميعًا ولن يسمع صوت الرسول صلى الله عليه وسلم أو أى من الذين لن تظهر صورهم.
هذا عدا أنه لا يصح ظهور صور أحد من العشرة المبشرين بالجنة ولا أحد من آل بيت النبى وهم السيدة فاطمة الزهراء وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين والسيدة زينب رضى الله عنهم جميعًا”

ورغم هذه الشروط التعجيزية بدأ مصطفى العقاد التصوير رغبتًا فى ايصال رسالته إلى العالم وليس ابتغاء أى عائد مادى وإلا كان على حد تعبيره قد جنب نفسه كل هذه المشقة واتجه إلى افلام العرى الرائجة، بالإضافة إلى إنه استند على الموافقة على السيناريو وإن كانت قد خرجت على هذا النحو المشروط.
اختار العقاد المغرب للتصوير لكنه تعرض أثناء ذلك لحملات لم تكن كلها عن علم ودراسة مما حد بالملك الحسن أن يوقف التصوير وعندما ذهب إليه العقاد شارحًا أبعاد الفيلم وطالبًا منه أن يحضر ليرى بنفسه ما يتم على أرض الواقع أو قد وزير الإعلام وبعد زيارة الأخير تم استئناف التصوير لكنه بعد فترة وجيزة أُوقف التصوير مرة أخرى تحت ضغط الرجعية الدينية مما حدا به إلى الاتجاه إلى ليبيا لاستكمال التصوير وقد كان.
كان العقاد يتذوق مرارة الرجعية منذ أن طرأت لديه فكرة الفيلم الذى يقدم الإسلام للعالم بصورة حسنة إلى أن انتهى من تصوير الفيلم بنسختيه العربية والإنجليزية وكأن بإمكانه أن يأتي بتمويل هوليودى وأن يصوره فى اسبانيا كما يقول ودون كل هذه التعقيدات لكنه أراد أن تكون مصادر التمويل عربية خالصة وأن يكون مكان التصوير أراض تحفظ للفكرة جلالها فى النفوس.

( محاولة وأد الفكرة)

خرج الفيلم إلى النور لكن سرعان ما استطاعت قوى الظلام أن تخفت صوته وأن تحجبه عن عقول وبصائر الناس وكانت أسباب ذلك عديدة ( يحسب بيان مجلة الاعتصام المصرية) من بينها التالى:

١- ظهر المسلمون على عرفة فى حجة الوداع غير محرمين وهذا جهل بمناسك الدين.
١- عصفت ريح بمعسكر المشركين فى بدر وهذا غير صحيح لأن المسلمين نُصروا بالربح فى غزوة الأحزاب.
٣- فتح المسلمون مكة على قرع الطبول ..وهذا غير صحيح لأن الفتح كان بالتكبير.
٤- تعليقًا على استشهاد ياسر وزوجته سمية زعم أحد الممثلين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” باركها الله” وهذا تعبير نصرانى كنسى لم يقله رسول الله.
٥- فى الفيلم مشهد حُرِّقت فيه الأصنام ،والصحيح أنها كُسرت.
٦- فى خطبة الوداع زُيدت كلمات وحُذفت كلمات.
٧- فى رسالة النبى صلى الله عليه وسلم لقيصر زعم الفيلم أن فى النص ” فإن أبيت” فعليك إثم المجوس. والصحيح أن العبارة لكسرى أما العبارة الخاصة لقيصر فهل ” فإن توليت فإن عليك إثم الْأَرِيسِيِّينَ.
٨- لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ” ومن دخل الكعبة فهو آمن ” وإنما ” من دخل المسجد فهو آمن”
٩- صور الفيلم المسلمين فى مكة فى مشاهد مقاومة وقتال المشركين وهذا خطأ لأن المسلمين فى هذه الفترة لم يؤمروا بقتال ولا مقاومة.
١٠-زعم الفيلم أن الأذان للصلاة كان بناء على اقتراح أحد المسلمين ثم وافق عليه حمزة رضى الله عنه وهذا تحريف فالأذان كان رؤيا رآها عبد الله بن زيد فأقرها الرسول صلى الله عليه وسلم.
١١-زعم الفيلم أن المسلمين خرجوا إلى بدر من أجل القتال بينما كانت الواقعة مباغته
١٢- زعم الفيلم أن الوحى نزل على الرسول وهو نائم فى غار حراء وهذا تحريف فالوحى تنزل عليه وهو يقظان
١٣- التفسير الماركسى التاريخ أى أن كل حركة أو دعوة جديدة إنما هى استجابة لظروف اجتماعية معينة وهذا ما ابرزه عبد الرحمن الشرقاوى فى كتابه” محمد رسول الحرية” وإلى جانب التفسير المادى للتاريخ هناك مداهمة لليهود والنصارى.

هذه كانت مجمل الأسباب التى عارضت الفيلم يُضاف إليها طبعًا ظهور حمزة رغم القدر من عبقرية آداء عبد الله غيث وانطونى كوين تعمدت أن أعقبها حرفيًا دون أدنى تصريف ومصدرها احتفظ به بكل تأكيد.

( انتصار الفكرة)

أُوقف عرض الفيلم..
تصاعدت أصوات بالإفراج عنه..
ظل حبيس الأدراج محكومًا عليه ما ظنوا أنه الموت والفكرة لا تموت..
استطاعت النسخة الانجليزية أن تصحح صورة الإسلام أمام العالم..
تقول الإحصاءات أنه الفيلم استطاع أن يجذب ما يقرب من خمسة وعشرين مليون شخص حول العالم فى اعتناق الإسلام.
خرج الفيلم إلى النور فشاهدته كل الشعوب العربية والإسلامية وانتصر على الرجعية الدينية..
عرف الناس عمار بن ياسر وسمية وحمزه وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وابى سفيان عن قرب..
أُنتجت أعمال أخرى أكثر صراحة فى إظهار الخلفاء الراشدين فقد ظهر ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم..
بقى ” محمد رسول الله ” الذى تحول إلى الرسالة أكثر الأعمال الدينية تأثيرًا فى العقلية العربية والغربية على السواء..
فى يوم الأربعاء التاسع من نوفمبر عام ٢٠٠٥ هزت العاصمة الأردنية عمان ثلاثة انفجارات ضخمة استهدفت ثلاثة فنادق توفيت على اثرها ابنته بينما هو أصيب بجروح توفى على أثرها فيما عرف بالأربعاء الأسود.
مات مصطفى العقاد وما تزال الرسالة باقية.

مات وانتصرت الفكرة بينما اندثر كل من أرادوا وأدها وهذا هو منطق الفكرة..
إنها تنتصر دائمًا.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك