نظرية الجاذبية بين أرسطو ونيوتن – بقلم: خيال بعيد

نظرية الجاذبية بين أرسطو ونيوتن .. من ضمن أساطير التاريخ في العصر الحديث، أسطورة أن نيوتن كان يجلس تحت شجرة تفاح، فسقطت عليه تفاحة، فتفكر في سبب سقوطها نحو الأرض، فخطر له أن سبب سقوط التفاحة هو جذب الأرض لها، وهي من القصص التاريخية الطريفة التي يستدل بها البعض على عبقرية نيوتن، لأنه تفكّر في سبب سقوط التفاحة، بينما لو كان هناك شخص غيره لتفكر كيف يأكلها.

نظرية الجاذبية بين أرسطو ونيوتن

ولكن هؤلاء المستدلون هم جهلة بالتاريخ، وبتاريخ العلم على وجه التحديد، لأن مسألة تفسير سبب سقوط الحجر نحو الأرض مرة أخرى إذا قذفناه إلى أعلى كانت معروفة عند علماء اليونان القدماء، ما قبل أرسطو وما بعد أرسطو، وحتى عند الفلاسفة العرب مثل الفارابي وابن سينا. فإن كان نيوتن عبقريًا في شيء فهو أنه استبدل الحجر بالتفاحة، ويال العبقرية. بل إن نظرية الجاذبية نفسها كانت معروفة عند علماء الطبيعة اليونان قبل أرسطو، فكانوا يقولون إن سبب سقوط الحجر مرة أخرى نحو الأرض إذا قذفناه إلى أعلى، هو أن الأرض تجذبه.

ولكن أرسطو رفض هذه النظرية وقال ردا عليهم: “لو كانت الأرض تجذب الحجر لكان جذبها للحجر الصغير أشد من جذبها للحجر الكبير، وللزم من ذلك أن يكون الحجر الصغير أسرع سقوطا نحو الأرض، ولكن هذا لا يحدث، بل إن الحجرين يصلان للأرض معًا في وقت واحد، وهذا يدل على أن الأرض لا تجذب الحجر”. وقد شعر علماء العصر الحديث بهذه الثغرة في نظرية الجاذبية، وذلك لأنهم قاموا بإلقاء اجسام مختلفة الأحجام من فوق بنايات عالية في وقت واحد ومن مسافة واحدة، فوجدوا أن هذه الأجسام المختلفة تصل إلى الأرض في نفس الوقت، وبدون تفاوت، واعتبروا أن هذا شذوذ عن نظرية الجاذبية، وعللوا ذلك بأن نظرية الجاذبية تنطبق على الأجسام الكبيرة ولا تنطبق على الأجسام الصغيرة.

تفسير أرسطو لسبب سقوط الحجر نحو الأرض:

قال أرسطو في تفسير ذلك: “إن سبب سقوط الحجر نحو الأرض هو أن لكل جسم مكانًا طبيعيًا يطلبه بطبعه، فإذا تركه قسرا عاد إليه بطبعه بعد زوال القاسر”. فسبب سقوط الحجر نحو الأسفل هو أن الأسفل هو مكانه الطبيعي، وسبب صعود الدخان أو البخار إلى أعلى هو أن الأعلى هو مكانهما الطبيعي، فإذا قيل لأرسطو لماذا قلت إن لكل جسم مكانًا طبيعيًا؟ لقال في تعليل ذلك: “لأن الجسم إما أن يكون كل مكان طبيعيًا له أو كل مكان مناف له، أو كل مكان لا طبيعيا ولا منافيا له، أو كل مكان طبيعي ومناف له، أو يكون له مكان طبيعي ومكان بخلافه”. فهذه خمسة أقسام، ثم قال إن كل هذه الأقسام محالة ما عدا الأخير، فثبت أن لكل جسم مكانًا طبيعيًا. وطبعًا هو أثبت لماذا كل هذه الأقسام محالة ما عدا الأخير. ويمكنك أن تجد أدلته في كتاب الشفاء أو النجاة لابن سينا، فليس مقصدنا أن نذكر أدلته تفصيلًا، وإنما مقصدنا من هذا المقال هو أن نقول إن مسألة البحث عن تفسير لسقوط الحجر (التفاحة) نحو الأرض كانت معروفة منذ قرون طويلة، وأن القول بأن سبب سقوطه هو جاذبية الأرض هو أيضا كان معروفا منذ قرون طويلة، وهذا ثابت في كتب ابن سينا، فمن اراد التأكد فليرجع لكتب ابن سينا وخاصة كتاب الشفاء.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك