توماس هوبز .. حياته وأهم أفكاره – إعداد: أسماء قميحة

توماس هوبز .. حياته وأهم أفكاره .. توماس هوبز فيلسوف إنجليزي ورجل سياسة وقانون وعالم اقتصاد ورياضيات، يعد أحد أبرز قادة الفكر السياسي الحديث الذين دافعوا عن السلطة المطلقة ودعوا إلى تبنيها كنظام حكم ملائم للمجتمعات البشرية.
وُلد هوبز عام ١٥٨٨م في مدينة مالمسبري بإنجلترا، كان والده قسًا بسيطًا تميز بطابع حاد أدّي به، على أثر تصرف نزق قام به عند مدخل الكنيسة التي يعمل فيها، إلى أن يهرب إلى لندن إذ مات هناك.

توماس هوبز .. حياته وأهم أفكاره

لدي توماس هوبز أخ واحد يُدعي إدموند هوبز وأخت تُدعي آن هوبز وهما كل عائلته حيث أنه لم يتزوج، دخل هوبز المدرسة وتعلم اللاتينية والإغريقية فيها وفي عام ١٦٠٥ دخل جامعة اكسفورد التي تعد أقدم جامعة في إنجلترا، إذ تأسست منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وأقام بعد تخرجه منها علاقة ببعض العوائل الثرية التي سافر بصحبتها إلى القارة الأوروبية وتعرف عليها برمتها تقريبا.
تعرض توماس هوبز لتلف في المثانة مما أدي لحدوث جلطة توفي أثرها في ٤ ديسمبر ١٦٧، عن عمر يناهز الحادية والتسعين عامًا قضاه في الدفاع عن النظام الملكي المستبد والحكم المطلق الذي ارتبط عنده بالواقع التاريخي الذي عاشته بلاده، وظل حتى وفاته يروج لأفكار بهذا الخصوص.

مؤسس نظرية العقد الاجتماعي وأسس مفهوم الحق الطبيعي لتفسير معظم أطروحات عصره، وله نظريته الخاصة في الأخلاق التي كانت أساسًا لمعظم الفلاسفة الذين آتوا بعده، هاجم الفكر الأرسطي والمدرسي في الوقت الذي كانت تلك الأفكار تحظي بقبول الكثير، ساهم كذلك في بعض الأطروحات القانونية التي تميز بها عصره.

ألّف هوبز مؤلفات عدة في السياسة والمنطق والرياضيات والفلسفة والقانون منها: “عناصر القوة بالإنجليزية عام ١٦٥٠، المواطن De Cive باللاتينية عام ١٦٤٢، De Corpore عام ١٦٥٥، De Homine عام ١٦٥٨، Elementa philosophica ، فلسفة ديكارت عام ١٦٤١، كتاب في البصريات، كتاب في الرياضيات ويقول فيه أنه وجد حلاً لتربيع الدائرة ، كتاب التنين أو الوحش léviathan بالانجليزية عام ١٦٥١، ولعل هذا الكتاب أهم كتب هوبز الذي يتضمن خلاصة أفكاره في الفلسفة الأخلاقية ” يشكل عملًا فلسفيًا كبيرا “، في قسم كبير منه يحلل الإنسان، طبيعته، روحه، وطرقه للمعرفة والعلوم ، وفي القسم الثاني يكرسه للجمهورية أو بمعني آخر للدولة، والقسم الثالث والرابع للقضايا الدينية ، ويعتبر الكثيرون هذا الكتاب رائعته الكبرى. وقد ارتبطت مؤلفات هوبز السياسية ارتباطًا وثيقًا بالواقع التاريخي الذي عرفته انجلترا في المدة التي عاشها.

تميز هوبز بتفكيره المادي الذي يري أن العالم الطبيعي هو نظام آلي تحكمه الحركة وهو يطبق هذه الخلاصة علي المجتمع وعلي الدولة ، فالمجتمع من وجهة نظره لا يعدو كونه نظامًا آليًا أساسه الحركة ، أما الدولة فهي إنسان آلي أساسه الحركة المتمثلة بتوجه الانسان نحو الانسان عن طريق اللغة وما يترتب علي ذلك من فعل ورد فعل هما في الواقع نوعان بدائيان من الإحساس أسماهما : الرغبة والنفور ، ونظر إلي الأول علي أنه سعي وراء ما يلائم العمليات الحيوية أما الثاني فعدّه نكوصًا عما يسفر عن الأثر المضاد، ومن هذين النوعين البدائيين من الإحساس راح هوبز يستخلص جميع الانفعالات والدوافع الأشد تعقيدا وحدد موضوع الرغبة بالخير في حين اعتبر موضوع النفور هو الشر.

وقد كتب توماس هوبز كتابه الشهير اللفياثان في فترة مضطربة من التاريخ الانجليزي حيث كانت المملكة تعيش حرب أهلية بين الملكيين بقيادة الملك تشارلز الأول من جهة والبرلمانيين من جهة أخرى في الفترة ما بين (١٦٤٢-١٦٥١). هذه الحرب جاءت نتيجة لحالة فوضى عاشتها انجلترا لأكثر من ١٠٠ عام نتيجة النزاعات البروتستانتية-الكاثوليكية ، حيث صعد في تلك الفترة مزيج من الملوك والملكات البروتستانت والكاثوليك مما كان يعني تقلبات سياسية كبرى واضطهاد ضد الكنيسة وأتباعها المعاكسة للملك أو الملكة.
من هذه الخلفية التاريخية كتب توماس هوبز ” الذي اصطف على الجانب الملكي ” عقده الاجتماعي ، وأثر هذه الحقبة واضحة في نظرته لما سمّاه حالة الطبيعة ، أي الحالة الإنسانية قبل المجتمع المدني أو الدولة ، كما أثّرت بصياغة مضمون عقده الاجتماعي.

وكان توماس هوبز يخالف أرسطو في نظرته إلي كون الانسان اجتماعي بطبعه حيث كان يري العكس وهو أنه خلاف ذلك ، أي أنه أناني ومحب لنفسه لا يعمل إلا بقدر ما يحقق مصلحته الشخصية وينطلق هوبز في أفكاره بتصور حالة الطبيعة التي سبقت الدولة وهي حالة سيطرت عليها القوة ، قوة الفرد وكفاحه من أجل تحقيق غاياته ورغباته وإذا كان الأفراد يتجهون لتحقيق رغباتهم فإنهم متساوون في هذه الحالة وحدها أما باستثناء ذلك فإنه لا مساواة بينهم ، وذلك أن قوتهم وتفاوت ذكائهم يفرض الاختلاف من حيث استئثارهم بالثروات والامتيازات فلا يبقي للضعفاء بدنيًا وأصحاب الحظوظ المحدودة من الحيلة والذكاء إلا القليل.

وقد نجم عن هذا الوضع الذي هو وضع النضال من أجل البقاء ثلاث نتائج رئيسية وهي ما يلي:

– المنافسة بين كل إنسان وإنسان آخر في سبيل تحقيق الرغبات.
– الخوف الدائم والاحساس المستمر بالخطر والريبة والشك.
– شهوة الانسان في حيازة إعجاب الآخرين به كشخص أكثر تفوقًا.

إن هذا الوضع يؤدي بالطبيعة كما يقول هوبز إلي حالة ” حرب الجميع ضد الجميع ” ، فكل إنسان هو عدو للآخرين لأن الجميع مدفوع لتحقيق رغباته وحاجاته الذاتية التي لا تتحقق إلا علي حساب الآخرين ، هذا هو ما جعل حياة الإنسان في الطور الطبيعي منعزلة ، فقيرة ، وحشية ، وقصيرة.

ومن هنا نجد بأنه لا يوجد صح أو خطأ في حالة الطبيعة ، فلا يمكن التكلم عن الصح أو الخطأ في حالة يكون فيها كل فرد يدافع عن وجوده ومصالحه فيصبح كل شيء مباحًا بما أن الجميع متساوين في قدراتهم ولا يوجد شيء غير مباح ، وبما أن قانون الطبيعة يملي على الفرد أن يصون حياته ومصالحه يصبح مباحًا على الفرد أن يقتل الآخر ” دفاعًا عن ما لديه أو هجومًا ليأخذ مما لدى الآخر ليزيد من منفعته وفرص بقاءه “.

ما يجعل استمرارية هذه الحالة ممكنة هو عدم وجود القوة المشتركة التي تضع الجميع في حالة رعب منها لتلزمهم بقوانين ، فلا يمكن الكلام عن العدل فيها لأن العدل هو مجموعة قوانين والقوانين تحتاج إلى قوة تلزمها وبغياب هذه القوة لا يوجد عمل ظالم أو عادل، وبذلك تكون حالة الطبيعة حالة متساوية جدا ولكنها حالة حرب وفوضى مستمرة ، وبما أنه لا يمكن لأي شخص أن يضمن أي شيء وسيكون ملتهيا بشكل كامل في كيفية بقاءه لا نجد ملكية أو صناعة أو معرفة أو أعمال حرفية أو ثقافة أو فن أو مجتمع ، والخوف الدائم من العنف والموت هو السائد و تتصف حياة الإنسان كما ذكرنا بأنها وحيدة ، فقيرة ، وحشية ، وقصيرة.

من الواضح هنا بعد هذا الوصف لحالة الطبيعة أن الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في هذه الحالة ستكون لديهم نزعة للخروج منها لكنه قبل ذلك يشرح فكرة جوهرية لكي يضمن ثبات عقده الاجتماعي وهي المواثيق. يعتبر هوبز أن المواثيق التي يدخل فيها أي شخص تجعل منه ملزما بشكل تام لتنفيذ بنود ما تعهّد به ، ثم يعود إلى معضلة حالة الحرب ويقول أنه لكي يخرج الناس من هذه الحالة يجب أن تكون هناك قوة تضبطهم و ترعبهم ، والرجال حسب هوبز يخافون من أحد أمرين: إما قوة الله أو القوة الحقيقية الممثلة بالعنف ، ويرى أن قوة العنف أقوى في عقول الرجال من قوة الله لأنها ترعبهم أكثر بما أن أثرها مباشر وواضح ، فبذلك تصبح الطريقة الوحيدة للخروج من حالة الطبيعة هي إنشاء قوة مشتركة تلزمهم بقوانين وتحميهم من بعضهم ومن الغزو الخارجي وتحمي مصالحهم.
تنشأ هذه القوة حسب هوبز عن طريق إعطاء الجموع كامل قوتهم لشخص واحد أو مجموعة من الأشخاص بحيث أن هذا الشخص أو المجموعة تختصر كل قوتهم وإرادتهم وحكمتهم ، وبذلك يكون قد ألزموا الناس أنفسهم مع هذا الشخص بميثاق بحيث يتعهّد كل الرجال لبعضهم أن يسلموا قوتهم لهذا الرجل مقابل أن يحميهم ويعطيهم قدرة على العيش بسلام ، مما يؤدي إلى تشكيل الأمة ، وبذلك يصبح لدى الحاكم مقدار من القوة بحيث تتجلى الأمة به ويستطيع أن يمثل بشكل حصري إرادة الجموع وقوتهم في السلم والحرب.

هناك نقطة مهمة في فكرة الميثاق ، فهوبز يرى أن الميثاق يشمل الجميع ما عدا الحاكم لأنه يرى أن الجموع وضعت نفسها في هذا الميثاق تحت مظلته بالإتفاق فيما بينهم عندما قدموا عهدهم للحاكم وهو لم يجبر أحدًا منهم على فعل ذلك إنما فعلوا ذلك عن ضرورة للخروج من حالة الطبيعة ، فبذلك مهما فعل الحاكم لا يستطيع أن يكسر أي ميثاق لأنه لم يدخل به من الأساس وبذلك تصبح سلطته مطلقة ، وهكذا يرى هوبز أن الذين يدخلون إلى هذا الميثاق ليسوا أحرار للخروج منه لأنهم تعهدوا على منح قوتهم وإرادتهم للأمة ممثلة بالحاكم والمنطق يملي على الأشخاص أن يحترموا مواثيقهم ، وإذا ما قرر أحد ما الخروج من الميثاق فهذا يعني أنه عاد إلى حالة الطبيعة وأصبح في حالة طبيعة مع الأمة ممثلة بالحاكم فبذلك لها الحق في تدميره وله هو الحق في تدميرها ان استطاع ، لكن العبرة هنا أن شخص واحد لن يستطيع هزم أمة كاملة وسوف يُقتَل بكل تأكيد ، فبذلك يرى الأشخاص مصلحتهم في البقاء على الميثاق وعدم المخاطرة بالخروج منه إلى حالة الطبيعة خوفًا على مصالحهم وحياتهم.

إن الأحداث السياسية التي شهدها توماس هوبز انعكست على أفكاره السياسية ، فقد عاش هوبز فترة عصيبة وحرجة ، وهي فترة الثورة على شارل الأول وإعدامه سنة ١٦٤٩ ، الأمر الذي دفعه للدعوة إلى تبني نظام الحكم المطلق الذي يخول الملوك القيام بأي عمل دون العودة الى رأي الشعب ، ولم يسمح هوبز لأي سلطة بمنافسة سلطة الملك المطلقة حتى سلطة الكنيسة.
لقد مثل هوبز عصره خير تمثيل وانعكست عليه التطورات التاريخية فأثرت علي تفكيره السياسي وجعلته أحد الدعاة والمنظرين للفكر السياسي المطلق الذي يجعل جميع السلطات بيد سيد مطلق لا يعود في قراراته لأي سلطة أخري غير سلطته اللامحدودة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك