من أين تأتي لحظات الإلهام؟

من أين تأتي لحظات الإلهام؟

رجل يعيش في مدينة ما، كان طرفًا في الزواج من عشرين امرأة. لم يطلق الرجل أيًا منهن ولم يتم فسخ أي عقد من عقود الزواج، وكل من في هذه القصة أحياء يرزقون. هذا الرجل ليس معددًا ولم يخرق أية قوانين كيف يكون هذا ممكنًا؟

تعرف هذه بمعضلة الرجل المعدد، ويستفيد منها علماء النفس عادة لدراسة الإلهام الإبداعي: العملية التي نكتشف بواسطتها -فجأة- الحل لمشكلة طالما أوقفتنا. في البداية تبدو المشكلة بلا معنى. ثم نقلبها في رؤوسنا، وفجأة، يظهر الحل. لذا من الطبيعي، أن يحب مارك بيمان، وهو عالم أعصاب معرفي يدرس البصيرة والإبداع في جامعة نورث ويستيرن، يحب أن يطرح أسئلة كهذه على المتقدمين الذين يريدون العمل في مختبره. (الإجابة على تلك الأحجية هي أن الرجل قسٌ، الرجل هو من يعقد القران، وليس زوجًا.)

يدرس بيمان الإلهام لأنه عامل هام في فهم آلية الإبداع – الموضوع الرئيسي لبحثه. الإبداع هو العملية الكاملة التي يتم بها توليد أفكار جديدة؛ البصيرة أو الإلهام مجرد خطوة واحدة على الطريق، لكنها خطوة هامة. الموسيقي الذي يكتب أغنية جديدة جميلة قد قام بعمل إبداعي، اللحظة التي أدرك فيها أن بإمكانه كتابتها كانت إلهامًا. في المجمل، يبدو أن الإبداع يأتي عندما يضاف إلى الإلهام العمل الشاق المتمثل في المعالجة التحليلية. فالمرء لا يمكن أن يكتشف نظرية النسبية العامة في حلم إذا لم يكن فيزيائيًا متمرسًا قد قام بعمل عقلي مكثف في الموضوع قبل ذلك.

في مجال علم النفس لطالما كان هناك نوع من الغموض فيما يتعلق بتعريف الإبداع، سلوك من نوع «سوف أعرفه عندما أراه» راوغ الصياغة الدقيقة. أخبرني بيمان، أثناء محادثتنا، أنه كثيرًا ما تردد في إخبار الناس عن مجال بحثه، خوف الرفض أو سوء الفهم. مثلًا، ما الذي يخطر ببالك عندما تفكر في الإبداع؟ حسنًا، نحن نعلم أن شخصًا ما مبدع عندما ينتج أشياء جديدة أو أفكارًا جديدة. مصمم الرقصات، الفنان، الكاتب، العالم أو الرياضي الذي يأتي باكتشاف جديد، هؤلاء هم المبدعون، أناس يحضرون شيئًا جديدًا إلى العالم. ولكن، هذه الرؤية خاطئة، أو على الأقل غير صحيحة بالكامل، كما يوضح «جون كونيوس» وهو عالم نفس في جامعة دريكسيل يتعاون بصفة مستمرة مع بيمان. يقول: «الإبداع هو العملية ذاتها، وليس المنتج.»

وللتوضيح، يعرض بيمان مثالًا: تخيل شخصًا لم يحدث مطلقًا أن استخدم أو رأى مشبك أوراق وهو بحاجة ماسة إلى جمع حزمة من الأوراق سويًا. ثم يبتكر هذا الشخص طريقة جديدة لثني قطعة من السلك الصلب واستخدامها لجمع الأوراق. «هذه فكرة مبدعة للغاية» كما يقول بيمان. على الجانب الآخر إذا كان شخص ما يعمل في مجال جديد – يضرب بيمان مثالًا بتكنولوجيا النانو «الصغائر» ـ فكل ما ينتجه قد يعتبر بالطبيعة إبداعًا. لكن هل كانت عملية إنتاجه إبداعًا في الواقع؟ بتعبير بيمان «ليس كل الفنانين مبدعون، بينما بعض المحاسبين مبدعون من الطراز الأول.»

الإلهام، على العكس، قد ثبت أنه أقل صعوبة في تعريفه ودراسته. لأنه يصل في لحظة محددة من الوقت، يمكنك عزله، واختباره، وتحليل خصائصه. يقول بيمان: “الإلهام هو جزء واحد فقط من العملية الإبداعية، لكنه جزء يمكن قياسه. إنه علامة محسوسة على أن شيئًا ما قد حدث داخل الدماغ. أنا لا أقول مطلقًا أنه يمثل كل العملية الإبداعية، لكنه مكون أساسي يمكن تحديده. عندما يدرس العلماء الإلهام في المختبر، فإنهم يبحثون في أنواع الانتباه وعمليات التفكير التي تؤدي إلى تلك اللحظة من الخلق. إذا كنت تريد أن تيسر الوصول إلى سبق في مجال ما، هل هناك آليات يمكن أن تساعد إذا لجأت إليها؟ إذا وجدت نفسك عالقًا في حل مشكلة ما، هل هناك حيل يمكن أن تفتح لك طريق الحل؟

في دراسة حديثة، تتبع بيمان وكونيوس أبصار المشاركين في الاختبار عندما كانوا يحاولون حل ما يسمى باختبار الصلات البعيدة، وفيه يعطى الشخص مجموعة من الكلمات مثل «صنوبر»، «بري»، «عصير»، ويطلب منه البحث عن كلمة واحدة يمكن أن ترتبط منطقيًا مع كل من هذه الكلمات. لقد أرادوا أن يعرفوا ما إذا كان اتجاه عيني الشخص ومعدل رمشه يمكن أن يلقي ضوءًا على طريقة تفكيره وإمكانية وصوله للحل. وجد أن الشخص إذا نظر مباشرة إلى الكلمة وركز بصره عليها – أي أنه كان يرمش بمعدل أقل، ما يعني درجة أعلى من تركيز الانتباه – فإنه في الأغلب يفكر بطريقة تحليلية، تقريبية، فينتقل بنظام بين الاحتمالات التي تحمل معنى. وبنظام أيضًا يستبعد تلك التي لا يراها مناسبة. فمثلًا إذا كان ينظر إلى كلمة «صنوبر»، فإنه ربما يفكر في كلمات مثل «شجرة»، «مخروط»، و«إبرة»، ثم يختبر كل اختيار ليرى ما إذا كان يلائم الكلمات الأخرى. وعندما يتوقف الشخص عن النظر إلى كلمة معينة، سواءً بتحريك عينيه أو الرمش، فإنه على الأرجح يفكر في ارتباطات أشمل وأكثر تجريدية. وهذه الطريقة في التفكير أدعى إلى استيلاد الإلهام. يقول بيمان: «يجب أن تتعلم ليس فقط التحديق، بل البحث خارج مجال تركيزك.» (الحل لاختبار الارتباطات البعيدة هذا هو «التفاح»).

وكما وجد، فإنه ببساطة عن طريق متابعة عيني شخص ما، وقياس أوقات ثبات لحظه ورمشه (كم من الوقت ينظر إلى شيء ما قبل أن يحول عينيه أو يغلقهما)، تستطيع مجموعة بيمان التنبؤ بالطريقة التي سوف يستخدمها هذا الشخص لحل المشكلة،  ومتى سيقترب من هذا الحل. وبرغم أن هذه  القدرة على التنبؤ ليست جديدة بالكامل، فالدراسة تعيد عملًا سابقًا اعتمد على الرنين المغناطيسي الوظيفي ورسم المخ، اكتشف أنماطًا مماثلة وأظهر أن كلًا من لحظة الإلهام والمراحل التمهيدية تميزها أنماط عصبية محددة، وكذلك يبني على دراسة أجريت عام ٢٠١٢ على الانتباه وحل المشكلات اللغوية، إلا أنها أكثر سهولة في دراستها وملاحظتها وأكثر قابلية للتمرن عليها. يقول بيمان: «هذه الطريقة أقل دقة من الناحية التشريحية، لكنها أكثر ارتباطًا بالانتباه. فحالة انتباهك  قبل التعرض لمشكلة وأثناء حلها أمر مهم.»

وهذا اعتبار يحمل أهمية لعقول تطمح لأن تكون مبدعة؛ فهو يساعدنا على فهم كيف تسهم أنماط محددة من الانتباه في الوصول للإلهام. لقد كتبت مسبقًا عن تأثير الكافيين على الإبداع. واقترح ذلك المقال أن وقوع الشخص تحت تأثير الكافيين ربما يحفز الجزء التحليلي من العملية الإبداعية لكنه يعوق الجزء حيث البحث عن الإلهام، عن طريق شحذ القدرة على التركيز وتبليد قدرتك على التفكير بصورة أكثر شمولية.

يقترح ذلك المقال أيضًا أن التوقيت هام. فمثلًا إذا لم تكن في حالة تركيز أثناء عرض المشكلة – أي أن تفكيرك كان مشتتًا أثناء عرض كلمات «صنوبر»، «بري»، و«عصير»، على الشاشة لأول مرة ـ فربما تجد من الصعوبة الوصول إلى حل ملهم لأنك لم تقم بما يكفي من المعالجة التحليلية الواعية. فأنت بحاجة إلى الحصول على وقتك لفهم كل جوانب الموضوع بالكامل قبل أن تمهد لعقلك السبيل إلى الشرود أو أحلام اليقظة. بمعنى آخر، لا تذهب إلى التنزه أو أخذ حمام ساخن أو الحصول على قيلولة فور تعرضك لمشكلة جديدة. لكن أولًا، اشرب فنجانًا من القهوة للتأكد أنه لم يفتك شيء من التفاصيل.

والآن يحاول بيمان وزملاؤه اكتشاف ما إذا كانت نتائجهم تنطبق بنفس الدرجة على أشخاص قد أنجزوا بالفعل شيئًا مبدعًا. هل من الممكن أن تخبرنا أنماط الانتباه التي يتميزون بها شيئًا عن الإنجاز الإبداعي وليس فقط عن القابلية الشخصية للإبداع، أو بالأحرى، القابلية لإيجاد الحلول الملهمة. وللوصول لذلك، فإنهم يختبرون أناسًا يعرف عنهم التميز في مجالات تعتبر بطبيعتها إبداعية، ومجالات أخرى يمكن أن تكون إبداعية أو تحليلية اعتمادًا على كيفية تعاملك معها، مثل الفنون، المعمار والإعلان. ما يريدون معرفته هو هل يظهر هؤلاء الأشخاص المبدعون في أعمالهم نفس أنماط التفكير الموجودة لدى الطلاب مثلًا. «لا يمكننا أن ندرس كيف أصبحوا مبدعين»، يقول بيمان. «لكن يمكننا أن نرى كيف تعمل عقولهم».

بالطبع، هناك أجزاء من الإبداع لا يمكن إعادة إنتاجها في المعمل، مثل الحظ. يشير بيمان إلى أنه: «ليس كل إبداع يقابله المجتمع بالمكافأة». ربما يمتلك شخصان رؤًى لنفس الفكرة، لكن يحدث أن تظهر إحداهما في الوقت المناسب. «ينسى الناجحون أن بعض نجاحهم هو مجرد حظ».

وهناك مشكلة أخرى أيضًا: أحيانًا تأتي الإجابات على الألغاز التي نستخدمها لقياس الإلهام، وهي من أهم الأشياء التي نستطيع دراستها، من قوى ليس لها علاقة بالإلهام. في أحد الأيام قبل عقد، عندما كان بيمان لا يزال يعمل في مركز علم الأعصاب المعرفي في جامعة بنسلفانيا، قرر أحد مساعديه أن يتحدى مرشحًا للعمل لديهم بمعضلة الرجل المزواج. على الفور أجاب الشاب: القس. من أين جاءت تلك الومضة من الإلهام؟ قال المرشح على الفور «لقد درست في مدرسة كاثوليكية، عندما قلت (رجل) فكرت أنا في (قس)».

إننا ربما لن تنمكن من التنبؤ بمن ستصبح «ماري كوري» التالية أو من سيكتشف واتس آب المستقبل ـ وربما لن تساعدك معضلة الرجل المزواج في تحديد هوية العالم المبدع العظيم الذي ينتظره العالم. (في النهاية، تم تعيين ذلك المرشح، وعمل في مختبر بيمان كباحث مساعد. كان أداؤه جيدًا، لكن لم يكن خارقًا). لكن ربما نكتشف ما يكفي عن آليات العملية الإبداعية ذاتها لتطبيقها على كيفية تفكيرنا وبالتالي نصبح أكثر إبداعًا على مستوى أصغر، لكن ليس أقل أهمية. «أنت لن تحصل على جائزة نوبل لترتيب خزانتك بشكل أكثر كفاءة، لكن أمرًا كهذا ربما يكون ذا تأثير كبير على حياتك اليومية».”كما يقول بيمان. «في الحياة اليومية، الإبداع ليس أقل أهمية. لكننا دئما ما ننسى ذلك».

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك