الدواء المر – لماذا تقدم الطب في الغرب وتخلف في الشرق الإسلامي؟

يقصُّ علينا الأديبُ والسياسيّ الذي عاصر نهاية عصر الفاطميين ومطلعَ الدولة الأيوبيّة أسامة بن منقذْ، في كتابه (الاعتبار) بعضًا من أخبار الصليبين الذين عاشرهم فترة. فيُحكى عن طبيبٍ عربي مسيحيّ ذهبَ لعلاج بعض مرضاهم فأحضروا له فارسًا يشكوا من دماملَ في ساقه وامرأةً تشكو من صداعٍ نصفيّ، ولكن معالجتهما لم تتمّ؛ لأنّ طبيبًا من الفرنجة قاطعه بسبب أنّ الطبيب العربي لا يفهم شيئًا.. وخيّر الفارس أن يعيش برجلٍ واحدٍ أو يموتَ برجلين. فلما اختار الفارس أن يعيش، أمر أن تقطع رجله المصابة ببلطة، فقطعت ولكنه سرعان ما مات من النزيف، أما المرأة فقد قال إنّ في رأسها شيطانًا قد عشقها فأمرهم فحلقوا رأسها وأطعموها من الثوم والخردل فلما أصابتها الحمّى أخذَ موسًا وشقّ رأسها (على شكل ) صليب حتى ظهرَ عظمُ الرّأس وحكّه بالملح فماتت. ثم خلّو سبيل الطبيب العربي لعدمِ الحاجة إليه.

ثم مرّت بضعةُ قرون..
يحكي لنا مؤسسُ الطبّ الحديث في مصر، الفرنسيّ كلوت بك عن الصّعوبات الجمّة التي صادفته أثناء عمله في مصرَ، القرن التاسع عشر حيثُ المجتمع الرّافض للطبّ الحديث والتقدم عامةً خلافًا لعاهلِه المستنيرِ محمد علي باشا، الذى عَهِدَ إليه بتنظيمِ الإدارة الصحيّة بالجيش المصريّ، ثمّ تأسيسُ مدرسةِ الطب، ليس فقط الأمر الذي جعل العامة يرفضون الذهاب إلى الصّرح الطبيّ العظيم (القصر العيني)، رغم حاجتهم للعلاج الذي يقدّم لهم في المشفى مجانًا، بلْ حتّى الطلاب الذين أتوا بهم لتعلّم الطّب كانوا على قدرٍ عجيبٍ من الرّجعية ورفضِ التّعلم، حتى إنّ أحدهم حاول قتل كلوت بك بطعنه أثناء إلقاءِ درسٍ طبيّ!

ماذا حدث في هذه القرون، وعَكَسَ الأوضاعَ لهذهِ الدّرجة؟
في العصورِ الوسطى كانَ الطبّ في أوروبا خليطًا غيرَ متجانسٍ من الوصفاتِ الشعبيّة، والأساطير والمعتقداتِ الدينية والسحر، فكان من الشائعِ اتّهام الطبيب المتميّز بأنه ساحر، بينما على العكس تمامًا كانت لمهنة الطب منزلةٌ تُحْتَرَمُ في العالم الإسلاميّ الذي تميّز بعقلانيّة واثقةٍ مكّنته من تلقي علومِ الأمم السابقة من الفُرْس والإغريق والرّوم بلا تحفُّظ، وبالإضافة إلى ذلك بَرز أطباء مشهورون كالرّازي و ابن النّفيس وابنُ سينا وتعامل الفقهاءُ مع صنعة الطبّ باحترامٍ وإن كانوا قد أكدوا على ضرورةِ توافرِ العلمِ الكافي فيمن يمارسُ المهنة، بشهادة الأطباء والعلماء الموثوقين في كلّ بلدة وأنْ يكون عمله بإذن المريض أو أقاربه في حال كانت حالته لا تسمح بأخذ موافقته وإلا يكون مسئولًا عن الأضرار التي يسببها بخطأه في العلاجِ، مستندينَ إلى حديثِ النبي صلى الله عليه وسلّم: “من تطبَّبَ ولم يكن بالطب معروفًا فأصابَ نفسًا فما دونها فهو ضامن”، فيدفع الدّية إنْ مات المريضُ أو تلف أحدُ أعضاءه وكذلك الحال إن أخطأ الطبيب الحاذق خطأ جسيمًا لا يقع فيه مثلة فأدى إلى الضرر وهذا بالمخالفة للقواعد العامة في الفقه الإسلامي التي تنص على أن المباشر ضامن، وإنْ لم يتعدَّ وبناءً عليها يستحق المتضرر التعويض وإن لم يكن مُسبِّبُ الضرر متعديًا، ودون تفرقةٍ بين العمدِ والخطأ حتى إن كان مسبِّب الضرر غير مميّز.

ولكن تم استثناء العمل الطبي من القاعدة العامّة، حتى لا يقع الناس في الحرجِ ويقلَّ إقبالهم على تعلُّم الطب وممارستِه؛ خشية الوقوع في المسئولية فنجدُ كلمةَ الفقهاء من المذاهب الأربعة تّتفق على استثناء الممارسة الطبيّة المشروعةِ على يدِ الطبيب أو الممارس الملتزم بقواعد المهنة من الضمان.

قال ابن عابدين: “ولا يضمنُ الفصد ونحوُه لأنه يُبنى على قوةِ الطبع وضعفِه، ولا يعرف ذلك بنفسه، ولا يتحمّل من الجرح، فلا يمكن تقييده بالسلامة، فسقط الضمان “.

وقال السمرقندي: “ولو استأجرَ البزاغ والفصاد والختان، فعملوا عملهم ثم سرى إلى النفس ومات، فلا ضمان عليهم، لأنّ ليس في وسعهـم الاحتـراز مـن ذلك“.

وقال الدردير: “الختان، وقلع الضرس، والطب لا ضمان إلا بالتفريط“.

وقال النووي:”الحجام والختان لا ضمان عليهما إذا لم يفرطا، وكذا البيطار، إذا بزغ الدابة فتلفت“.

وقال الخرقي: “ولا ضمان على حجام ولا ختان، ولا متطبب إذا عرف منهم حذق الصنعة ولم تجن أيديهم“.

بينما ذهب ابن القيّم الى ما هو أبعد فأسقط الضمان عن مدّعي الطب إن لم يغرر بالمريض ويوهمه بأنه طبيب حاذق “متطبِّب جاهلٌ باشرت يده في بطنِه فتلف به، فهذا إنْ عَلِم المجنيّ عليه أنه جاهل لا علم له، وأذن له في طبه لم يضمن. ولا يخالف هذه الصورة ظاهر الحديث، فإن السياق وقوة الكلام يدل على أنه غرّ العليل وأوهمه أنّه طبيب، وليس كذلك وإنْ ظن المريض أنَّه طبيب وأذن له في طبه لأجل معرفته ضمن الطبيب ما جنت يداه”.

وموقف جمهور الفقهاء يتفق لدرجةِ تشابه التطابقِ مع القوانينِ الحديثة المنظِّمة لعمل المهن الطبيّة والتي تجعل مسئوليّة الطبيب مسئولية (بذلِ العناية) وليست مسئولية تحقيقِ نتيجةَ فلا تقرر مسئوليّة ممارس المهنة الطبية عن الأضرار التي تسبِّب بها إنْ كان مصرّحًا له بالعمل وأدّاه بالعناية المعتادة ممن هو في مثل ظروفه ولم يرتكب خطأ أو إهمالًا جسيمًا.

وعلى هذا فكان من الطبيعي أن تزدهر صنعة الطب في الشرق الإسلامي الذي عرف المستشفيات العامّة بدايةً من عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك 715 ميلاديّة بينما أُنشِأت أول مستشفى في باريس بعدها بتسعه قرون واشتهرت عدة مستشفيات كالمستشفى العضدي ببغداد والنوري بدمشق والمنصوري وابن طولون بالقاهرة ومستشفى مراكش بالمغرب وظهرت فكرة المستشفى المتنقل في عهد السلطان محمود السلجوقي فكانت الأدوية والأدوات الطبية تحمل على جمال وترافق الأطباء إلى كافة أنحاء مملكته وكانت تلك المستشفيات بمثابة كليات للطب يتعلم فيها الطلاب، وتحتوي مكتباتٍ ضخمة وقاعاتٍ للدّرس ومعامل لتركيب الأدوية، ولقي الأطباء ما يستحقون من تكريم واحترام.

فلماذا واجه كلوت بك هذه المتاعب إذن؟
التفسير السطحي للظاهرة (والذي يعجب الكثيرين) يتهم أهل القاهرة في ذلك الوقت بالرجعية والتخلف والخوف من العلم الحديث بشكل عام، ولكن هذا ليس دقيقًا.

في كتابة المهم (الجسد والحداثة) يلفت خالد فهمي الأنظار إلى تفسير مختلف لرفض أهالي القاهرة الذهاب للقصر العيني وتفضيلهم أن يتم علاجهم في البيت رغم أن الإسبتالية مجانية والعلاج المنزلي ليس كذلك بالطبع.

كان رفض الناس له مبرراته، فبالإضافة إلى أن الصّرح الطبي الكبير لم يكن على المستوى الذي يُتوقع من مشفى في عصرنا، بل كان مثالًا للقذارة وسوء الحال في كثير من الأحوال، ويعاني من الإهمال ونقصٍ في الإمكانات لعدم استقلاله ماليًّا، وإداريًّا تثبت الوثائق ما هو أسوأ. إجراء جراحات على المرضى دون موافقتهم أو موافقة ذويهم، ما عُرف بتشريح الأحياء! وقد أورد خالد فهمي تقرير مجلس شورى الأطباء عام 1847م، لتحقيق تم في حالة مريض توفي بعد إجراء عملية في كيس الصفن بلا مبرر طبي ودون موافقته أو موافقة ذويه، واختتم التقرير بقرارات على رأسها أن لا يتم التشريح إلا على الأموات فقط، وحظرها كتجارب ولزوم الحصول على موافقة خطيّة من أحد أقارب المريض؛ لإجراء العمليات الجراحية الكبرى. كان عامة الناس لا يثقون في كفاءة تلك المنظومة الطبية الحديثة أو أخلاقية أعضائها وكان لديهم مبررات كافية.

هل أخبرتك أن محاولة أحد طلاب كلوت بك لقتله كانت أثناء درس تشريحْ؟
قد عرف المسلمون التشريح وعلم وظائف الأعضاء فألف الرازي كتاب دلائل التشريح 313هـ، وألّف ابن مالك البغدادي اختصار التشريح في 570هـ، وصنف نجيب الدين السمرقندي 618هـ رسالةً في تشريح العين ومن خلاله اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى، وفي موسوعته القانون تناول الشيخ الرئيس ابن سينا تشريح الجسد الإنساني بتوسع وأفرد له كتابًا مستقلًا لاحقًا.

ولكن عملية التشريح لم تكن تجري في الشرق الإسلامي بتلك البساطة والكثافة و”الفجاجة” التي جرت في الغرب، في التصور الإسلامي لجسد الانسان حرمته وقدسيته حيًّا أو ميتًا (كسر عظم الميت ككسره حيًّا)، كما جاء في الحديث الشريف ويصعب على المسلمين أن يتخذوا من الجثث أدواتٍ للدراسة، ويحولونها إلى مادة استعمالية ببساطة.

ويخبرنا كلوت بك أنه عندما أراد أن يقدم دروس التشريح لطلبته في مدرسة الطب بالقصر العيني كان عليه أن يكسب في صفة رجال الدين فيقول (لقد أخذت على عاتقي أن أكسب ثقة شيخ الإسلام العروسيّ وهو شخص مهم يتمتع بسمعة جيدة في البلاد؛ بسبب ورعه. وحين تناولت مسألة التشريح لم يستطيع أن يفهم أن النظرية لا تقدم أكثر من تصورات غير كاملة، فقلت له ألا يحتاج الساعاتي المطلوب منه أن يصلح الساعات إلى فهم ميكانيكيتها الكاملة؟ وفوق ذلك أليس عليه أن يجمع ويفصل الأجزاء المختلفة قبل أن يستطيع أن يفهم كيف تعمل؟ نجحت فى الحصول على موافقته ولكن على أساس أن أتصرف بأقصى الحذر وفي السر).

أفاد الطب الحديث كثيرًا من التشريح الذي أصبح تدريسه حتميًا لكل طالب طب ولكن الشرق الإسلامي لم يكن ليتجاوز تلك العقبة الأخلاقية ببساطة، ويترك من يريد التعلم يفتح أجساد الموتى لينظر كيف تعمل بدون مبررات قوية؛ كتشريح ضحية جريمة قتل غامضة مثلًا.

ولكن لم يكن التشريح فقط (على أهميته الكبرى) هو السبب الوحيد لتقدم الغرب الأوربي طبيًّا عن نظيره الشرقي، بل إن التطور الحقيقي في الطب حدث عندما تحول من صنعة إلى علم تجريبي حديث وإن كان لتضخم الجيوش في المرحلة الإمبريالية أثره في ظهور المؤسسات الطبية الّلازمة للعناية بجيوش الإمبراطوريات الفرنسية والإنجليزية وغيرها، حيث كانت الأمراض والأوبئة، مضاعفات الجروح والإصابات تمثل النسبة الأكبر من أسباب الوفيات في الجنود ثم ترسخت هذه المؤسسات في الحياة المدنية وسهلت عملية التعلم ونقل المعرفة إلا أن التحوّل و(التقدم) الحقيقي يرجع الفضل فيه إلى إجراء التجارب الطبية على البشر بكثافة.

“لا يمكن التراجع عما حدث، ولكن يمكننا أن نكسر حاجز الصمت، ويمكننا أن نتوقف عن تجاهل المشكلة. ويمكنني أن أتحدث نيابة عن الشعب الأمريكي وأقول إن ما نجم عن الحكومة الأمريكية أمر مخزٍ، وأعتذر لمواطنينا الأمريكيين السود. حكومتنا الفدرالية دبرت دراسة بشكل عنصري واضح.”

هكذا قال الرئيس الأميركي بيل كلينتون في خطاب اعتذاره عن تجربة توسكيجى عام 1997م، التي قام بها مركز خدمة الصحة العامة الأميركي لدراسة تطور حالات مرض الزهري غير المعالج والتي كان ضحيتها 600 من المزارعين (الزنوج بتعبير ذلك العصر)، في ولاية الأباما حقنوا ببكتريا مرض الزهري التناسلي على يد أطباء الحكومة، وهم يظنون أنهم يتلقون العلاج بداية من عام 1932 م، وحتى 1972 م وعلى الرغم من أن البنسلين أصبح المضاد الحيوي المعتمد لعلاج الزهري إلا أن الباحثين لم يقدموا الدواء لضحاياهم وتركوهم ينقلون المرض لأزواجهم وذريتهم.
وفي عام 2010 قدم الرئيس الأميركي أوباما اعتذارًا رسميًا لدولة جواتيمالا لما قامت به قيادة الجيش الأميركي في هذه الدولة عام 1945م.

حيث قام الأطباء الأمريكيين بحقن أكثر من 1300 من الجنود والسجناء والمرضى العقليين والأطفال في دور الأيتام ببكتيريا مرض الزهري وغيره من الأمراض التناسلية، في إطار تجربة لتأثير البنسلين في علاج هذه الأمراض في سرية ودون موافقتهم، أو معرفتهم لما يتم حقنهم به. وبينما تلقى بعض هؤلاء الضحايا دواء البنسلين ترك الآخرين يموتون أو يقاسون أعراض الأمراض الخبيثة تحت ملاحظة الفريق الطبي.

اللافت في الأمر أن في هذا التوقيت كان الأميركيّون شركاء في محاكمات النازيين (الأشرار) التي أنتجت ( كود نورمبرغ ) لعام 1947 م والذى جرت على أساسه محاكمه الأطباء النازيين ومعاقبتهم لتجاربهم غير الإنسانية على البشر فحُوكِم 23 منهم، وحُكِم على 7 بالإعدام ونصَّ على لزوم موافقة الشخص الذى تُجرَى عليه التجربة، وأن لا تكون التجربة تؤدي إلى الموت أو الإعاقة الدائمة، وحق من تُجرَى عليه التجربة في إنهائها في أي وقت.

وقد كشف النقاب في السنوات الأخيرة عن مئات من التجارب السرية التي قام بإجرائها الجيش والمخابرات والجامعات والمراكز البحثية الأمريكية على المجندين والأيتام والفقراء والمساجين منذ الثلاثينات حتى السبعينات حيث تغيرت القوانين الأمريكية وقيّدت التجارب على البشر(الرسمية على الأقل) بقيود صارمة تتفق مع المعايير الدولية.

ولكن هذه التجارب التي أنقذت حياة الملايين من الزهري وغيره من الأمراض الفتاكة لم تكن بدعة حديثة بل إن لها تاريخًا طويلًا.

فمثلا د. جيمس ماريون سيمنز المشهور بلقب “أبو طبِّ النساء الحديث”، توصل لتقنية جراحية هامة فى علاج الناسور من خلال تجاربه على الرقيق 1845م إلى 1849م، حيث قام بإجراء عشرات العمليات الجراحية كتجارب على نساء من الرقيق في فناء منزلة الخلفي ويذكر أنه قام بإجراء 30 عملية جراحية تجريبية على سيدة واحدة وبلا تخدير! قبل أن يحكم التقنية ويؤديها للنساء البيض لاحقًا.

أما أول لقاح عرفته البشرية فكان ضد مرض الجدري 1796م، حيث قام الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر بحقن أحد أبناء عماله وهو طفل في الثامنة بجدري البقر وبعدها حقنه بالجدري؛ ليختبر نظريته أن من يصابون بجدري البقر لا يصابون بالجدري الذي يصيب البشر، وتسبب في قتل وتشوية الملايين، ولكن الطفل كان حسن الحظ فلم يصاب بالعدوى رغم أن إدوارد كرر العملية عدة مرات، وكان ناجحًا واختفى المرض من على وجه الأرض في نموذج واضح لمكاسب التجارب الطبية ونفعيتها.

ولكن هذه التجارب التي نعرفها أقل بكثير جدًا مما لا نعرف لغيبة السجلات والأدلة، ولكن يمكننا التوقع فالمثبت أنه في أواخر القرن التاسع عشر تم إصابه أعداد هائلة من المعاقين ذهنيًا والمساجين بالسيلان والبري بري والكوليرا، وغيرها من الأمراض على سبيل التجربة وبغرض جمع الملاحظات أكثر من محاولة التوصل لعلاجات.

وخلال الفترة من عام 1913 إلى عام 1951 قام الدكتور ليو ستانلي، كبير الجراحين في سجن سان كوينتين، بتجارب واسعة على مئات من السجناء، انطوت على زرع الخصية، حيث أخذ ستانلي الخصية من السجناء المعدومين وزرعها جراحيًا في السجناء الأحياء وفى تجارب أخرى حاول زرع الخصيتين من الماعز والخنازير!

فيمكننا التخيل كيف كان الحال في القرون السابقة.
حيث إن دراسة الطب هي دراسة عملية بشكل مطلق فلا يمكن لأحد أن يصبح طبيبًا دون ممارسة وتدريب وإن كانت هذه الممارسة محكومة في عصرنا بقوانين محلية ودولية صارمة تحمي حقوق المرضى، وتحترم إنسانيتهم إلا أنها لم تكن موجودة في العصور الماضية، فكل تقنيات الجراحة والطب تم تعلمهم على أجساد من كانوا في وضع يسمح باستغلالهم: الفقراء والأيتام والمرضي العقليين والعبيد والمساجين والأسرى، وعبر أجساد هؤلاء المعذبين التي تحوّلت لألواح درس وآلامهم نشرت المعرفة الطبية، وزاد عدد طلاب الطب وانتشرت بالتبعية الرعاية الصحية التي ننعم بها الآن، ولم يعد منتشرًا من التجارب سيئة السمعة إلا تجارب الأدوية فلم يفاجئني تصريح أطباء فرنسيين على شاشات التلفزيون، أنه يجب تجربة لقاح كورونا على الأفارقة أولاً وليس الأوربيين، فشعوب الدول النامية عادة هم الهدف السهل لشركات الأدوية التي تجرب أدويتها الجديدة على سكانها الفقراء بالتواطؤ مع سلطاتها ولكن هذا موضوع آخر.

وهكذا نعرف لماذا لم تتقدم صنعة الطب في العالم الإسلامي، رغم توافر العقول الزاهرة والإمكانات والعقلية المتفتحة واستفادة العرب من الأمم الأخرى بلا تحفظ.، ذلك أن تقدم الطب أساسه يقوم على تحوله إلى علم تجريبي موضوعه الجسد الإنساني وهذا ما رفضته الذهنية الإسلامية لتعارضه الشديد مع أخلاقيتها، فلم يكن تحقيق هذا التقدم في العلوم الطبية ممكنًا في الشرق الإسلامي أبدًا.

وهنا يطرح السؤال نفسه هل أخطأ المسلمون وفرّطوا في الأخذ بأسباب التقدم لأنّها لم تتوافق مع معايرهم الدينية؟

الحقيقة أن هذا السؤال أنت من تجيبه وليس غيرك.

فإن محك الأخلاقيات الحقيقية يظهر عندما تتعارض مبادئك مع مصالحك بوضوح، هل تتحمل الخسارة الجسيمة والهزيمة الموجعة في مقابل ألا تتنازل عن أخلاقياتك أم لا؟

هل تعتقد بأن جميع البشر متساوون لهم نفس الحقوق الإنسانية؟ أم إن هذا الأمر يمكن التغاضي عنه، إن كانت في جحده مكاسبُ ومنافع؟

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة

تعليقات الفيسبوك