أغاني المهرجانات .. شكل فني أم أزمة مجتمع ؟ – د. محمد عجلان

أغاني المهرجانات .. مناقشة موضوع أغاني المهرجانات ونجومها، من أمثال حسن شاكوش وحمو بيكا وغيرهما، ليست مسألة ذوق شخصي يتعلق بشكل معين من أشكال الغناء، ولا يعني ذلك أنه من الواجب منعها أو أن بعض من يحبونها أو يروجون لها تجب إدانتهم، لكن القضية أبعد من مجرد حصرها في الإطار الفني، لأنها بالفعل ليست مجرد تطور أو تدهور فني منّبت الصلة عن ظروف مجتمعه، لكنها في الحقيقة انعكاس واضح، بل وفجّ أيضًا للحالة العامة للمجتمع. وما يُقال عن أغاني المهرجانات يمكن قوله أيضًا عن إنتاج السبكي ومن شابهه، خاصة أعمال محمد رمضان، فالبعض لا يكلف نفسه عناء البحث أبعد من أسفل قدميه، فيعتبر أن الأخلاق سقطت بسبب أعمال محمد رمضان، وأن البلطجة زادت بسبب ما يقدمه، وأنه أصبح مثلًا أعلى للشباب، كأننا لو صلبنا محمد رمضان في ميدان التحرير بعد نصف ساعة من كتابة هذا الكلام سوف تعود الأخلاق وتسود روح الود والطمأنينة أرجاء هذا الوطن. لكن ما قيل عن أعمال محمد رمضان ليس جديدًا، فأذكر أنه في الثمانينيات أيضًا قالوا مثل ذلك عن مسرحية “مدرسة المشاغبين”، واعتبروها سبب فساد التعليم، أي بلدٍ هذا وأي تعليم الذي يفسده عمل مسرحي أيًا كان؟!

عود على بدء، موضوع أغاني المهرجانات لا يمكن تناوله باعتباره موضوعًا فنيًا فقط، بل نسأل أنفسنا: أين بدأ هذا الشكل الغنائي في الظهور؟ ومن رواده، ولأي طبقة ينتمي هؤلاء؟ ولماذا سادت موجتهم للدرجة التي جعلتك تلاحظ أن مهرجاناتهم أصبحت سيدة الموقف الغنائي، يردده الكبار والصغار، الأغنياء والفقراء، فلا فرق بين سائق توك توك وراكب سيارة BMW الجميع يتراقصون على هذا الشكل الغنائي الصاخب. هذا الشكل الفني ابن العشوائيات التي كانت نتاجًا للظلم الاجتماعي والتخبط الاقتصادي على مدار عقود، وفي دراسة أجريت قبل ثورة يناير تم رصد حوالي 20 مليون شخص تقريبًا يعيشون في هذه العشوائيات، حيث لا وجود للحد الأدنى من سبل الحياة الكريمة، ناهيك عن زيادة هذا العدد في السنوات الأخيرة، بعد الضربات القاسية التي سببتها توجهات صندوق النقد الدولي، ومن الواضح أن اتساع رقعة الفقر تأتي على حساب رقعة الطبقة الوسطى دون غيرها، فلقد تآكلت الطبقة الوسطى بشكل كبير، للدرجة التي جعلت البعض يعتبرونها قد تلاشت!

إذن نحن أمام منتج فني خُلق في أجواء غير طبيعية، فلا يمكن لأحد أن يعتبر وضع العشوائيات طبيعيًا، ولا الثقافة التي تنتج في ظل هذه الظروف يجب أن تسود، لكن سادت بسبب ضعف الطبقة الوسطى، تلك الطبقة التي تمثل صمام الأمان في أي مجتمع، فلو عدنا بالزمن للوراء، وشاهدنا المنتج الفني في الخمسينيات والستينيات وما قبلهما، سنجد أن الأعمال الفنية كانت تدور في فلك شخصيات الطبقة الوسطى، لأن هذه الطبقة كانت هي السائدة والمسيطرة، وبالتالي النموذج التي عكسته كان انعكاسًا حالة مجتمعية عامة. وبالتالي، ليست القضية هنا قضية منع أو قبول هذا الشكل الغنائي، بقدر ما هي علاج المشكلة من جذورها، البحث عن آليات للخروج من العشوائيات كشكل معيشي، حتى نستطيع أن نتجاوز العشوائيات كثقافة، أن نلملم شتات الطبقة الوسطى بتوجهات جادة، حتى تعود للعب دورها من جديد، فهي كما قلت منذ قليل صمام الأمان لأي مجتمع صحي، لأن تآكل هذه الطبقة يكون في الغالب لحساب الطبقة الفقيرة، والتي أصبحت في مجتمعنا عشوائيات تأكل أهلها وتأكل المجتمع كله.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك