ماهو مستقبل الطب؟ حوار مع أحد أشهر علماء الوراثة

ماهو مستقبل الطب؟ حوار مع أحد أشهر علماء الوراثة – ترجمة: ترجمة: حمزة رافع

يعتبر د.توم مانينتس اسطورة في عالم الوراثيات ، قضى فترة طويلة في دراسة المورثات البشرية وتعقيداتها. هو احد مؤسسي علم الاستنساخ الجيني، حائز على جائزة lasker (بمثابة جائزة نوبل الامريكية) ، د.مانينتس يقود الان ثورة يطلق عليها (الطب الدقيق) من المحتمل ان تغير الطب تغيير جذري ، اذا لم تكن قد سمعت بها سابقا ها هي فرصتك الان.
تخيل مستقبلاً انك جالس مع طبيبك الخاص تنقبان في DNA الخاص بك عن صفاتك الوراثية وتتحدثان عن التاثيرات البيئية او العمرية التي قد تؤثر على صحتك مستقبلاً ، بعد ذلك تستلم تقرير مفصل عن امراضك الوراثية المستقبلية وكيفية الوقاية منها. بالتاكيد امكانيات الاستفادة من هذا العلم (الطب) الحديث لاحصر لها ، وبالرغم من كثرة النقاشات والاسئلة الاخلاقية المطروحة بهذا الصدد لكن بالتاكيد هذا العلم الجديد سيكون بمثابة حجر الزاوية لمستقبل الطب .

بداية الحوار:

س انت تعتبر اسطورة في عالم الوراثيات. ماانجزته في سبعينيات القرن الماضي وصف بانه اعظم تحول في علم الاحيائيات، وهو ابتكار الاستنساخ الجيني، هل بالامكان ان تخبرنا المزيد عن بداياتك معه؟

ماينتس بالفعل نهاية السبعينات كان بمثابة تحول هائل لعلم الاحياء الجزيئية. التركيز قد تغير بصورة دراماتيكية من دراسة الكائنات البسيطة من بكتريا و فيروسات وغيرها الى دراسة كائنات ارقى ومن ضمنها البشر، دراسة الكائنات البسيطة وفر لنا الرؤية الاساسية لطبيعة الشفرة الجينية وتفاصيل التقنيات الجينية التي تنطبق على كل الكائنات الحية. لكي اكون واضحاً، مختبري لم يبتكر الاستنساخ الجيني، الفكرة والاثبات الاولي يعود الفضل فيه الى (stanly cohen) ,(herbert boyer ) و (paul berg) ، لكن تمكنا في مختبرنا من ابتكار ادوات استنساخ فعّالة تمكننا من عزل و دراسة المورث البشري كل على حدة. في الواقع نحن الاوائل في انتاج (مكتبة) مورثات بشرية واستنساخ اول مورث بشري وهو مورث (b-globin).

ولكي تتوضح الفكرة للقارى ساقوم بوصف كيفية عمل المورثات بصورة مختصرة، ان الخلايا البشرية تمتلك مايقارب 25,000 مورث والتي (تُشفر) المخططات البروتينية التي تكون كل الخلايا في اجسامنا، هذه البروتينات هي ليست فقط وحدات بنائية (عضلات ،عظام، دم..) بل هي تشكل اساسيات كل الفعاليات البشرية من حركة و احساس و ادراك وكل الفعاليات الدماغية. التحدي الاساسي في السبعينات كان عزل ودراسة عمل كل مورث، كان تلك الاوقات رائعة ولي شرف أن أكون جزء من تلك الثورة الجينية .

قد أسستُ بنجاح عام 1980 شركة ذات تمويل خاص تدعى (مؤسسة المورثات)، واحد من اعظم انجازاتها هو تمكين المرضى المصابين بالهيموفيليا (النزف الدموي) صنف A,B من العيش بصورة طبيعية، كيف حدث ذلك؟ عندما كنت طالبا ادرس علم الحيوان بجامعة كولورادو في منتصف الستينات كانت فكرة جمع العلم و العمل اخر ماكان اتصوره، لكن بعد 50 سنة قمنا انا و مشرفي على بحوثي (Mark Ptashne) قمنا بتمويل (مؤسسة المورثات) كان الهدف منها هو انتاج بروتينات علاجية باستخدام DNA هجين (DNA بشري و فايروسي) ، طريقة العلاج كانت تتم بتشخيص المرض اي بتحديد اي مَن مِن البروتينات لايتم انتاجها لاسباب تحولية وراثية، ثم يتم استنساخ المورث الطبيعي من فرد سليم ، ومن ثم يزرع في خلية لكائن ثديي مصممة هندسيا ووراثيا لانتاج عدد اكبر من هذا البروتين. يتم انتاج كميات كبيرة من البروتينات الخالية من المرض ويتم استخدامها لعلاج اشخاص يعانون من الهيموفيليا ، لسوء الحظ، الكثير من المتبرعين بالدم كانوا مصابين بالايدز، لذلك انتقل الفايروس بصورة غير مقصودة ليس فقط لمرضى الهيموفيليا بل لكل من استلم الدم المصاب.

اشهر مثال على ذلك هو (Arther Ashe) بطل التنس الامريكي في بطولة امريكا المفتوحة الذي اصيب بالايدز اثناء عملية نقل الدم وتوفي على اثرها، ان انتاج عامل (IX) و (VII) جعل المصابين بالهيموفيليا ان يعيشوا بصورة طبيعية دون الخوف من ان يصابوا بامراض الدم الولادية مثل التهاب الكبد. الطب الدقيق يوصف بانه مستقبل الطب، مبدئياً له امكانية توصيل العلاج للشخص المناسب في الوقت المناسب ، هل تخبرنا ماهو بالضبط الطب الدقيق؟ فكرة الطب الدقيق هي ان الامراض الوراثية يمكن تشخيصها و حتى علاجها وفق تحديد مورثات فردية ، لكن هذه العملية معقدة ، اول خطوة كانت تحديد التسلسل الوراثي DNA البشري ، تم انجاز هذه العملية قبل 15 سنة ببحوث كلفت ملايين الدولارات تم من خلالها معرفة مكان كل مورث على حدة ومعرفة كيف ومتى يؤثر على الانسان، بعد ذلك تطورت الحواسيب والبرمجيات مما جعل كلفة البحوث تنخفض، تحديد المورث الواحد يتطلب 1000$ بصورة عامة، يوجد الان امثلة جيدة للعلاج لكن الطريق طويل قبل تحديد كل المورثات وتاثيرها.

في بداية مراسلاتنا الالكترونية كنت متخوفاً من اجراء اللقاء بسبب سوء فهم الصحافة للطب الدقيق،
س ماذا تقصد؟
ماينتس بعض العلماء يُسيئون من تقدير صعوبات الطب الدقيق ولهذا اصبح الطب الدقيق كلمة يساء فهمها ايضا اخلاقياً و عملياً لكني على يقين ان التطور العلمي في استمرار و سيحدث تقدم كبير جداً.

ساطلقت شركة (Vertex Pharmaceuticals) دواء اسمته (Kalydeco) ساعد على تحديد مكان المورث المسؤول عن التليف المثاني ، منظمة الغذاء والدواء(FDA) وافقت على طرحه بوقت اسرع من بقية الادوية، هل تعتقد ان مثل هذه القرارات متسرعة ام وقائية؟

ماينتس دائما هناك توتر بين المرضى الذين يودون الحصول على الدواء الجديد بسرعة وبين منظمة الغذاء والدواء التي عليها ان تتاكد من فاعلية الدواء ، هذه العملية صعبة لكني متاكد ان FDA ستتمكن من ايجاد الحل الوسط بحيث تتاكد من فاعلية الدواء وتنقذ اكبر عدد من الارواح بنفس الوقت.

س يقترب الان مرور سنة على اعلان الرئيس اوباما استثمار 215 مليون دولار في مجال بحوث الطب الدقيق، ماذا حدث منذ ذلك الوقت؟

ماينتس العمل يتقدم والخطط تجري لابتكار مبادرات ذات حجم اكبر، في النهاية سيتم تحديد ملايين من المورثات وسيتم تحديد تسلسلها، المشاكل ليست فقط تقنية بل مشاكل اخرى مثل الخصوصية و التمويل بالاضافة الى المشاكل الاخلاقية، خزانة وزارة الصحة قد اصبحت اعلى في الفترات الاخيرة ولكن ايضاً هناك مشاريع اخرى يجب تمويلها ليس فقط الطب الدقيق، انا اشجع ذلك لان الطب الدقيق يتطور مع بقية المجالات لكي يخدم الانسان بافضل صورة.

س قد قرات مقالات تتجادل حول وجوب التركيز على الطب الوقائي بدل الطب الدقيق ، ما رايك؟

ماينتس كلاهما مهم ولايمكن تقليل شان احدهما على حساب الاخر، مثال على ذلك هي دراسة اجريت على اشخاص مختلفين يتبعون نفس النظام الغذائي وفي نفس البيئة ويتبعون نفس نمط الحياة ولكن يعانون من امراض مختلفة ويرجع ذلك الى اختلاف تركيب مورثاتهم والى اختلاف نوعية البكتريا والاحياء الدقيقة التي تعيش داخل اجسامهم وهذا مثال واضح على التحام الطب الوقائي والدقيق.

س هناك جامعات كثيرة مهتمة بابحاث الطب الدقيق مثل نوستردام، ستانفورد و كولومبيا ، هل هم حقاً مهتمين بصحة الاشخاص ام فقط غرضهم الكسب عن طريق مخصصات البحوث؟

ماينتس لا استطيع التحدث عن نوايا الاخرين لكني اؤكد لك ان جامعة كولومبيا بعيدة كل البعد عن اسلوب الربح من المخصصات العلمية لان التكاليف التي قامت بها هذه الجامعة من بنية تحتية و مختبرات و تقنيات لا تستطيع مخصصات البحوث سدادها.

سالرئيس اوباما قال ذات مرة(فلتذهب ايام الاسراف في الطب والاسراف في الوصفات والاسراف في الاستشارات والتي كانت اسبابها عدم تنظيم الاقتصاد الصحي)، ماذا كان يقصد برايك؟
ماينتس هنا يشير الى ان عدد الزيارات الى الطبيب ستقل فيما لو اعطي المريض الدواء المناسب بالنسبة لمورثاته وامراضه الوراثية وستزيد هذه الزيارات فيما لو اعطي الدواء غير المناسب، وهذا له تاثير كبير على اموال الدولة خصوصاً اذا كانت العيادات والعلاجات مجانية او تجريبية. كم يفصلنا عن ايجاد مثال واقعي ملموس للطب الدقيق؟ نحن نلاحظ الان امثلة حية عن هذا الطب وانا اجزم ان الطب الدقيق سيتطور اكثر خلال هذا العقد، وبصورة متسارعة لان اساسيات هذا الطب قد وجدت و مبادئه قد توضحت.

س بالرغم من كل النوايا الحسنة لهذا المجال الا ان اسئلة اخلاقية كثيرة تتوجه نحوه، فماذا لو استغل هذا الطب في ابادة جماعية لمجموعات معينة مثلا باستخدام مورث محدد في DNA؟
ماينتس يُساء استخدام اغلب انواع التقنيات و التكنلوجيا، اعتقد انه من الخطأ منع اي تطور او تقدم علمي بسبب الخوف من سوء استخدامه، يجب على الحكومات و السياسات منع ذلك، على سبيل المثال نفس الجدل كان حول الخوف من سوء استخدام تقنيات DNA في 1970 لكن اي سوء استخدام لم يحدث بل بلعكس قد حدثت تطورات هائلة على مدى 40 سنة قد انقذت ارواح الكثيرين.
س احدى الانتقادات هي ان عدد قليل من الامراض تعزى لمورث واحد او مجموعة صغيرة من المورثات، ماهو ردك على ذلك؟

ماينتس هذا صحيح فعلا، معظم الامراض الوراثية معقدة، وكلما اكتشفنا تسلسل وراثي جديد كلما زادت التعقيدات، على اي حال قد تقدم علم المورثات وتم اكتشاف قرابة 25 مورث اظهروا ارتباطهم مع مرض (ALS) وذلك من خلال الراكيب البروتينة الخاصة بها.

س قد حصلت على جائزة LASKER وهي النسخة الامريكية من جائزة نوبل، هل هذا النوع من الجوائز يشجعك لفعل المزيد ؟ وماذا تعني لك الجوائز؟

ماينتس بالتاكيد لقد تشرفت لحصولي على هذه الجائزة ، لكن اغلب العلماء يعتقدون ان لمثل هذه الجوائز جوانب ايجابية و سلبية. الجانب الايجابي هو تكريم الانجازات العلمية ولفت انظار العامة للبحوث العلمية وفهم الناس اكثر لهذه المجالات و التقنيات. اما الجانب السلبي فهي الضغينة التي تحدث بين العلماء ، فهناك مجموعة كبيرة من العلماء وراء كل انجاز علمي لكن الذي يتم تكريمه هو شخص واحد او اثنين ، علينا ان نجد طرق لتكريم كل شخص ساهم بتقدم هذا المجال.

س في العام الماضي قمت باطلاق (Kallyope) لدراسة تعامل الدماغ مع بقية الاعضاء الاخرى، مالذي تُحدثنا عنه؟
ماينتس نحن نؤمن ان (Kallyope) هي شركة فريدة من نوعها فهي الوحيدة التي تعمل على مجالات واصعدة مختلفة في نفس الوقت لفهم كيفية تعامل الدماغ مع الوظائف الاساسية مثل الايض الى الفعاليات المعقدة مثل النوم، التخمة والادمان وهي الاكثر تعقيداً. سيتطلب هذا تسخير تقنيات عديدة تتنوع من دراسة مورثات الخلية الاحادية الى دراسة الدماغ وتتطلب ايضاً مجموعة متميزة من العلماء. لقد كنت محظوظاً في اشتراكي بتمويل شركات ناجحة ادت الى انتاج علاجات مرخصة من قبل FDA واعتقد ان (Kallyope) ستكون ذات انجازات افضل.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة.

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي فريق المكتبة العامة





تعليقات الفيسبوك