يوم سقط فيه مبارك .. ذكرى سقوط حسني مبارك

ذكرى سقوط حسني مبارك .. حتى لا نخلط الأوراق، كون مبارك كرئيس حكم مصر لمدة ثلاثين سنة قد سقط في مثل هذا اليوم، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها أيًا كانت الأسباب، ما حدث بعد ذلك من التفاف حول الثورة لا يعني أن مبارك لم يسقط، ولا يعني أن رجاله المقربين لم يسقطوا. وفكرة أن تلتف ثورة مضادة على مكتسبات ثورة قامت في بلد معين ليست جديدة، إلا أن هذا لا ينفي مطلقًا أن هذا الشعب قام بثورة عظيمة، وأن أسبابها ما زالت قائمة، وأن انفجارها من جديد ما زال في حيز الممكن، لأن الفقراء ما زالوا فقراء، بل أصبحوا أكثر فقرًا، والفساد ما زال قائمًا، بل أصبح أكثر تبجحًا وشراسة، والممارسات العنيفة من السلطة تجاه المواطنين لم تتغير، بل زادت حدة وسوءًا، كل هذه العوامل تجعل الثورة حيةً مهما ظنّ ممثلو الثورة المضادة أنهم تجاوزوها، فنجاح الثورات لا يُقاس بالتفافٍ هنا أو التفافٍ هناك.

لو دققنا النظر سنجد أن تاريخ الثورات في العالم مشحون بمثل هذه الأحداث، فبعد قيام الثورة الفرنسية التي كانت علامة فارقة في التاريخ الحديث، عادت أسرة البوربون الحاكمة للسلطة من جديد، وبدا للكثيرين أن الثورة لم تؤت أُكلها، وأن الوضع عاد لما كان عليه، لكن حقيقة الأمر لمن يشاهد التاريخ بهدوء، سيجد أن شيئًا لا يمكن أن يعود مرة أخرى للوراء، وأن عودة البوربون كانت وهمًا. لا يجب أن تخدعنا ظواهر الأحداث، مبارك سقط، وسقط نظامه، وكل ما يحدث الآن مجرد احتضار لنظام ظل متغلغلًا في مفاصل هذا البلد لأمدٍ طويل، الثورات لا تُكسب بالضربة القاضية، والأنظمة لا تسقط بطلقة طائشة، الأمور أعقد من ذلك بكثير.

وبدلا من البكاء على اللبن المسكوب، والحديث عن من خدعنا ومن ورطنا ومن التف على ثورتنا، دعونا نعيد النظر من جديد في أساليبنا نحن، لماذا التف هؤلاء علينا، ولماذا خُدعنا، هنا مربط الفرس، لأن كوننا خُدعنا في حد ذاته ليس حلًا، بل قد يسلمنا لليأس لو توقفنا عنده، إعادة النظر فيما حدث ليس ترفًا، وتناول الأمور بهدوء ليس نزهةً في حديقة عامة، نحن أمام حراك كان بحجم وطن، ثورة تحدّث عنها العالم أجمع، ودون الدخول في دوائر نظرية المؤامرة التي يعشقها البعض، فإن ما قبل يناير كان مشحونًا بالثورة، جو ممتلئ بالغاز ولا يحتاج سوى لعود ثقاب.

لا أريد أن أذكر بعض الأمثلة عن أوضاع ما قبل يناير، لأننا جميعًا عشنا هذه الظروف، ونعرف جيدًا كيف كانت. وإذا كان البعض يقارن بين ما قبل يناير وما بعدها فيختار ما قبلها، يجب أن يعلم جيدًا أن ما قبل يناير هو ما صنع ما بعدها وكان مقدمة له، سواء في ضعف القوى السياسية الذي نشأ من الحصار والتضييق، أو ظروف الناس شديدة القسوة لدرجة أن ملايين البشر يعيشون في علب صفيح محيطة بالمدن الكبرى، وغيرها من الأمور المتعلقة بتدهور التعليم والصحة وغيرها من المجالات. يجب أن نعيد النظر بدل أن نكرر نغمة أنهم خدعونا، نعم خًدعنا، لكن لماذا، وكيف نتجاوزّ؟!

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك