حكاية زواج مفاجئ – بقلم: د. محمد عجلان

حكاية زواج مفاجئ .. مرت الأيام سريعًا، كانت مدة الزيارة أسبوعين تقريبًا، مرّا كأنهما ساعتان، وقتها فقط فهمت أن نظرية النسبية لأينشتاين تُعاش ولا تُفهم. اتفقنا على كل شيء وقررنا الزواج، شريطة ألا يتأخر عن شهرين كحد أقصى.

– إذن.. فلنفعلها!

لكن الغريب في الأمر أننا حين اتفقنا على ذلك لم يكن لدينا أي استعداد للزواج، تصرفات مجانين في الغالب، لكن لم نطرح على رأسينا حتى كلمة (كيف) رغم أن المنطق يطرح سؤال: كيف لشخصين أن يتزوجا خلال أقل من شهرين، كيف يجهزا كل شيء، أو بالأحرى كيف يجهز شخص واحد بمفرده كل شيء متعلق بالزواج في مصر. بينما الطرف الآخر يُجهز للرحيل عن تونس، لكن من قال إن العقل يحضر حين يحكم القلب؟ اتفقنا وصدّقنا وآمنا بقدرتنا على التنفيذ، العجيب في الأمر أنه خلال شهر واحد كان كل شيء قد تمّ، الشقة، العفش، تجهيزات استقبال العروس بالمطار، لأن من بين ما اتفقنا عليه أننا لن ندفع نقودنا في فرح يتكلف آلاف الجنيهات دون فائدة. فقط احتفال بسيط في قريتي (حِنّة) ليعلم الناس أن هذا الشخص الذي ظلّ قابعًا في غرفته على مدار سنوات طويلة، ولا أحد يعرف ماذا يفعل، ولا متى يخرج من هذا السجن الاختياري كي يمارس حياته كغيره من البشر، فجأة خرج هذا الكائن العجيب من حجرته، لا ليعلن أنه سيخطب كبقية خلق الله، لكن فجأة سيتزوج، وما أدهش الجميع أن أحدًا لم يعرف شيئًا إلا قبل موعد الاحتفال بيومين، كروت دعوة تُوزّع في القرية، الحاج كمال عجلان يشرفه حضوركم حنة ابنه، وكأن لسان حال الجميع:

– يتزوّج؟!!

وما أدهشهم أكثر أنه لن يتزوج مصرية، بل عروس من تونس، لدرجة أن أحد المعازيم وهو يُسلم عليَّ يومها سألني:

– أنت بجد هتتجوز من تونس؟

وحين أجبته أنني سأفعل ذلك فعلًا، ضحك وقال لي:

– والله أحسن حاجة.

وحين علم الناس بالخبر فُتحت صناديق الأعاجيب كلها، هذا العازف عن الزواج يتزوج فجأة، إذن وراء الأمر ما يستحق، عروس من خارج مصر، أجنبية يعني، إذن هناك أموال طائلة وراءها، لدرجة أنهم قالوا إن العروس جاءت بحقائب محمّلة بالدولارات، وبعضهم قال إنها اشترت له شقة بالقاهرة، وإلا أنى له بشقة في القاهرة وبهذه السرعة، وغيره يعلن أن السيارة في الطريق، كلها أيام وتحضر العروس الثرية ومعها كنوز سليمان، هذا إن لم تُحضر سليمان شخصيًا كي يأمر الريح والجنّ لتحقيق رغبات ابن المحظوظة (أنا ابن المحظوظة). بالطبع وصلتني الأخبار المتناثرة في أرجاء القرية من أصدقاء مقربين، يستمعون ويضحكون وأشاركهم الضحك حين أسمع.

لكن ظلت كل هذه الحكايات مجرد أساطير يصدقها البعض ويكذبها البعض الآخر حتى وصلت يسر أرض قريتي بعد شهر تقريبًا من زواجنا، عروس فاتنة، تنزل من سيارة ملاكي، ومعها كلب كنيش جميل لا عهد لأهل القرية به، فقد تأكّد من نسج الأساطير أنها حقائق، ورضخ من كذّب ما سمعه. من بين القصص الطريفة التي حكاها لي صديقي أن جدّته، وكانت قعيدة رحمها الله، سألته عن الدكتور محمد عجلان هل بالفعل تزوج من امرأة ثرية واشترت له شقة وسيارة وجاءت بحقائب مليئة بالأموال؟ حاول في البداية أن يؤكد لها على أسطورية هذا الكلام، لكن الجدة الطيبة أكدّت له أن سرّه في بئر، وأنها لن تحكي لأحد شيئًا، وحين وجدها مصرّة على تصديق الأساطير، فأراد أن يحبكها، فإن لم يكن من الوهم بُدٌّ فلنسبك الدور إذن، فأخبرها أنها بالفعل غنية جدًا، والشقة التي اشترتها كان حاضرًا وقت توقيع عقدها، والسيارة لم تصل القرية بعد لكنها فوق مستوى خيال أهل القرية، وللمزيد من الحبك، أخبرها أن الأموال لم تصل في حقائب، ولم تصل بالطائرة لأن هذا أمر صعب، بل جاءت عبر البحر، وأنه ذهب للميناء مع أحد أصدقائه لاستلام الأموال، وكانت في زكائب لا حقائب، كذلك صدّقت الجدة الطيبة ما أرادت أن تصدقه منذ البداية.

العالم من حولنا يموج بالحكايات الأسطورية، ونحن لا نسمع، وإذا سمعنا نضحك ولا نُعلّق، دع الجميع يقولون ما يريدون، نحن لا نملك أن نُمسك ألسنة الناس، ولا نريد أيضًا، ما يهمنا حقًا هو أننا معًا، وأن شهرًا بدون تعقيدات البشر وعاداتهم البالية كان كافيًا لتحقيق ما اتفقنا عليه. ومن أبرز ما حدث يوم زواجنا كان في المطار في محاولة لإخراج دودي من مدينة البضائع، وهذه حكاية أخرى سأحكيها بعد ذلك.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك