قصة قصيرة عن العولمة.. لماذا يستحيل التوفيق بين الديمقراطية وسيادة الدولة والأسواق العالمية؟ إعداد: هاني خزعل

قصة قصيرة عن العولمة :

ما هي العولمة؟

إضفاء الطَّابع العالميّ على شيء، بما فيه التَّرابط بين البلدان في إطار التَّبادلات الدَّوليّة.

يُحكى أنه كانت هناك قرية صيد صغيرة تقع على ساحل بحيرة. كان سكانها القرويون فقراء، يعيشون على الأسماك التي يصطادونها ويكتسون بالملابس التي يحيكونها. لم يكونوا على اتصال بالقرى الأخرى الداخلية، التي كانت تبعد عن قريتهم أميالًا ولا يمكن الوصول إليها إلا عقب أيام من السفر عبر غابة كثيفة. ثم حدث أن شهدت حياة القرويين تدهورًا عندما انخفض مخزون الأسماك في البحيرة؛ فواجهوا ذلك بأن صاروا يصطادون بجد أكثر، لكنهم علقوا في حلقة مفرغة؛ فكلما شحت الأسماك، ازدادت الساعات التي يقضيها كل صياد في البحيرة؛ مما أدَّى إلى استنزاف المخزون السمكي بمعدل أسرع.

ذهب القرويون إلى حكيم القرية طلبًا للمساعدة، فهز كتفيه وقال: «ما فائدة مجلس شيوخنا إذنْ؟ إنهم يجلسون طوال اليوم ولا يفعلون شيئًا عدا الثرثرة في القيل والقال. ينبغي لهم أن يحلوا هذه المشكلة» تساءل القرويون: «كيف ذلك؟» أجابهم قائلًا: «بسيطة، ينبغي أن يكوِّن المجلس جمعية تعاونية من الصيادين تقرر حصة
الأسماك الشهرية التي يحق لكل رجل أن يصطادها؛ وهكذا سيتجدد المخزون السمكي ولن نواجه هذه المشكلة في المستقبل».

أخذ مجلس الشيوخ بمشورة حكيم القرية. كان القرويون يشعرون بالاستياء لأن الشيوخ باتوا يُملُون عليهم كيفية إدارة أعمالهم، لكنهم تفهَّموا الحاجة إلى هذه القيود. وفي وقتٍ قصير للغاية، عادت البحيرة تعج بالأسماك.

عاد القرويون إلى حكيم القرية، وانحنَوْا أمامه وشكروه على حكمته. وبينما كانوا يغادرون، قال الحكيم: «أراكم مهتمين بمشورتي، هل تحبون أن أشير عليكم بفكرة أخرى؟» فصاح القرويون في انسجام «بالطبع» قال الحكيم: «حسنًا، أليس من الجنون أنكم مضطرون جميعًا إلى قضاء كل هذا الوقت في حياكة ملابسكم بينما تستطيعون شراء ملابس أفضل وأرخص منها بكثير من القرى الواقعة على الجانب الآخر من الغابة؟ أعرف أن الوصول إليها ليس بالأمر السهل، لكنكم لن تُضطروا إلى قطع هذه الرحلة سوى مرة أو مرتين في السنة».

تساءل القرويون: «لكن، ما الذي يمكننا أن نبيعه لهذه القرى في المقابل؟» قال الحكيم: «سمعت أن سكان القرى الداخلية يحبون السمك المجفف.»

فعل أهل القرية ما أشار به الحكيم؛ جففوا بعض الأسماك وبدءوا تجارة مع القرى الواقعة على الجانب الآخر من الغابة. صار الصيادون أغنياء لأنهم باعوا الأسماك بأسعار مرتفعة وفي الوقت نفسه انخفضت أسعار الملابس في القرية انخفاضًا حادٍّا. لم يكن جميع أهل القرية سعداء؛ فقد واجه أولئك الذين لم يكن لديهم قارب ويكسبون قوت يومهم من حياكة الملابس معاناة شديدة. وصار عليهم أن يواجهوا منافسة الملابس الأرخص والأجود التي تُجلب من القرى الأخرى، وتعذَّر حصولهم على أسماك بسعر رخيص. فطلبوا مشورة الحكيم وسألوه عما ينبغي لهم فعله.

قال الحكيم: «حسنًا، هذه مشكلة أخرى يتعين على مجلس الشيوخ أن يحلها.» وأردف الحكيم: «ألا تعلمون أن على كل أسرة تقديم تبرع محدد خلال عيدنا الشهري؟» أجابوا: «بلى.» فرد قائلًا: «حسنًا، بما أن الصيادين صاروا الآن أكثر ثراءً، فينبغي لهم أن يقدموا تبرعًا أكبر، أما أنتم فينبغي أن يقل تبرعكم.»

رأى مجلس الشيوخ أن هذا تحقيق للإنصاف، وطلبوا من الصيادين زيادة تبرعهم الشهري. بطبيعة الحال أثار ذلك ضيق الصيادين، لكنهم رأَوْا أنه من المعقول الالتزام بما طلبه المجلس تجنبًا لحدوث شقاق في القرية. وسرعان ما سعد بقية سكان القرية أيضًا.

في تلك الأثناء، اقترح الحكيم فكرة أخرى، قال: «تخيلوا كم ستثري قريتنا إذا لم يُضطر التجار إلى قضاء أيام في السفر عبر الغابة الكثيفة! هل لكم أن تتخيلوا كمَّ الثراء الذي سيحل علينا؟! سنستطيع زيادة تجارتنا إذا أنشأنا طريقًا ممهدًا عبر الغابة.» سأله أهل القرية: «لكن كيف سنفعل ذلك؟» أجاب الحكيم: «بسيطة، ينبغي لمجلس الشيوخ أن ينظم كتائب عمل تشق طريقًا عبر الغابة وتمهده.»

وفي غضون وقت قصير، صارت القرية متصلة بالقرى الأخرى بطريق معبَّد؛ مما قلل مدة السفر وتكاليفه؛ فتوسع نطاق التجارة وازداد الصيادون ثراءً، لكنهم لم يتقاعسوا عن التبرع بجزء من ثرواتهم لأهل القرية الآخرين عند حلول العيد. لكن بمرور الوقت تبدلت الأحوال؛ فقد سهَّل الطريق لسكان القرى الأخرى على الجانب الآخر من الغابة الوصول إلى البحيرة وأتاح لهم أن يصطادوا بأنفسهم، وسرعان ما توافدت الحشود التي تبغي الصيد. ولما لم يكن مجلس الشيوخ ولا جمعية الصيادين قادرين على إنفاذ قوانين الصيد على الصيادين الوافدين، عاد المخزون السمكي يُستنزف سريعًا. أدَّى التنافس الجديد أيضًا إلى انخفاض أرباح الصيادين المحليين؛ فبدءوا يَشْكون من ضرائب العيد الباهظة للغاية، وتساءلوا في يأس: «كيف يمكننا أن نتمكن من منافسة الغرباء الذين لا يخضعون لضرائب مماثلة؟» ووصل الأمر إلى اعتياد بعض الصيادين المحليين التغيب عن القرية في أيام العيد — لا سيما وقد سهَّل الطريق الذهاب والإياب — وتهرَّبوا من التزاماتهم كلها. أدَّى هذا إلى إثارة حفيظة بقية أهل القرية.

حينئذٍ آن الأوان للذهاب مجددًا لزيارة الحكيم. عقدت القرية اجتماعًا طويلًا وصاخبًا جادل فيه كل جانب جدالًا حماسيٍّا دفاعًا عن قضيته. وأجمع الكل على أن الوضع غير قابل للاستمرار، لكن تباينت الحلول المقترحة. أراد الصيادون تغيير القوانين بحيث تقل تبرعاتهم في الأعياد الشهرية. وأراد البعض الآخر وقف تجارة الأسماك مع الغرباء. بل وطالب غيرهم بقطع الطريق بالصخور كي لا يتمكن أحد من دخول القرية أو الخروج منها.

استمع الحكيم إلى هذه الآراء، وقال بعد تفكير مَلي: «يجب أن تكونوا متعقلين وتفكروا في حلول وسط.» ثم أردف قائلًا: «إليكم اقتراحي: ينبغي لمجلس الشيوخ أن يقيم كشك تحصيل رسوم عند بوابة الطريق، بحيث يدفع كل خارج وداخل رسومًا محددة.» اعترض الصيادون قائلين: «لكن هذا سيزيد تكلفة تجارتنا.» فرد الحكيم: «نعم، بلا شك» واستطرد قائلًا: «لكنه سيقلل أيضًا الإفراط في الصيد وسيعوض الخسارة التي فقدناها من تبرعات الأعياد» ثم استطرد: وهو يتجه برأسه ناحية القرويين الذين أرادوا قطع الطريق: «ولن يوقف التجارة تمامًا.»

أجمع أهل القرية على أن هذا حل معقول، وخرجوا من الاجتماع يحدوهم الرضا، وعاد الوئام إلى القرية.

وعاش الجميع سعداء إلى الأبد.

المصدر: كتاب معضلة العولمة لـ داني رودريك، صـ: 291 – 293

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك