علم الكلام من الاختلاف إلى الطبيعة – بقلم: محمد الزغواني

علم الكلام من الاختلاف إلى الطبيعة .. الخوف من الاختلاف: طبعا ليس في نيّتنا، هنا ، التأريخ لعلم الكلام و لا البحث في النشأة و التطوّر . فتلك مسائل ، على كثرة الأخذ و الردّ فيها ، و تباين الآراء و القراءات التي تصل إلى حد التعارض و التقابل ، فإنّها و لا شك لدارس علم الكلام ، من المعلوم من الكلام بالضرورة ، و ليس يُرتجى من الخوض فيها هنا ، إلاّ إثقال المتن و إطالة الأسفار .

علم الكلام من الاختلاف إلى الطبيعة

فسواء أكان ( الكلام ) استجابة تفاعليّة مع كلّ ما جاء في النصّ من حقائق و تصوّرات وما أثاره من إشكاليات ، أو استجابة دفاعيّة عن النصّ و عن الدين عموما ضد المبتدعة والمخالفين . أو كان حراكا اجتماعيا و سياسيا يؤسّس للخضوع و المهادنة أو يبني الثورة في النفوس و العقول . فإنّه من البديهي أنّ ممارسة فعل الكلام ، لحظة معرفيّة يصعب البتّ في أوان نشوئها على وجه الدقّة .

والقول بأنّ الكلام ، كممارسة تفاعليّة مع النصّ ، هي و لابد متزامنة مع تشكّل النص والدين قول يمكن الركون إليه ، لكن التمادي في ذلك و اعتبار أنّ ” الحياة الإسلاميّة كلّها ليست سوى التفسير القرآني : فمن النظر في قوانين القرآن العمليّة نشأ الفقه . و من النظر فيه ككتاب يضع الميتافيزيقا نشأ الكلام . و من النظر فيه ككتاب أخروي نشأ الزهد والتصوّف و الأخلاق . و من النظر فيه ككتاب للحكم نشأ علم السياسة. و من النظر فيه كلغة إلهيّة نشأت علوم اللغة … إلخ . و تطوّر العلوم الإسلاميّة جميعها إنّما ينبغي أن يبحث في هذا النطاق : في النطاق القرآني نشأت ، و فيه نضجت و ترعرعت، و فيه تطوّرت ، و واجهت علوم الأمم تؤيدها أو تنكرها في ضوئه ” ، قول لا يمكن الانطلاق منه و الأخذ به . غير أنّ استراتيجيّات القول التي اعتمدها النص القرآني ؛ كالحوار و السؤال و الجواب و القصص والتبكيت ، و غيرها من طرق التعبير ، كانت حاضرة بكثافة وفاعليّة في بنية النص . ممّا يسمح لنا بالتصريح بكل ثقة أنّ القرآن كان خطابا جداليّا بامتياز . وبالتالي قد أسهم و لا بد في تشييد أرضيّة نفسيّة و حركيّة عقليّة لدى أتباعه تطوق إلى ممارسة فنّ القول .

طبعا نحن لا نطمئن كثيرا لتلك الصورة التي يحاول الكثيرون أن يقدّموها عن جيل الصحابة باعتبارهم يمثلون الخضوع المطلق للنصّ وللدين الجديد ، وأنّ الصمت المطبق كان يلفّهم حيال أشغال الهدم و التشييد التي كان النص جادا فيها. و لئن كانت نوايا كل ذلك حسنة إلاّ أنّها للأسف تصادم منطق الأشياء و تعارض حتّى النصوص التي تقدّم الكثير من الأدلّة التي نجدها مقنعة في قراءة كل تلك الحوارات التي كانت تدور بين الرسول صلى الله عليه و سلّم و أصحابه ، أو بينه وبين المخالفين ، كنوع من الجدل و الخوض في الكلام . أسئلة صحابة الرسول صلى الله عليه و سلّم و المخالفين كذلك ، و التي تفاعل معها النص بكلّ أريحيّة ، يمكن أيضا أن تقف كشواهد ذات بال لتشكّل نوع جديد من القول .

لكن مع ذلك نحن لن ننساق خلف هذه الإغراءات ، من أجل النزول إلى أعماق اللحظة التاريخيّة للظفر بالينابيع الصافية لعلم الكلام . لأنّ ما نريد الإمساك به في هذا الباب / المدخل ، ليس مجرّد البدايات ، فكثيرا ما تكون البدايات مضلّلة كما يقال ، ولكنّنا نبحث عن الجينة المسؤولة عن جنس ونوع هذا الكائن الآخذ في التشكّل .

ما هو الهاجس الأكبر الذي حرّك ” عجاجة الكلام ” ؟

وما هي الأهداف و المرامي التي كانت تقود خطى المتكلّمين ؟

وبعبارة العلاّف( ت 226 هـ ) ما هو الجوهر الفرد للكلام الإسلامي ؟

أعتقد أنّ نظرة سريعة لعناوين أشهر الكتب التي أرّخت لعلم الكلام في بداياته ، تسمح لنا باستحضار الجوّ العام الذي كان الكلام يتراكم خلاله . فالكلام بحسب تلك العناوين كان حول اختلاف المصلّين من أجل تأويل المختلف من القول ، و كان التنبيه و الردّ هاجسا متحكّما في المقالات من أجل الفرق بين الفرق و بيان الفرقة الناجية من الفرق الهالكين . الكلام يتنزّل إذن ضمن مناخ يسوده الخوف والارتعاب من الاختلاف والخروج و لا سبيل للنجاة إلاّ بالفصل والتمييز و التبصير في الدين .الفهارس ( وليكن كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين للأشعري نموذجا )كافية فيما نحسب لإبراز ذلك الهاجس المؤرق الذي استهلّ الكلام الاشتغال عليه ؛ إنّه هاجس الاختلاف و الخروج ، الذي أصبح ، اليوم ،عنوان حركة المجتمع و خصيصة القول فيه . فالموقف والاستجابة النفسيّة لما بات يطبع المجتمع بطابعه ، هو بالتحديد المحرّك الأوّل و الدافع الأساسي للكلام كي يتمايز عن بقيّة أنماط القول التي كان مندرجا ضمنها ؛ كالتفسير و الفقه والقص و التأريخ . طبعا المجالس في بداياتها و خصوصا مع عموم الصحابة كانت تجمع كل ذلك في نمط واحد من الكلام ، ربما شكل من أشكال الوعظ . مع توتّر العلاقات داخل المجتمع و احتداد ظاهرة الخروج ، أصبح الكثير من الصحابة و كبار التابعين ينفرون من مثل تلك المجالس ( مجالس الوعظ و الحديث في الشأن العام ) الإمام مالك بن أنس ( ت 179 هـ ) كان يأمر بطرد أولئك الذين يريدون أن يوجهوا درسه نحو تلك المواضيع المرفوضة ( و السؤال عنه بدعة ) . أبو ذر الغفاري برغم تحذير الصحابة له و معاقبة السلطة له . كان له موقف آخر . الحسن البصري ( ت 110هـ ) كان سيد الواعظين لذلك استحق التحذير و طولب بأن يشرح بعض مواقفه . أتباع سيدنا علي بن أبي طالب ( ت40هـ ) و بالتحديد من بقي من أهل بيته اختاروا الكلام في الحلقات الضيقة ، لذلك أسس محمد بن الحنفية (ت 81 هـ) المكتب كفضاء للقول يوازي المسجد الذي أصبح الآن تحت رقابة السلطان .

الاشتغال على الواقع و الإحساس المرهف تجاه ما يستجد من وقائع ، و استبطان المسؤولية تجاه الدين والمجتمع ، ربما كان هو أساس هذا النمط الجديد من القول . و قد لا نكون مجانبين للصواب إن استعملنا المصطلح المعاصر ( الكلام في لشأن العام ). فعلى الخلاف من المحدّث و الفقيه والمفسّر ، الواعظ كان يرى في الخلاف ، تهديدا للدين و اختراقا لتحصيناته . فالمحدّث كان يتقبّل تعدد الرواية بكثير من التفهّم ولا يجد حرجا في ( تأويل المختلف ) منها مهما تعارض . الفقيه كذلك لا يجد حرجا أن يعتبر واجبا ما يراه غيره سنّة أو حتّى مكروها . حتّى المفسّر كان يجد في اللغة والروايات بساطا واسعا من القول ، فهو يرتع فيه . المتكلّم يعي هذه المسألة و لكنه ينطلق من مسلّمة أنّ ” الخلاف لا يكون خطرا إلاّ إذا كان في أصول الدين ” . فرفض الخلاف ومجاوزة الاختلاف والخروج ، كان الحبل الذي بدأت حبّات الكلام تنتظم فيه .

ما نظنّه ، أنّ الاختلاف لم يكن هو مبعث الكلام ، و إنّما تلك “اللعبة الخطرة ” التي تورّط فيها البعض بالزعم أنّهم قادرون على مجاوزة الاختلاف وإثبات العقائد و المحاججة عليها و الرد على المبتدعة و المخالفين . أي أنّه قدّم نفسه كحارس و حام لهذا الدين . و لمّا كان الدين لمّا تتشكل أسواره و حدوده بعد ، فكان و لا بد لهذا الحارس المتحمّس، أن يبني له الأسوار و يجعل من الدين مجموعة من الأقوال ، أي أن يجعله ( كلاما ) منضبطا. إذ لا يمكن إيقاف الاختلاف إلاّ بعد تحديد لحظة (اللااختلاف) . و لا يمكن إدانة الخروج إلا بعد تحديد مفهوم الجماعة .

فالاختلاف لم يكن طارئا في المجتمع ، و إن أصبح حادا . و الكلام لم يسبقه صمت ، و إن أوهم البعض بذلك . و إنّما رفض الاختلاف و التشنيع عليه و السعي لتحصين الفكر و الواقع من الاختلاف بكل الوسائل ( السيف و اللسان و القلم ) .

طبعا توصيف مراحل تطوّر و ارتقاء الكلام من اللحظة الساذجة المتحمّسة التي استعان فيها في أكثر من مناسبة بالسيف كمقدّمة و كدليل على صدقيّة القول ، إلى المرحلة التي أصبح فيها دليل العقل أشد مضاء من السيف ، مسألة لا مشاحة فيها و كلّ الدارسين تقريبا يلتقون حول السمات البارزة التي ميّزت الكلام الإسلامي .

و سواء أبدأ الكلام سياسيا أو إيديولوجيا أو اجتماعيا ، و سواء أكان المنعرج مع واصل بن عطاء (80 – 131 هـ / 699 – 740 م )كما يرى الجابري أو كان مع أبي الهذيل العلاّف كما يرى النشّار و غيره كثير ، فإنّ حقيقة الإمساك بعلم الكلام ، من أجل (جديد ) آخر أو فعل مؤثر في الواقع ، ليس يُطلب في تاريخه و لا في منعرجاته ، وإنّما بالأساس في الوقوف على جيناته المتحكّمة في خطابه و المحدّدة لتوجهاته ، نظير ما فعله أبو الوليد ابن رشد الحفيد ( 520 – 595 هـ / 1126 – 1198 م) حيث قدّم قراءة نقديّة للخطاب الكلامي تنفذ إلى آليات اشتغاله . أو شبيها بالقراءة التي قدّمها حسن حنفي للخطاب الكلامي و التي سمحت لنا بفهم أعمق لأسس و محركات هذا الخطاب . طبعا هناك العديد من القراءات الجادة ، قدّمت إضافات معتبرة في سياق فهم هذا العلم و الإحاطة به .

تفكيك جينات الكلام هدفه بالأساس ( كلام جديد ) لا يعيد بعث الأزمة التي قضت على ( القديم ) الذي كان همّه الأكبر البحث عن ( الاعتقاد القويم –Orthodoxie) ليختزل الدين في مجموعة من الاعتقادات، والكلام في الدين في مجموعة من التحصينات ، دون أي اهتمام يذكر بالجانب الأخلاقي أو العملي والاجتماعي . إهمال تكرّس بتوجّه الكلام نحو الفلسفة التي أهدت علم الكلام مجموعة من الهدايا ، كانت الطبيعة من بينها.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك